الرئيسية | حوار | البروفيسور مصطفى عشوي لجريدة البصائر:

البروفيسور مصطفى عشوي لجريدة البصائر:

  • «علم النفس عبر الثقافي» تخصص جديد أسعى لنشره في الجزائر
  • «على الجامعة الجزائرية أن تواكب التطورات التي وصل إليها علم النفس»
  • «لا تتطور المدرسة الجزائرية إلا برؤية مستقبلية وفلسفة تربوية»

حاورته: فاطمة طاهي /ــــــــــــ

 

تحدث البروفيسور مصطفى عشوي، نائب رئيس الجامعة العربية المفتوحة للبحث والتخطيط والتطوير، التي مقرها بالكويت، عن واقع علم النفس في الجزائر وفي الدول العربية والإسلامية، وعن اخر الدراسات والتطورات التي وصل اليها هذا العلم عالميا، مشيرا في هذا الصدد الى تخصص «علم النفس عبر الثقافي»، قائلا: «أسعى وأحاول مع بعض الزملاء الى نشر هذا التخصص في الجزائر، اذ يساعدنا على فهم تأثير الثقافة الجزائرية من حيث الأعراف والعادات والتقاليد والدين، وتأثير هذه الجوانب الثقافية في السلوك»، كما قدم الدكتور تحليلا نفسيا للشخصية الجزائرية من خلال الدراسة النفسية والميدانية التي قام بها رفقة مجموعة من الباحثين، وهي أول دراسة من نوعها في الجزائر بمقياس عالمي، وحدثنا كذلك عن مواضيع مؤلفاته منها المتعلقة بالصدمات والاضطرابات النفسية التي تعرض اليها الجزائريون جراء الجرائم المرتكبة من قبل المستعمر الفرنسي. وفيما يخص المدرسة الجزائرية وما السبيل للنهوض بالتعليم، تطرق الدكتور للحديث عن كتابه «المدرسة الجزائرية إلى أين»، إضافة إلى نقاط أخرى مهمة حول تخصصات علم النفس وعن توجهات هذا العلم مستقبلا.

 

 

بداية دكتور لو تقدم لنا نبذة عن شخصكم الكريم؟

الأستاذ الدكتور مصطفى عشوي، خريج جامعة الجزائر، قسم علم النفس، ضمن أول دفعة تتخرج باللغة العربية في علم النفس سنة 1977م، واصلت دراستي في الولايات المتحدة الأمريكية، بالتحديد في نيويورك حيث تحصلت على شهادة الماجستير في علم النفس سنة 1980م، وعلى شهادة الدكتوراه سنة 1983م، درّست في جامعة الجزائر طيلة 12 سنة، ثم انتقلت إلى الجامعة العالمية الإسلامية في ماليزيا حيث درّست فيها مدة خمس سنوات، ثم انتقلت إلى جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بالسعودية، ودرست فيها حوالي 10 سنوات، واشتغلت أيضا بالجامعة العربية المفتوحة منذ عام 2011م، إذ شغلت فيها منصب نائب رئيس الجامعة للتخطيط والبحث والتطوير لمدة سبع سنوات، ثم مستشارا لرئيس الجامعة، وقد تقاعدت من الجامعة ابتداء من شهر أفريل الماضي.
لي عدة مؤلفات من بينها: «أسس علم النفس الصناعي التنظيمي» و«المدرسة الجزائرية إلى أين»، “علم النفس المعاصر”، «الصدمات النفسية في الجزائر» وهو مؤلف مشترك، إضافة إلى كتاب: «البلخي نفساني سبق عصره بتسعة قرون» وهو كتاب مشترك مع الأستاذ الدكتور مالك بدري، ثم كتاب: «تكامل مصالح الأبدان والأنفس عند البلخي»، والذي نشر سنة 2019م في الجزائر، وكتاب: «الإنسان في فكر ابن القيم» الذي نشر في السعودية، أيضا من الكتب المهمة التي نشرتها بالمشاركة مع ثمانية باحثين جزائريين هو كتاب: «الشخصية الجزائرية: دراسة ميدانية نفسانية”.

