الرئيسية | موقــــف و خـــاطـــــرة | إلى متى هذه الجرائم؟

إلى متى هذه الجرائم؟

الشيخ نــور الدين رزيق *

نرى كل يوم في وسائل الإعلام جرائم ترتكب، فهذا اختطاف للأطفال، وهذا اغتصاب وقتل وحرق، وهؤلاء تجار المخدّرات بكميات هائلة في عدة ولايات، وهذه صعاليك الأحياء يستعملون الأسلحة البيضاء، ويعتدون على الناس، والمنازل، والدكاكين، وبعض هذه العصابات يحترف إغراء الحراقة، ليغرقوا في البحر، هذا كله يشير إلى أزمة أخلاقية، كما يدل على قلة الردع، بتطبيق قانون العقوبات، إن الردع شرع لمثل هذه الجرائم، ولعل القضاء أيضا لم يكن حازما في تطبيق قوانين العقوبات، فلا بد من دراسة هذه الظواهر الإجرامية، والوصول إلى سدّ الثغرات في القوانين، فرغم ما نشاهده من محاكمات للمفسدين الكبار، فإن المفسدين الآخرين لا نرى محاكماتهم فإن بعض الدول تحكم على تاجر المخدرات بالإعدام ردعا له.
إن القصاص في الشريعة الإسلامية شرّع للردع، ومنع القتلة من أن يقدموا على إزهاق أرواح الناس، ولحفظ هذه النفوس من العدوان عليها، فإذا عَلِم من تسول له نفسه القتل أن مصيره الإعدام، يصعب أن يقدم عليه، فالنص القرآني صريح، ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾البقرة/179، غايته الحفاظ على حياة الناس، وليس المقصود منه مجرد قتل الجاني، فإذا اعتدى على نفس بالقتل فجزاؤه من جنس الفعل، سدّا لباب هذه الجريمة.
والذين يزعمون أن القصاص قتل أيضا، نعم هو حياة للآخرين، وحفاظ عليها حتى لا يجرأ الناس على ارتكاب هذه الجريمة، فهذه حكمة رادعة، مانعة للإقدام على إزهاق الأرواح، ولذلك ورد في القرآن أنه ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾المائدة/32.
إن عدم تنفيذ الحكم بالإعدام على مثل هؤلاء المجرمين هو الذي جرّأهم على قتل الأطفال وغيرهم من البرءاة.
إننا نطالب القضاء وأصحاب التشريع في الجزائر أن لا يستجيبوا للدعوات التي تدعو إلى منع الحكم بالإعدام، لأن السجن وحده غير رادع، بل إنه إذا خرج بعد قضاء مدة الحبس، فإنه يمكن أن يعيد هذه الجريمة.
ومن هنا نعلم حكمة الشريعة في جريمة القتل العمد، ولكن الشرع يشجع أولياء القتيل أن يعفوا عن القصاص، ويأخذوا ما يتفق عليه من الدية بالمعروف ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾البقرة/178، ولا يجوز للقاضي العفو، فإن لأولياء القتيل سلطانا، إذا لم يتنازلوا عن القصاص، فإنه يستجاب لهم، وينفّذ، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقتُلُوا النَّفسَ الَّتي حَرَّمَ اللَّـهُ إِلّا بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظلومًا فَقَد جَعَلنا لِوَلِيِّهِ سُلطانًا فَلا يُسرِف فِي القَتلِ إِنَّهُ كانَ مَنصورًا﴾الإسراء/33.
ويقول الله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّـهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾البقرة/194.
والآية الصريحة في القصاص هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٧٨﴾ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾البقرة/179-178 والمقصود بالتخفيف والرحمة هو عفو أهل القتيل وميلهم إلى الدية، ولكنه إذا عاد بعد العفو، فإنه يقتص منه ولا يجوز العفو عنه ولذلك قال الفقهاء: إن الشريعة تحث على العفو لكن إذا أعاد فلا عفو.
*أمين مال
جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

عن المحرر

شاهد أيضاً

الرجل الوفي ثامر لطرش البوسعادي

الشيخ نــور الدين رزيق * / من المؤمنين رجال لَا تَعْلَمُهُمْ الله يعْلَمُهُمْ، الوفاء خصلة …