الرئيسية | شؤون اقتصادية | اقتصاديات المــــــيراث فى الإســــلام

اقتصاديات المــــــيراث فى الإســــلام

أ.أحمد غزالة * /


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد بن عبد الله النبى الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. الحمد لله الذى شرع لنا نظاماً للميراث من أحسن النظم المالية وأحكمها وأعدلها فنظام الميراث فى الإسلام هو أحد الأنظمة التى تميزت بها الشريعة الإسلامية وانفردت بها عن باقي الشرائع السماوية وكافة النظم الوضعية فالله عز وجل هو الذى وضع لنا أحكام الميراث بنفسه بل هو عز وجل الذى تولى بنفسه تفصيلها تفصيلاً دقيقاً فلم يترك فيها المجال لتفكير البشر أو اجتهاداتهم لتحديد الورثة وأنصبتهم فنحن هنا أمام نظام رباني.
وليس الهدف من مقالتى هذه تناول قضية الميراث من الناحية الفقهية عن تحديد الورثة وأنصبتهم والحكمة من هذا التقسيم فهذا الأمر حقيقة أثراه الكتاب والباحثين بكتابات عديدة، ولكن أردت فى هذه المقالة إلقاء الضوء على جانب لم يأخذ حقه فى الكتابة من الكتاب والباحثين ألا وهو الميراث من منظور اقتصادى ومناهضة آراء المستشرقين والعلمانيين فى افتراءاتهم الإقتصادية على نظام الميراث فى الإسلام وذلك انتصاراً لشريعتنا الغراء فى مواجهة الأفكار المتطرفة.
ومن أبرز الإفتراءات الإقتصادية للفكر العلمانى على نظام الميراث فى الإسلام بأنهم قالوا بأن نظام الميراث الإسلامى يؤدى إلى تفتييت الثروات وهذا يؤثر على ميزة الإنتاج الكبير إلا أننا يمكن أن نواجه هذا الإفتراء بأن فى شريعتنا الإسلامية درء المفاسد مقدم على جلب المنافع لأنه فى تركيز الثروة مفاسد كثيرة ومن أهمها احتكار الإنتاج فى يد واحدة وهذا يؤدى بدوره إلى ارتفاع الأسعار وزيادة معدلات التضخم كما أن عدم توزيع الثروة يساعد على البطالة للأشخاص الذين تم حرمانهم من نصيبهم فى الميراث والذي كان بإمكانهم أن يتحولوا لطاقات انتاجية جديدة فى المجتمع تساعد على ميزة الإنتاج الكبير وكلها مفاسد لا يمكن أن يقبلها المجتمع من أجل تركيز الثروة لتحقيق مصلحة قلة من الناس.
كما أننا يمكننا الرد على هذه الشبهة المثارة أيضاً من الفكر العلماني بأن شريعتنا الغراء لا تشترط فى كل حالات توزيع الميراث أن يتم تفتيت الثروة فنجد فى بعض أنواع الميراث مثل الشركات والمصانع والمشروعات الكبرى يمكن أن يكون هناك حلولاً بديلة لتفتيت الثروة إذا كان سينشأ هناك ضرر من التفتيت فيمكننا هنا عدم تفتيت المشروع ولكن يمكن دخول مساهمين جدد للمشروع أو عن طريق التخارج أو البيع وبالتالي فإن هذا الإفتراء على نظام الميراث الإسلامى غير صحيح لأن النظام الإسلامى يبيح البيع والتخارج والشراكة بما يحقق التوزيع العادل للميراث دون تفتيت الثروات، وقد نص فقهاء المالكية على (شركة الإرث) والتي تتكون من خلال اجتماع الورثة فى ملكية عين عن طريق الميراث.
ومن الشبهات المثارة أيضاً من المستشرقين وأصحاب الفكر العلماني أن نظام الميراث الإسلامى يؤدي لعدم تكافؤ الفرص حيث أن الميراث هو كسب من غير جهد إلا أننا يمكن أن نرد على هذه الشبهة المثارة في أن الورثة الشرعيين من أقارب الميت هم أحق الناس بالتركة لأنهم عليهم واجب الإنفاق على المورث لو كان قبل الموت فقيراً وهم أغنياء وهذا هو الرأى الراجح فى النفقة مصداقاً لقوله تعالى {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} [سورة البقرة: 233].
كما أن استخلاف أشخاص آخرين فى المال أمر طبيعى فالمال مال الله عز وجل يستخلف فيه من يشاء من عباده وهو من مقتضى حكمة الله عز وجل لكي يتكامل الناس فيما بينهم لأنه لو تساوى الناس فى كل شيء لأصبحت حياتهم مستحيلة فقال الله عز وجل: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}[سورة هود: 118].
وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}[سورة الأنعام:165].
وبالتالى يمكننا أن نستنتج مما سبق أهم المزايا الإقتصادية لنظام الميراث فى الإسلام وهي:
1- نظام الميراث الإسلامى يؤدى إلى العدالة في توزيع الثروة وتقليل حدة التفاوت بين أفراد المجتمع حيث نجد هنا أن نظام الميراث الإسلامى يؤدي إلى توزيع الثروة بين عدد أكبر من أفراد المجتمع مما يترتب عليه تقليل الفوارق بين الناس ومنع تكديس الثروات واحتكارها مما يترتب عليه مفاسد خطيرة في المجتمع من الحقد والكراهية والبغضاء والجشع والطمع.
2- نظام الميراث الإسلامى يساعد في الحد من مشكلة البطالة ويعمل على زيادة الإنتاج حيث أنه يساعد في توفير رأس المال لعدد كبير من الورثة مما يترتب عليه خلق فرص عمل جديدة لأشخاص قد يعانون من البطالة مما يؤدي لزيادة الطلب على السلع والخدمات ومحاربة الكساد.
3- نظام الميراث الإسلامى يعمل على كفاءة استخدام الموارد لأنه في معظم حالات الميراث تنتقل الثروات إلى عناصر شبابية جديدة تحمل طاقات كامنة وطموحات وآمال نحو المستقبل وبالتالي يكون لديها القدرة على العمل والإنتاج بشكل أفضل وبالتالي التوظيف الأمثل للموارد وخاصةً إذا كانت هذه العناصر الشبابية الجديدة تحمل بداخلها قيم وأخلاق الإسلام حتى لا تضيع الثروة مثل ما نرى في بعض المجتمعات التي تنتقل فيها الثروات لعناصر بعيدة عن قيم وأخلاق وتعاليم الإسلام فتضيع تلك الثروات.
وختاماً فإننا نقول جملةً واحدة أن نظام الميراث يؤدي لتداول الثروة وهذا هو الهدف الأساسي للنظام الإقتصادي الإسلامي بصفةً عامة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
*(الباحث فى شئون الإقتصاد الإسلامى . مصر)

عن المحرر

شاهد أيضاً

الـمال والإنسان

أ.أحمد غزالة / لقد جاءت شريعة الإسلام شريعة متكاملة تجمع بين أمور الدين والدنيا، فالإسلام …