اشتغلتم دكتور منذ 2011م منصب نائب رئيس الجامعة العربية المفتوحة، ما هي الإضافة التي تقدمها هذه الجامعة للدول العربية ؟

الجامعة العربية المفتوحة التي يوجد مقرها الرئيسي في الكويت لها تسعة فروع في تسعة بلدان عربية: في السعودية، الأردن، الكويت، لبنان، مصر، البحرين، السودان وفلسطين، تسعى إلى فتح فروع لها في شمال إفريقيا بالجزائر والمغرب، وتونس. ولهذه الجامعة شراكة مع الجامعة البريطانية المفتوحة، حيث تستمد منها برامجها، كما تقوم الجامعة البريطانية بمراقبة الجودة الأكاديمية والجودة المؤسسية في هذه الجامعة، كما تتيح هذه الجامعة أسلوب التعليم المدمج، وهو التعليم الذي يعتمد على حضور الطلاب إلى الجامعة بنسبة ثلاثين بالمائة، والثلث الثاني يقوم على التعلم الالكتروني عبر منصات تعلم الكترونية حديثة، والثلث الآخر هو التعلم الذاتي والاجتهاد الشخصي في إعداد الدروس، والواجبات حيث يُكوّن كل طالب عند التحاقه بالجامعة في السنة الأولى على مهارات التعلم الذاتي، وللجامعة العربية كتاب باللغة العربية حول كيفية اعتماد الطالب على نفسه في التعلم، وتتميز هذه الجامعة بمعايير جودة عالية، حيث برامجها الأكاديمية وإطاراتها وقوانينها مراقبة من طرف الجامعة المفتوحة في بريطانيا.والإضافة التي تقدمها هذه الجامعة هي أولا: كونها تقدم التعليم الميسر الذي لا يتطلب الحضور إلى الجامعة، ثانيا: أنها جامعة مفتوحة لكل الأعمار وحتى أصحاب المعدلات المنخفضة، ولكن في المقابل النجاح في هذه الجامعة نوعي وصعب جدا، حيث تتيح الفرص للجميع بالالتحاق بالجامعة ولكن من جهة أخرى تحرص الجامعة على النجاح النوعي، إضافة إلى أن الرسوم التي يدفعها الطلاب هي رسوم منخفضة مقارنة برسوم الجامعات الخاصة الأخرى، كما أن كل التخصصات التي تُدرس في الجامعة العربية هي باللغة الانجليزية إلا تخصص التربية إذ يُدرّس باللغة العربية.

كيف ترون واقع «علم النفس» في الجزائر، وواقعه في البلدان العربية والإسلامية؟

علم النفس هو علم حديث يأخذ معارف من علوم عدة كالبيولوجيا والفيزيولوجيا وعلم الاجتماع والتربية وغيرها من العلوم، والحقيقة أن هذا العلم تطور كثيرا في البلدان المتقدمة، حيث تعترف الجمعية الأمريكية لعلم النفس بأكثر من خمسين تخصصا في هذا الميدان، ومن أهم هذه التخصصات: علم النفس العيادي وعلم النفس الصناعي التنظيمي، علم النفس التربوي، علم النفس الاجتماعي وعلم النفس السياسي وغير ذلك من التخصصات، إذ يسهم هذا العلم في حل مشكلات الأفراد من الناحية النفسية.واليوم فيه توجهات جديدة في هذا الاختصاص حيث يتناول مواضيع تواكب التطور الاقتصادي والتكنولوجي والرقمي الحاصل في الكثير من المجالات، وقد كتبت موضوعا حول توجهات علم النفس الحديث، وألقيته في مؤتمر علم النفس بوهران شهر مارس الماضي، حيث أشرت إلى توجهات علم النفس الحديث في البلدان المتقدمة وكذا في العالم العربي وفي الجزائر بصفة خاصة، والحقيقة أن التقدم الحاصل في البلدان المتقدمة بخصوص علم النفس تقدم كبير جدا، وأصبح لهذا التخصص جمعيات مهنية متخصصة في مجالات علم النفس المختلفة، كما أخذ هذا العلم في البلدان المتقدمة منحى أو مسارا تطبيقيا في كيفية الاستفادة من هذا الاختصاص في مختلف المجالات، وملاحظ أن أهم التوجهات لهذا العلم مستقبلا هو التأكيد على علم النفس العصبي الذي بدأ يبرز كمدرسة فرعية جديدة، إضافة إلى علم النفس المعرفي الذي يدرس القدرات الذهنية للإنسان، وأيضا تخصص علم نفس الجينات الذي يركز على تأثير العامل الوراثي في السلوك وفي سمات الشخصية، أيضا تخصص علم النفس وتكنولوجيا التعليم المدعمة بالمعرفة الرقمية أو ما يسمى اليوم بالتعليم عن بعد، وهذا أيضا علم واختصاص أخذ أبعادا جديدة، والكثير من الجامعات حتى التقليدية بدأت تعتمد على التكنولوجيا المدعمة بالمعرفة الرقمية أو بالحاسوب، أيضا علم النفس عبر الثقافي وهو اختصاص جديد، حيث إن كثيرا من الباحثين وجدوا أن لعامل الثقافة تأثيرا كبيرا في تباين السلوك، إضافة إلى علم النفس الإيجابي حيث إن علم النفس الكلاسيكي كان يركز على اللاسواء وعلى الاستثناء وكذا على الجوانب السلبية في السلوك كالانحرافات مثل الشذوذ والجرائم وتفكك الشخصية، أما علم النفس الايجابي فيرى الجوانب الايجابية في شخصية الإنسان كالتفاؤل والشعور بالسعادة وكذا التعامل بروح طيبة مع الآخرين وبناء العلاقات الايجابية بين الأفراد وفي المجتمع. وفي الحقيقة مسيرة علم النفس في الدول العربية والإسلامية لا تزال في بدايتها سواء تعلق الأمر بالمجال النظري والمتعلق بالمعرفة أم على مستوى التطبيق من حيث المنهجية و الممارسة، ولكن نقول إن تدريس علم النفس كاختصاص بدأ في الانتشار واتسع في كثير من البلدان العربية والإسلامية.

