الرئيسية | الحـــق الـمر | حدثني عن الإحسان!

حدثني عن الإحسان!

يكتبه د. محمّد قماري /

ما زلت أعتقد جازمًا بوجود ضرورة في إعادة نقل التراث الفكري للمرحوم مالك بن نبي إلى العربيّة، إذ من العسير قراءة ذلك التراث على الشاكلة التي نقل بها إلى قراء العربيّة، ففي بعض مفاصل النصوص تبدو الأفكار أقرب إلى الطلاسم، وربما يعود بعض الأسباب إلى الأسلوب الذي كتب به بن نبي في الفرنسية، فهو أسلوب كثيف، وشديد التركيز، ولا شك أن خلفية التكوين العلمي (التقني) لبن نبي جعلته أقرب إلى لغة الهندسة منه إلى لغة الاطناب والترسل الأدبي… وهناك سبب آخر أكثر غرابة، فلقد قرأت في يوميات بن نبي (Lescarnets) أنه كان شديد الاقتصاد في استعمال الورق بسبب الضائقة المالية التي لازمته في مجمل سنوات عمره، رحمه الله، فكان يسلك أقرب طريق لعرض أفكاره، دون الهيام في أودية البديع والزخرف اللفظي. ومما أذكره من تجربتي الخاصة مع كتبه، أن وقع بصري على فصل عقده في كتابه الرائد (شروط النهضة)، تحت عنوان (الذوق الجمالي)، وتعجبت ما الذي جعله يقحم الجمال في شروط النهضة؟ ولم يتسن لي فهم ذلك الفصل إلاّ بعد الاطلاع على النّص الأصلي باللّغة الفرنسية، إذ يرى بن نبي أن الألفة بما هو قبيح وبشع لا يصدر عن صاحبه إلا ما كان بشعا وغير مكتمل! ولعلّ الإمام الشاطبي في (الموافقات) وهو يخلص من الكليات إلى المقاصد قد اتنبه إلى هذا المعنى حينما صنع في كتابه فصلا لـ(المقاصد التحسينية)، وهو بذلك يسير على نهج المدرسة الفقهية المالكية التي جعل علماء الأصول فيها (الاستحسان) من مصادر التشريع، فكل أمر يتصل بالحياة العامة للمسلمين مما لا يحكمه نص صريح من الكتاب والسنة، أو اجتهاد علمي بالإجماع يلحقه بأحد الكليات، وجب على الأمة أن تعمل ذوقها الجمالي، قصد أن تكون حياتها المعيشية في غاية الحسن والجمال والترتيب والرونق. والمعجم العربي يقول لنا: (وحسَّنْتُ الشيءَ تحْسيناً: زَيَّنتُه، وأَحسَنْتُ إليه وبه)، وأنظر لعبارة أحسنت إليه والتي تعني الجودة والاتقان عند الإقدام على أي عمل وذلك حماية للجانب الوظيفي، وأحسنت به أي أنه يشبع الجانب الجمالي، فلا تكفي الوظيفة وحدها، ولعلّ القرآن الكريم وهو يحدثنا عن اللّباس أشار إلى هذا المعنى: {يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ} (الأعرف/26)، فالجانب الوظيفي للباس عند البشر هو ستر العورة وهي التي تفرق بينه وبين سائر الحيوانات، وهناك جانب الرونق والزينة (وَرِيشًا) ثم الجانب الأخلاقي ممثلا بلباس التقوى. لقد ضرب بن نبي مثلاً بالمسوّلين في شوارعنا لتبسيط هذا المعنى، فالمتسول عندنا يتعمد لبس الرث من الثياب، والوسخ من الأسمال إلى درجة أنه إذا اقترب منك تبتعد من سوء رائحته، وقبح منظره، وبدل أن يثير فيك الشفقة فإنه يثير فيك التقزز، فتنفر منه وتتمنى أن لا يقترب منك! ويضرب مثلا آخر بطفل فقير، يلبس أسمالاً بالية بها رقع غير متجانسة، وقد بدا وسخ الثوب والجسم عطن الرائحة، يقول بن نبي إن الإجراء الأصوب في هذه الحالة هو الأخذ بيد الطفل لأقرب مصدر للماء، وتعليمه كيف يكون فقيرا ونظيفا، فالفقر في حد ذاته ليس عيبا أو معرّة. ولطالما توقفت متعجبا عند حديث جبريل، حيث دخل عليه السلام على النبي، -صلى الله عليه وسلم -، وهو بين أصحابه، وذلك الوصف البديع للمعلم: (إذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَياضِ الثِّيَاِب شَديدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لا يُرَى عليه أَثَرُ السَّفَرِ ولا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ)، ثياب نظيفة وشعر لامع ورائحة زكية، عبر عنها بانتفاء (أثر السفر) من غبار ورائحة العرق وغيرها، لكن الأغرب هو السؤال الأخير والجواب عنه… لقد سأل عن الإسلام وسأل عن الإيمان وسأل عن الإحسان، وجاء الجواب عن السؤال الأول محددا الجانب القانوني لجنسية المسلم، وهي مجموعة من الأقوال والأعمال الظاهرة، يشهد عليها المجتمع بالسماع والرؤية، والجواب عن السؤال الثاني جاء محددا للجانب العقدي من الديانة، لكن الجواب الثالث بدا وكأنه لا يتصل بعنوان السؤال، فالسؤال عن معنى مجرد (الإحسان)، وفيه الحسن والذوق الرفيع… وجاء الجواب عن معنى أشد تجريدا: (أَنْ تَعْبُدَ الله كَأَنَّكَ تَرَاهُ فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاك)، أي ربط هذا بين (الحسن) وقمة التجريد؟ الحقيقة أن أرقي ما في الإنسان عقله، وكلما ارتقى العقل في استيعاب التجريد والاستدلال على الغائب بالمشهود كان راقيًا، وقمة في الحسن والتألق، ألا نعجب بعلماء الرياضيات والذرة والالكترونيات لأنهم يملكون عقولاً تستطيع أن تتعامل مع الحقائق المجردة، وينتقلون منها إلى تطبيقات محسوسة، فذلك هو العقل الكبير، والعقل الذي يهتك حجب التجريد ليعيش بالغائب في المشهود كأنه (يراه)، وذلك هو قمة الإحسان!.

عن المحرر

شاهد أيضاً

سكرة المفسدين

يكتبه د. محمّد قماري / عجيب أمر اللّغة العربيّة، فهي من جانب نظامها العام لغة …