الرئيسية | روبورتاج | ظاهــــــرة العنـــــف بيـــــن الأسبــــــاب والحلــــــول

ظاهــــــرة العنـــــف بيـــــن الأسبــــــاب والحلــــــول

أمال السائحي /ــــ

 

 

يقول العلماء في كلمة عنف هو: «كل تصرفٍ يؤدي إلى إلحاق الأذى بالآخرين، وقد يكون هذا الأذى جسميًّا، أو نفسيًّا؛ كالسخريَّة والاستهزاء، وفرض الآراء بالقوة، وإسماع الكلمات البذيئة، وجميعها أشكال مختلفة لظاهرة العنف المتنامية…

إنّ ما أصبحنا نعيشه يوميا على صفحات الصحف المقروءة والقنوات التلفزيونية والإذاعية المرئية والمسموعة، عن العنف والتنمر السائد، عبر المؤسسات، والمدارس، والجيران، والشارع، الذي لا يخفى على أحد… والأدهى من ذلك والأمر، الجرائم التي ترتكب بطريقة وحشية وغير آدمية، التي تزرع الرعب بين الأهالي، من خطف للأطفال وقتلهم، أطفال في عمر الزهور لا حول لهم ولا قوة، وقتل وحشي بين الشباب وما طالعناه ولا زلنا نطالعه على صحفنا السيارة عن حوادث مؤلمة لشباب يافع…أي عنف هذا وأي ضمير هذا… وأي عقل يستطيع أن يستوعب هذه الجرائم الخطيرة، التي تدل على أن المجتمع قد تفشى فيه هذا المرض العضال، ولا بد له من تشخيص عاجل غير آجل، لمعرفة أسبابه، والبحث عن أفضل أساليب علاج هذه الظاهرة الخطيرة التي استفحلت فيه، والتي توشك أن تقوض أركانه، وتهدم بنيانه، والدليل على ذلك تفاقم ظاهرة الهجرة بين أبنائه، فتلك علامة دالة على أنه تحول بسبب ظاهرة العنف المتنامية فيه إلى مجتمع طارد، بسبب انعدام ثقة أهله فيه، وشعورهم بعجز هياكله عن توفير الحماية والأمن لهم ولأموالهم فهجروه مكرهين، إلى مجتمعات يرونها أقدر على توفير ذلك لهم، ولمعرفة طبيعة هذه الظاهرة، والأسباب المسئولة عنها، وما ينبغي اعتماده من حلول لمحاصرتها، والحد من آثارها على مجتمعنا.
قمنا باستطلاع آراء مجموعة من الأساتذة من أهل الاختصاص، وإليكم ما أفادونا به:
تقول الأستاذة كريمة الأخضري:
أستاذ مكون مسخر بمفتشية المقاطعة الثانية الرويسات (ولاية ورقلة): في نظري أنّ العنف بأنواعه يشكل سلسلة مترابطة جدا وخاصة العنف الأسري والمدرسي وعنف الشارع، وذلك بطريقة التداعي.
أولا: العنف الأسري:
وله قسمان عنف لفظي وعنف مادي، حيث أن الإنسان يأخذ القدوة الأولى من وسطه الأسري أولا، فإذا ما تخلت الأسرة عن دورها الأساسي في التربية الإيجابية المأخوذة من تعاليم الدين الإسلامي، فإنها بذلك تكون قد تخلت عن غرس الأخلاق الفاضلة في أطفالها منذ بداية نشأتهم، فينشأ الطفل يرى العنف بأم عينيه بين والديه أو يطبق عليه هو شخصيا أصلا، وبهذا جعلت الأسرة دورها الأساسي يتقلص تدريجيا، بل أصبحت تحمل المدرسة المسؤولية التربوية كاملة. أضف إلى ذلك عدم متابعة الوالدين لبرامج الأطفال التي أصبحت أغلبها تتمحور حول الشر والعنف، ناهيك عن وسائل الإعلام الأخرى كالانترنت التي غزت منازلنا بنسبة كبيرة وعدم وجود رقابة أسرية على ما يتابعه طفلها.