ما هو تحليلكم النفسي للشخصية الجزائرية؟ وما هي النتائج التي توصلتم إليها من خلال دراستكم النفسية والميدانية حول هذه الشخصية؟

إن كتاب: «الشخصية الجزائرية: دراسة نفسية ميدانية»، من الدراسات الرائدة لفهم الشخصية الجزائرية من الناحية الميدانية، وهو ليس عبارة عن ملاحظات أو تعميم قائم على أحكام ذاتية  أو على بعض المراجع المحدودة، فهذا الكتاب عبارة عن دراسة ميدانية شملت تسع ولايات جزائرية تم اختيارها بطريقة عشوائية من شمال وجنوب وشرق وغرب الجزائر، وقد بلغ أفراد عينة هذه الدراسة ستة ألاف شخص من ذكور وإناث ومن أعمار مختلفة، وطبقنا في هذه الدراسة مقياسا عالميا، واستبيانا قمنا بتصميمه، والمشاركون في هذه الدراسة هم: الدكتور محمد لحرش من جامعة الجزائر أبو القاسم سعد الله «بوزريعة»، الأستاذة نوال بريقل من جامعة باتنة، الدكتورة صباح عايش من جامعة سعيدة، والدكتور فياض بن كرو من جامعة بجاية، والأستاذ عبد المولى بوشامي من جامعة تمنراست، والدكتورة سليمة بن حمودة من جامعة ورقلة، والدكتورة صبرينة سليماني من جامعة قسنطينة، الدكتور فارس زيد العابدين من جامعة سيدي بلعباس، وكان لهذه الدراسة الميدانية هدفان رئيسيان: الأول يتمثل في معرفة الصفات الأساسية للشخصية الجزائرية: الايجابية و السلبية، لنتوصل الى وضع ملمح للشخصية الجزائرية، أما الهدف الثاني فهو رفض الأفكار والأحكام النمطية التي تعمم حول الشخصية الجزائرية دون تقديم دليل علمي على ذلك، كما يتكون هذا الكتاب من شقين: الشق الأول متعلق بدراسة قائمة على مقياس عالمي يسمى بمقياس عوامل الشخصية الخمسة الكبرى وهي: الانبساطية والطيبة ويقظة الضمير أو الوعي والعُصابية والتفتح، حيث قمنا بالمقارنة بين فئة الذكور والإناث من خلال هذه العوامل الخمسة الكبرى، وقد كانت دراسة هذه العوامل أيضا حسب فئات السن، وحسب المستوى الدراسي وكذا حسب المهن والتخصصات. وقد وجدنا فروقا بين الذكور والإناث وبين فئات السن المختلفة، وبين الولايات بمعنى أننا نرفض التعميم والأحكام النمطية القائمة على تعميم غير مدعم بالبحوث العلمية، كما أن الدراسة قائمة على الاستبيان في استخراج الخصائص أو الصفات الايجابية والسلبية التي تتصف بها الشخصية الجزائرية في المناطق المختلفة، فالصفات الخمس الايجابية الأساسية التي تتصف بها الشخصية الجزائرية هي: التعاون، الكرم، الشجاعة، الوطنية، والعفو أو المسامحة، وأضفنا نحن صفات أخرى لتصل إلى عشرة صفات أساسية، وقد وجدنا فروقا جوهرية وذلك حسب المناطق والجنس والمستوى الدراسي عند الطلاب وغيرها من المتغيرات، وتتمثل الصفات الخمسة الإضافية في عزة النفس، التدين، المحبة، الطيبة، الروح الاجتماعية، وفيما يخص الصفات السلبية الأساسية فهي: النرفزة، الكسل، العنف، العدوانية، الأنانية والكذب، ويأتي بعد ذلك: عدم احترام الوعود والمواعيد، اللامبالاة، التسرع، الغيبة والنميمة، والحقد، وقد وُجدت أيضا فروق جوهرية بين المناطق في هذه الصفات سواء أكانت ايجابية أم سلبية وذلك حسب العوامل الجغرافية والتاريخية، وكذا الثقافية المتعلقة بالأعراف والتقاليد، هذه أهم الأشياء التي درسناها في هذا الكتاب ولم يقم بها أحد من قبل حسب اعتقادنا.

