الرئيسية | أعلام | مقالات | لا لخطاب الكراهية والترويج للإسلاموفوبيا

لا لخطاب الكراهية والترويج للإسلاموفوبيا

محمّد المأمون القاسمي الحسني* /

أصدرت الرابطة الرحمانية للزّوايا العلمية بيانا، على إثر تصريح أدلى به الرئيس الفرنسي ماكرون، يُسيء إلى الإسلام والمسلمين؛ زعم فيه «أنّ الإسلام في العالم يعيش أزمة»!؟.
وجاء في البيان الّذي وقّعه رئيس الرابطة، الشيخ محمّد المأمون القاسمي: «إنّ خطاب الرئيس ماكرون يُذكي روح الكراهية، ويروّج للإسلاموفوبيا، الّتي تقف وراءها جهات تربط بين الإسلام والتعصّب، ورفض التّسامح مع المخالف. والسيّد ماكرون وأمثاله يعرفون أنّ الخلل ليس في الإسلام، بل في المنتسبين باطلا إلى الإسلام. إنّهم يعلمون أنّ الإسلام بريء من ممارسات المنحرفين عن منهجه القويم؛ وهم طوائف مختلفة جرفهم تيّار الغلوّ والتعصّب؛ ففقدوا الرؤية الصحيحة، وتجاوزوا الاعتدال؛ وأعطوا صورة سيّئة عن الإسلام؛ بفكرهم وسلوكهم المنافي لقيم الإسلام، وممارساتهم الخاطئة الّتي ينكرها الإسلام، دين الوسطية والاعتدال.ومن وراء هؤلاء المنحرفين أنظمةٌ وتنظيماتٌ تسيء إلى الدين؛ بتوظّيفه لغايات سياسية، واستعماله لتحقيق مكاسب مادّية.
إنّ أيّ باحث نزيه ينظر إلى الإسلام، بتجرّد وموضوعية، يدرك أنّ طابع التسامح يعدّ أكبر مميّزاته؛ وتظهر آثاره فيما جاءت به شريعته السمحة من مبادئ وتوجيهات، تتعلّق بحياة الفرد وحياة المجتمع؛ فضلا عن علاقات الإنسان بأخيه الإنسان. وهذه الحقيقة يعرفها خصوم الإسلام، الّذين يناصبونه العداء؛ ويعملون دون هوادة لمنع انتشاره، وحجب القلوب عن نوره، وصدّ الناس عن سواء سبيله. {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} التوبة/32.
لقد أساء الرئيس ماكرون بخطابه إلى مليارين من المسلمين، وإلى مشاعر الملايين منهم، يعيشون في بلاده؛ ويسهمون بشرف وفاعلية في ترقية المجتمع الفرنسي، في مختلف مجالات الحياة: العلمية والثقافية، والاقتصادية والاجتماعية. وكان يجدر به أن يرقى بتصريحاته إلى مستوى الدولة العظمى الّتي يدير شؤونها؛ وهي الّتي ترفع، مع دول الغرب، شعار الدفاع عن الحريات، وصيانة حقوق الأقلّيات. وعندما يتعلّق الأمر لديهم بالإسلام والمسلمين، يتغيّر الخطاب، وتختلّ الموازين.
إنّ على قادة العالم أنْ يتحرّروا من العصبيات الضيّقة، ويتأمّلوا في القيم السّامية الّتي تزخر بها شريعة الإسلام، ليدركوا أنّه لا صلاح للعالم إلاّ بدين الله الحقّ، الّذي بعث به رسوله للناس أجمعين، وجعل رسالته رحمة للعالمين. ولو أنّ الناس استفادوا هذه القيم وتمثّلوها لاستطاعوا أن يسهموا بالحظّ الأوفر في إصلاح مجتمعاتهم؛ بل وفي إصلاح العالم من حولهم، وتقويم مساره، وإنقاذه من المظالم التي طغت على شعوبه، وإشاعة روح التسامح والتعاون في مجتمعاته. قال تعالى: {قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} المائدة/.15.16.
إنّ العالم اليوم يشهد انحلال الرّوابط الإنسانية في مجتمعاته، واختلال الموازين في العلاقات الدولية بين شعوبه. وقد بذلت جهود ومحاولات، لترميم هذه العلاقات، وتصحيح ما اختلّ من المسارات، لكنّها فشلت كلّها، مثلما أخفقت جهود الحوار بين الثقافات والحضارات؛ لأنها تجري في ظلّ ازدواجية المعايير، وسياسة الكيل بمكيالين؛ وهي سياسة تنتهجها دول عظمى تهيمن على العالم؛ وتسيطر على منظّماته الدولية؛ وتتحكّم في مؤسّساتها الإنسانية والسياسية.
ونحن نعتقد أنّ أيّ حوار لن تكون له جدواه، ولن يؤتي ثماره ويبلغ مرماه، إلاّ باعتماد منظومة قيم أخلاقية متوازنة، تكون قاعدة لتعاون مثمر بين شعوب العالم، على اختلاف أنظمتها، وتباين مناهجها واختياراتها.
وفي تقديرنا أنّ القيم الإنسانية في الإسلام، والتعاليم السمحة لنظامه الشّامل، تشكّل منهجا قويما، وركيزة أساسية لمنظومة متكاملة، تكون معيارا أخلاقيا، وميزانا ثابتا، يحترمه الجميع، ويلتزم به الجميع؛ فيرجعون إليه، في جميع أوضاعهم؛ ويقيمون عليه علاقاتهم؛ ويقوّمون، في ضوئه أعمالهم ومعاملاتهم؛ بعيدا عن النزوات والأهواء واختلاف الأمزجة والنوازع الشخصية، وتعارض المصالح وتصادم المنافع الذاتية.
فما أحوجَ البشرية إلى هداية الإسلام، لتتحرّر من عبودية الدنيا، وترتقي إلى عبودية الله. وسبحان من لو شاءَ لهدى النّاسَ جميعا. ﴿ومن يعتصم بالله، فقد هدي إلى صراط مستقيم﴾ آل عمران/101.
والله وليّ الإعانة والتوفيق.

* شيخ زاوية الهامل

عن المحرر

شاهد أيضاً

فرنسا بعد مرور 30 سنة من اندلاع معركة الحجاب

باريس/سعدي بزيان / تحركت ترسانة الإعلام الفرنسي عشية مرور 30 سنة على اندلاع معركة الحجاب …