وبهذا يظهر تداعي العنف بأشكاله في الشارع، فيصطدم المجتمع بتركيبة متشابهة في نشأة الأطفال، فيصبح بهذا منظور العنف مسيطرا على الحياة اليومية، ناهيك على المخدرات التي انتشرت بطريقة رهيبة، وأصبحت في متناول الصغير والكبير وإلخ… من السلوكات المشينة التي طغت أيضا على الشوارع.
وخلاصة القول أن العنف في نظري يرجع إلى تخلي الأسرة عن المراقبة والتربية ،وعدم ضبط الإعلام السمعي البصري خاصة قنوات الأكشن، وإلى انتشار المخدرات بصورة رهيبة بسبب عدم الحزم في التصدي لهذه الظاهرة المدمرة للشخصية.
ومن أجل القضاء على ظاهرة العنف، لابد من إنشاء لجان خاصة لدراسة العنف دراسة علمية نفسية اجتماعية دقيقة، تحدد وتضبط كيفية التخلص من هذه الظاهرة الدخيلة على المجتمع الجزائري.
وسألنا الأستاذ إلياس:
أستاذ الهندسة الكهربائية في التعليم الثانوي وباحث دكتور في أصول الفقه المقارن وإمام خطيب متطوع في مساجد أم البواقي عن الظاهرة والأسباب التي تولدت عنها والحلول التي يراها الأجدر للتغلب عليها فقال:
الألفة بين النّاس سنة فطرها الله في قلوب الأسوياء منهم، وحينما تغيب الحجة وتنكسر النفس وتصيبها العاهات النفسية وتفقد بوصلة القيم تلجأ لإدارة الخلاف بلغة العنف ،فتحيد عن طبيعتها الإنسانية وهو ما عبر عنه الله في معرض حديثه عن ابن أدم في قوله: «واتل عليهم نبأ ابني أدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من احدهما ولم يتقبل من الأخر قال لأقتلنك..»، هكذا هي الطبيعة الإنسانية لما تصيبها علل النفوس تظهر عوارضها في السلوك العنفي المخالف لفطرة التسامح والحلم.
ولعلّ الوقوف على أسباب انتشار العنف في حل النزاعات الاجتماعية واقتراح الحلول لذلك من أهم المسائل التي لابد للمصلحين والباحثين الاهتمام بها، خاصة حينما تصير ظاهرة اجتماعية تتسم بها المجتمعات وترهق ثمارها مختلف السلطات.
ومن المظاهر التي كثر الحديث عنها في مختلف القنوات ووسائل التواصل الاجتماعي عصابات العنف في الشوارع والأحياء مما دفع بالمشرع الجزائري إلى سن قوانين لردع ذلك.
ويعتبر الركود السياسي الإصلاحي دافع أساس ليأس النّاس مما يجعلهم يائسين من بروز شموس الأمل في الوقت القريب، ولد ذلك فقدان الثقة في بناء نفسية تشاركية متسامحة عند النّاس وعند الشباب بشكل أخص مما يدفعه إلى التعبير بعنف عن أي شيء يشترك مع الآخر.
ولا شك أنّ أزمة التدين ألقت بضلالها على الحالة التي يعيشها المجتمع وانخفاض منسوب الأخلاق والتدين في أوساط الشباب كان سببا في ذلك.
ومعالجة هذه المظاهرة تحتاج إلى اجتماع الجهود الرسمية غير الرسمية من قادة وعلماء ومصلحين حتى لا تتحول إلى قنبلة موقوتة يستغلها أعداء الأمة ليضربوا وحدتها واستقرارها.
وهذه الوضعية المشكلة تحتاج إلى عقد دراسة يجتمع حولها الباحثون حتى يقدموا الخطة الكفيلة بتقديم العلاج الشافي.
وسألنا زميلتنا الأستاذة صباح غموشي مديرة روضة عن رأيها بهذا الموضوع الهام فقالت:
«الحقيقة أنه موضوع هام وخطير يؤرقنا جميعا كأولياء وكمربين وكأفراد مجتمع بشكل عام.. ومن خلال تجربتي المعتبرة كمديرة روضة لسنوات ثمّ كمديرة مدرسة قرآنية أتعامل مع كل المراحل العمرية ،أقول والله أعلم أن العنف ليس أصيلا في مجتمعنا عكس ما يريد البعض إلصاقه كطبع أصيل في الجزائريين، لكنه دخيل أفرزته عوامل عدة أذكر منها على سبيل الذكر لا للحصر بداية: غياب الحوار الهادئ تماما في بيوتنا وفي مؤسساتنا بحيث يكبر الطفل على كمية مكبوتات عجيبة يخرجها بشكل عنيف وغير متوازن في كل مناسبة، يريد التعبير عن رأيه الذي لا يستطيع التعبير عنه بشكل طبيعي، كذلك ما يغرسه الإعلام من عنف واضح من خلال الرسوم المتحركة والأفلام وكذا الألعاب الإلكترونية فيتبرمج الطفل والفتى لا شعوريا على العنف ويترجمه بلا وعي في الشوارع وغيرها.. لا يمكن أيضا إغفال ما تقوم به بارونات المخدرات، من تضييع لعقول شباب بالمهلوسات التي تدفعهم مباشرة للعنف، في غياب شبه تام أيضا لتطبيق القوانين الردعية، على كل من يقوم بالعنف، أو بالترويج لما يدفع له.
أما الأستاذة وهيبة سلطاني:
أستاذة مكونة في مادة العلوم الإسلامية وكاتبة فهي ترى أنّ ظاهرة العنف الاجتماعي والمدرسي المتنامية في مجتمعنا تتركز أسبابها في ثلاث:
1_البيئة غير السوية التي يتربى فيها الإنسان (البيت والمدرسة والشارع) والتي تطغى عليها لغة التعنيف البدني أو اللفظي أو النفسي سواء بين الوالدين أو الآباء والأبناء أو المدرس وطلابه.
2_ تعرض الفرد للظلم والتنمر من قبل غيره مما يجعله ذا قابليه للانتقام والتنمر على غيره.
3_ثقافة المجتمع القائمة على أساس أن قوة الشخصية وفرض الذات والقيادة في المجتمع تتطلب ترهيب الآخرين بتعنيفهم بدنيا أو لفظيا، أما بالنسبة لعلاج هذه الظاهرة فهي.
العلاجات الآتية:
1_نشر ثقافة السلم والحوار أثناء التعامل مع الغير في جميع منابر الحياة. مع ربط ذلك بتعاليم الإسلام السمحة.
2_التوعية المستمرة بخطورة وآثار العنف على حياة الأفراد والمجتمع.
3_توجيه وتوظيف طاقات الشباب لأمور نافعة له ولغيره كالأنشطة الرياضية والأعمال الخيرية والخدمات الاجتماعية.
أما الأستاذ محنن فاتح، مهندس دولة في الإعلام الآلي، وباحث حر:
فيتطرق إلى العنف المجتمعي: المنشأ والمآل، بحيث يقول: تعرّف المنظّمة العالمية للصحة العنف بأنه الاستخدام المتعمد للقوة الجسدية، والتهديد ضد الآخرين أو ضد النفس، ضد مجموعة أو مجتمع، مما يسبب أو يحتمل أن يؤدي إلى صدمة أو ضرر نفسي أو مشاكل في النمو أو إلى الموت.
وبينما كل تعريف للعنف يرتكز في تعريفه على القوة والإكراه، فإنه يتناسى التواطؤ المجتمعي في استفحال الظاهرة، إذن فهو تعريف قاصر، ينقصه جمع ومنع.
فالعنف هو كلّ إكراه بدني أو لفظي أو نفسي من أجل إخضاع الآخر للسيطرة، وهو خروج عن أعراف المجتمع وقوانين الدولة المنظمة للسير الحسن للمجتمعات.