ما رأيكم دكتور في منهجية تدريس «علم النفس» في الجامعة الجزائرية؟

هناك جهود لتأصيل هذا العلم في بعض البلدان، ولكن إلى الآن هذه الجهود لا تزال محدودة، إذ يغلب عليها الطابع الإيديولوجي ونحن نريد أن يستقل علم النفس عن الجانب الإيديولوجي دون إنكار التأثير الثقافي في سلوك الإنسان والجماعات، الحقيقة أن المدرسة التي كانت سائدة في العالم العربي حول هذا التخصص هي مدرسة التحليل النفسي، ولكن الآن هناك توجه جديد وقوي نحو مدرسة علم النفس المعرفي، التي تركز على القدرات الذهنية للإنسان، وكيفية تنمية وتطوير هذه القدرات واستعمالها في جوانب الحياة المختلفة، خاصة في تنمية وتطوير القدرات الفردية والجماعات، أما في الجزائر رغم انتشار عدة تخصصات كعلم النفس العيادي وعلم النفس العمل والتنظيم وعلم النفس المدرسي، إلا أن هذا التخصص يعاني ضعفا في التأطير، فمعظم رسائل الماجستير والدكتوراه تفتقر إلى المنهجية العلمية الدقيقة، كما نجدها لا تعكس واقع المجتمع ومجالات الحياة المختلفة، وبطبيعة الحال هذا لا يرجع الأمر أو السبب إلى الجامعة والباحث فقط، إنما إلى عدم وجود تفاعل وتكامل بين قطاعات التنمية المختلفة، إذ يعتبر علم النفس في الجزائر من حيث التدريس من أكثر الفروع انتشارا مقارنة بالبلدان العربية الأخرى، ولكن مثله مثل بقية التخصصات من حيث ضعف المستوى وجودة البرامج المقدمة، وعدم توفير الكتب المتخصصة، وأيضا فيما يخص مستوى الأساتذة توجد حاجة لإعادة تدريب معظمهم لمواكبة التطورات الحديثة في هذا التخصص. من جهة أخرى فيه شباب وباحثون يتوجهون إلى تعلم اللغة الإنجليزية للإطلاع على الدراسات الحديثة في هذا التخصص باللغة الانجليزية.

أين وصلت دراسات «علم النفس» في البلدان المتقدمة، وأنتم عضو بالجمعية الأمريكية لعلم النفس؟

الجمعية الأمريكية لعلم النفس لها عدة مجلاّت، كما أنها تعقد مؤتمرا سنويا، لكن لا يحضره كثير من المتخصصين في البلدان النامية والفقيرة، لأن هذا المؤتمر ينعقد فقط في الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي هذا يشكل حاجزا يعود للتأشيرة ولتكاليف السفر وكذا تكاليف المؤتمر وغير ذلك، كما أن لهذه الجمعية دورية تهتم بعلم النفس العالمي وتنشر فيها بعض الأخبار والدراسات المختصرة حول علم النفس في البلدان المختلفة، ولكن حسب رأيي تعاون هذه الجمعية مع علماء النفس في البلدان النامية والفقيرة ضعيف، وهذا راجع لهيمنة علم النفس الأمريكي وتوجهه، كما لا تبذل هذه الجمعية جهودا كبيرة لمساعدة المتخصصين في البلدان التي تحتاج إلى الدعم في هذا المجال.

حدثنا كذلك عن مجال علم النفس الثقافي، بصفتكم عضوا في الجمعية العالمية لعلم النفس الثقافي؟
باعتباري عضوا في الجمعية العالمية لعلم النفس الثقافي منذ عدة سنوات، وعضوا ملاحظا عن الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في اللجنة التنفيذية، فأهداف هذه الجمعية هو نشر علم النفس عبر الثقافي في البلدان المختلفة، والقيام بدراسات مقارنة بين أنواع السلوك، ولهذه الجمعية مجلة بعنوان: “علم النفس عبر الثقافي”وتعتبر من المجلات المرموقة في هذا التخصص، إذ تسهم في نشر بحوث عالية المستوى تقارن بين العديد من الثقافات في سلوك معين سواء أكان في مجال تربية الأطفال أو المراهقين أوفي مجال الأداء والإدراك أو في مجال القيادة، كما قد نجد تعاون بين أكثر من 30 باحثا في دراسة واحدة، فهذا الزخم والتعاون الكبير بين الباحثين في ثقافات مختلفة يعمل على تنمية وتطوير علم النفس ضمن الأطر الثقافية المتباينة والمختلفة، وهذا يبين مدى غنى علم النفس وتأثره بالثقافات المحلية، وبالتالي من خلال هذه الجمعية أسعى وأحاول مع بعض الزملاء إلى نشر هذا التخصص في الجزائر، والذي يعرف ديناميكية كبيرة، إذ يساعدنا على فهم ثقافات أخرى وفهم تأثير الثقافة الجزائرية والثقافات الفرعية من حيث الأعراف والعادات والتقاليد والدين في السلوك.

“الصدمات النفسية في الجزائر” عنوان لإحدى مؤلفاتكم، ما هي هذه الحالات النفسية التي تطرقتم اليها وما أسبابها ؟

هذا الكتاب عبارة عن عمل ميداني شارك فيه كل من البروفيسور مصطفى خياطي والدكتور عبد القادر خياطي، والأستاذة صبرينة قهار، الأستاذة نبيلة خلال والأستاذة سامية عرعار، والأستاذة سهيلة زميرين، وكذا الأستاذة عقيلة لكعب، والأستاذة نادية براوي، أشير إلى هذه الأسماء لأنهم فعلا قاموا ببحوث ميدانية ودراسات نُشرت في هذا الكتاب، وبالتالي من المواضيع المهمة هو الموضوع المتعلق بالمصير النفسي والاجتماعي للأطفال من ضحايا مظاهر العنف والإرهاب التي وقعت في الجزائر، حيث يتوافر الكتاب على دراسة تتبعية للصحة النفسية لهؤلاء الأطفال، أيضا فيما يخص الزلازل هناك دراسة خاصة عن ضحايا الصدمات النفسية الناجمة عن الزلازل التي وقعت في ولاية بومرداس، وهنا أشير إلى تقرير ميداني عن الزلزال الذي وقع سنة 2003م وتأثيره على الصحة النفسية خاصة عند الأطفال، وهناك موضوع كتبته حول صدمة الاستعمار في الجزائر، وهو موضوع خاص بالجرائم التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في حق الجزائريين، مما أدى إلى التأثير في أعماق الشخصية الجزائرية وأبعادها السلوكية، والذي تسبب في ظهور عدة اضطرابات نفسية وذهنية، تحدث عنها الكاتب والمناضل الكبير فرانس فانون، وقد بينا بالأرقام وبالمراجع الفرنسية ما خلفته هذه الجرائم من صدمات نفسية مختلفة لدى المجتمع الجزائري عند الأطفال والمراهقين وكبار السن. وفي الواقع، فإن الحرب التي شنتها فرنسا ضد الجزائر، والحرب النفسية التي تعرض إليها الشعب الجزائري خلفت اضطرابات نفسية كثيرة لدى الجزائريين.