يبدأ العنف أول ما يبدأ حين يريد أحد الأطراف فرض رأيه بالقوة، فإما أن يجد رادعا من الطرف المقابل، أو من المحيط، أو يجد داعما له يزيد من حدته، وله منشأ أصلي يبدأ من البيت خارجا، ثمّ ينتقل إلى الشارع والمؤسسات المجتمعية كالمدارس، والعكس أيضا صحيح.
ولأنّ الأسرة نواة المجتمع، فإنّ الأسرة السوّية لا يمكنها تصدير مشاريع إجرام، بينما العنف المنزلي بين الأزواج هو أحد أهم أسباب العنف خارجه، فهو ليس إلاّ انتقالا للعنف على شكل صورة مكبرة لصورة مصغرة تحدث بالداخل، فالتفاضل في الأعطيات بين الأولاد، والتفرقة على أساس الجنس، تهيئة نفسية للأولاد لتقبل إرهاصات التنمر، فيرحلون بها إلى الشارع والمدرسة. ولأنّ الصاحب ساحب فإنّ الطالح يسحب معه طالحا مثله فينسخ عنه ويستنسخ منه، في حالة تضامن يجد فيها العزاء والتعويض عن الفقد النفسي الأسري السوي، في حين نرى البطالة –وهي إحدى مظاهر هذا التشيؤ – تنحى بالعنف إلى مستويات قياسية، نلحظ غياب قيمة الإنكار في نفسية المجتمع، وهو السد المنيع الذي يفترض أن يمنع تفشي هذه الظاهرة، ويحول دون انتشارها بشكل يجعلها معروفا وهي في أصلها منكر.
ولأن الموضوع يكتسي طابعا غاية في الأهمية، فإنه من المهم بمكان البحث عن حلول تعيد للمجتمع أصالته المفقودة، ويمكن تلخيصها في نقاط سريعة نترك للمتخصصين بعدها، فرصة التأصيل والتفصيل:
تفعيل دور المؤسسات المجتمعية ابتداء من الأسرة، المسجد، المدارس، والجمعيات، وإخضاع الأخيرتين لمنطق الكفاءة والكيف لا الكم.
مساهمة الدولة في رفع المستوى المعيشي للأسر حتى تجفف منابع العنف بكل أشكاله.
رفع مستوى وعي المجتمع للوصول به إلى مستوى الأمر بالمعروف وإنكار المنكر، من تلقاء النفس دون الحاجة كل مرة إلى رادع قانوني.
فتح فضاءات فكرية ورياضية لشغل وقت الفراغ، وإحياء فريضة القراءة.
ولأن الموضوع أكبر من أن يحتويه مقال بهذا الحجم، فإن عودة إليه كل مرة وكلما سنحت الفرصة من التربويين والإعلاميين وذوي الاختصاص والشأن المتصل، سيكون أكثر من ضرورة، لأنه سيسهم في تعزيز المناعة المجتمعية ضد هذا السلوك الدخيل على مجتمعاتنا الإسلامية.
إنّ النتائج التي قد تعكسها حالة العنف المجتمعي في حال تطورها وانتشارها كارثية وخطيرة على المجتمع والدولة، لذلك فإن هذا الأمر يتطلب الاهتمام الجدي بالبحث عن الحلول، وليس الاكتفاء بتشكيل لجان، أو إصدار التصريحات، فذلك لن يجدي شيئا في وقف هذه الظاهرة الخطيرة، التي باتت تنخر في المجتمع، ولا يتأتى ذلك إلا بمعرفة الأسباب التي أدت إلى ظهور العنف، ومختلف العوامل التي ساعدت على انتشاره، ثمّ التكفل ببذل الجهود المطلوبة للحد منه، فذلك هو المنهج الصحيح لوضع حد له وتجاوزه، وغير ذلك لن يجدي فتيلا في التخلص منه.

عن المحرر

شاهد أيضاً

التعـلـيـم عبـر الخط والجامعـة الجـزائريـة

بعدما فرضت جائحة كورونا أوضاعا استثنائية، أوجبت علينا التعايش معها وفقا لظروف ومعطيات مختلفة متغايرة …