أعلنتم سابقا عن إنشاء جمعية علمية متخصصة «جمعية علماء النفس الجزائرية» وبعد مدة نشرتم في صفحتكم عبر الفايسبوك منشور تحت عنوان: «إبراء للذمة»، وقلتم: أنكم حاولتم إنشاء الجمعية ولكن لم تتم الأمور الإجرائية كما تشتهي السفن، ما هي الأسباب دكتور؟

حاولنا نحن وبعض الزملاء إنشاء جمعية لعلماء النفس الجزائريين بهدف التعاون على نشر وتطوير علم النفس في الجزائر، وكذا لتقديم خدمات علمية للباحثين خاصة من الناحية المنهجية، وهذا لترقية البحث العلمي في هذا التخصص بالجزائر، ولكن الملف لم يُقدم إلى وزارة الداخلية من طرف الأشخاص الذين كلفوا بتقديم الملف، ولهذا تعطل المشروع، لكن بغض النظر عما مضى هناك نية أخرى لإنشاء هذه الجمعية، خاصة في هذه الظروف الايجابية التي تساعد على إنشاء جمعيات علمية فاعلة في المجتمع.

لكم مؤلف بعنوان «البلخي نفساني سبق عصره» لو تحدثنا دكتور حول ما تطرقتم إليه في هذا الكتاب؟ وما هي العلاقة بين الصحة النفسية والبدنية؟

يعود الفضل إلى الأستاذ الدكتور مالك بدري، الذي التقيت به في ماليزيا وأرشدني إلى كتاب يسمى: «مصالح الأبدان والأنفس للبلخي»، وهو عبارة عن مخطوط موجود في جامعة اسطنبول، لم يُنشر إلا بعدما تطرقنا نحن إليه ونشرناه في كتاب سميناه: «البلخي نفساني سبق عصره بتسعة قرون» هو كتاب مشترك مع الدكتور مالك بدري، تحدثنا فيه عن السبق العلمي لهذا العالم أبو زيد البلخي، وهو سبق حقيقي وقد أشار إليه هو نفسه في كتابه المسمى: «مصالح الأبدان والأنفس»، حيث قال في الباب الثاني الذي عنوانه: «تدبير مصالح الأنفس»: «وقد تطرقنا في هذا الكتاب إلى علم لم يسبقنا إليه أحد»، وهذا صحيح لأنه تطرق إلى مصالح الأبدان في الباب الأول، وأخذ من علوم سابقيه من الناحية الطبية وأضاف إضافات جديدة ولكن ليست إبداعية أما في الباب الثاني «تدبير مصالح الأنفس» فقد تطرق إلى عرض كيفية التعامل مع الانفعالات السلبية وكيفية التغلب عليها، كالغضب والخوف والحزن والوساوس بأنواعه المختلفة والمخاوف المرضية، وبالتالي فهو يشير إلى أنه لم يُسبق في هذا المجال، ثم إذا قارنا أسلوب البلخي في معالجة هذه الانفعالات بعلم النفس الحديث، نجد أن المدرسة المعرفية أو ما يسمى بمدرسة علم النفس المعرفي تُعالج الانفعالات بالأسلوب الذي أشار إليه البلخي منذ أكثر من تسعة قرون، هنا تأتي أهمية هذا الكتاب، لذا قام الأستاذ الدكتور مالك بدري بكتابة مقال في هذا الكتاب يتعلق بالجانب الإكلينيكي أو العلاجي في فكر وأسلوب أبو زيد البلخي، والمقال الذي كتبته فيه التفصيل عن منهجية البلخي في معالجة الانفعالات التي أعتقد أيضا أنه لم يسبق إلى هذا الأسلوب أو الى هذه المنهجية.

ونشرت كتابا تحت عنوان «تكامل مصالح الأبدان والأنفس عند البلخي»، عن شركة الأصالة للنشر، وقد نشرنا في هذا الكتاب مخطوط البلخي، وفي هذا السياق أحث طلاب العلم والباحثين بالإطلاع على هذا الكتاب الذي نشرته شركة الأصالة للنشر.

حدثنا دكتور كذلك عن كتابكم «علم النفس المعاصر» وكيف يمكن للأكاديميين الاستفادة منه؟
يعتبر هذا الكتاب مرجعا أساسيا في علم النفس، لأنه يتناول المواضيع العامة، التي نسميها المدخل الى علم النفس وتاريخه وأسسه التعليمية ومدارسه وميادينه، ثم أسس مراحل النمو للإنسان والنمو الاجتماعي والنمو المعرفي، وأساس البيولوجيا للسلوك وغيرها من المواضيع التي يدرسها طلاب علم النفس في مراحل التعليم المختلفة خاصة في السنة الأولى، كما يتضمن هذا الكتاب فصلا خاصا بالخطوات الأساسية للبحث العلمي والمناهج وأنواع البحوث التاريخية والميدانية والتصميم التجريبي، وكذا مستويات القياس، إذن يعتبر هذا الكتاب مرجعا أساسيا لطلاب علم النفس وخاصة طلاب السنة الأولى، باعتباره يقوم على جمع وتحليل الدراسات الحديثة في علم النفس بمداخله المختلفة، طبعته ونشرته دار الأمة، حيث آخر طبعة كانت سنة 2016م.

لكم مؤلف حول «المدرسة الجزائرية إلى أين» فما رأيكم في مستوى المؤسسات التعليمية الجزائرية، وما السبيل للنهوض بها حتى تكون قطاعا فاعلا منتجا للتعليم النوعي؟

نشرت كتاب «المدرسة الجزائرية إلى أين» عام 1992م، وطرحت فيه: التربية والتعليم في الجزائر إلى أين؟ وحددت فيه آنذاك الآفاق المستقبلية لسنة 2000 ، ونحن الآن في سنة 2020م، وقد ذكرت في هذا الكتاب التحديات التي تواجهها المدرسة الجزائرية وكيفية تجاوزها مع وضع تصور مستقبلي لتطوير المدرسة الجزائرية.

لا يمكن أن تتطور المدرسة الجزائرية وتخرج لنا الكفاءات التي يحتاجها المجتمع والتي تحتاجها قطاعات التنمية بصفة عامة، إلا إذا تم وضع رؤية مستقبلية واضحة لهذه المدرسة، مع فلسفة تربوية مستمدة من المبادئ وقيم المجتمع الجزائري، مع تحديد الأهداف التربوية للمدرسة على ضوء الفلسفة التربوية التي توضع لهذه المدرسة، وهذا يرتبط بالمشروع الاجتماعي الذي نريد بناءه في المستقبل.إذا ينبغي أن يكون للرؤية بعد مستقبلي طويل المدى حتى تخرج لنا المدرسة أجيالا وفق هذه الرؤية.

وينبغي أن تبدأ المدرسة من حيث الكفاءة والفعالية من حيث انتهى إليه الآخرون من الدول المتقدمة التي لها تجارب ايجابية وفعالة في التعليم كسنغافورة وكوريا الجنوبية واليابان وماليزيا وغيرها من البلدان، التي استطاعت أن تنطلق وتقضي على التخلف بناء على برامج ومناهج  مبنية على رؤية ورسالة المدرسة.

لكم اهتمامات كذلك بتاريخ الجزائر حيث لكم مؤلف تحت عنوان: «مذكرات مجاهد من أكفادو»، حدثنا عنه دكتور؟

هذا الكتاب هو عبارة عن رواية للمجاهد «شعبان محرز» -وهو خالي-، من الذين التحقوا بالثورة التحريرية منذ اندلاعها، ومن الذين شاركوا في الإعداد لها بمنطقة «أكفادو»، وهو من جنود العقيد عميروش، وذكرنا في هذا الكتاب أحداثا تاريخية جرت في تلك المنطقة، كما ذكرنا مجزرة قامت بها القوات الفرنسية سنة 1957م في قرية تسمى «تازقة»،حيث تم ذبح امرأتين بعد الاغتصاب وذُبح خمسة رجال بعد التعذيب، إضافة إلى المعارك التي قام بها المجاهدون لمواجهة القوات الاستعمارية سواء بحرب العصابات أو إقامة الكمائن أو المواجهة المباشرة، كما تطرق الكتاب إلى الصفات السلوكية النبيلة للقائد سي عميروش، وكيف استطاع أن يقود عمليات ناجحة في الولاية الثالثة، كما تعرض الكتاب إلى حقيقة العمليات التي قامت بها الاستخبارات الفرنسية لاختراق الثورة الجزائرية وضربها من الداخل، وكيف تفطن إليها العقيد سي عميروش، ليقوم بتصفية الكثير من العملاء الذين اعترفوا فعلا أنهم أُرسلوا لاختراق الثورة، ولكن مع الأسف كما يروي خالي، فالعملاء بقي بعضهم إلى ما بعد الاستقلال، أيضا من المواضيع التي تطرق إليها هذا الكتاب هو عملية”المنظار” أو “جوميل” الذي قامت به القوات الفرنسية عام 1958 في منطقة القبائل وخاصة في منطقة أكفادو، هذه العملية التي لم ترحم الإنسان ولا الحيوان وحتى الأشجار، وقد ذكرت في هذا الكتاب بعض أسماء النساء والأطفال الشهداء، كما يحتوي الكتاب على قصص كثيرة عن القادة الذين كان لهم تأثير قوي في المنطقة، كما تحدث المجاهد محرز شعبان عن استشهاد كثير المجاهدين قبل الوصول إلى تونس أو بعد الرجوع منها إلى الجزائر وهم حاملين السلاح.

ما هي النصائح التي يمكنكم تقديمها للجزائريين في ظل جائحة كورونا لضمان الاستقرار النفسي؟

نشرت موضوعا مختصرا في صفحة الفايسبوك، حينما بدأت هذه الجائحة حول تأثير الخوف على الصحة النفسية، هذا الخوف الذي قد يؤدي إلى اضطرابات نفسية، حيث نبّهنا إلى عدم المبالغة والتخويف من هذا الفيروس، لتجنب اضطرابات نفسية كالقلق الزائد والاكتئاب، والتي تؤدي بدورها إلى اضطرابات جسمية كالكولون والصداع، وغيرها من الاضطرابات التي تنشأ عن القلق والضغط النفسي، وأيضا من الأشياء التي ينبغي أن أشير إليها هو عدم الاستهزاء أو ما يسمى في علم النفس بعملية الإنكار كالذين ينكرون وجود الفيروس، في حين أن العالم كله تضرر بالوباء والعلماء يحذرون منه، كما حذرت من تصديق الإشاعات والأكاذيب التي تنشر أثناء انتشار الأوبئة والكوارث، هذه الإشاعات والأوهام تؤدي إلى انحراف في التفكير والإدراك، بالإضافة إلى الحرب النفسية العالمية والقائمة بين البلدان، التي تنشر إشاعات وأكاذيب ونظريات مؤامرة، كما ينبغي أن لا نستسلم في هذه الظروف الصعبة بل ينبغي أن نفكر ايجابيا في إيجاد الحلول، فبدلا من تعطيل الدروس في المدارس والجامعات، لابد أن نشتغل على تطوير المنصات الالكترونية بالاستعانة بالكفاءات الجزائرية في الداخل والخارج، فبعض البلدان حتى العربية منها لم تتوقف فيها الدروس بسبب الجائحة، بينما في الجزائر تعطلت معظم المؤسسات التربوية تعطلا شبه تام، وعليه ينبغي أن نحول التحدي إلى فرصة لتطوير التعليم بالوسائل الالكترونية والرقمية التي ينبغي أن تتطور في بلادنا..

شكرا لكم دكتور كلمة أخيرة لجريدة البصائر؟

كلمتي الأخيرة، لابد أن نواكب التطورات الحديثة، وأن نستعين بالكفاءات الجزائرية في الداخل والخارج، وفق رؤية مستقبلية.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

البصائــــر فـي حــــــوار مــع الـمجـــاهــــد الدكـتـــــور محمـــد عــريـــــف/ سجلت أكثر من 45 براءة إختراع داخل و خارج الوطن

أجرى الحوار: الدكتور عبد الحق جبار/   في حي اسكندر باشا من بلدية الفاتح باسطنبول …