الرئيسية | سلسلة سراج ومعراج | بيـــت الـمقـــدس عاصمـــة التحـــول الحضـــــاري (9) من موسى إلى داود عليهما السلام… الطريق إلى تحرير بيت المقدس

بيـــت الـمقـــدس عاصمـــة التحـــول الحضـــــاري (9) من موسى إلى داود عليهما السلام… الطريق إلى تحرير بيت المقدس

لقد سبق الله عز وجل القدرة العلمية المعرفية الثقافية المهارية على القوة الجسمية المادية الجسدية وكذلك مسار فتح بيت المقدس واستراتيجية تحرير المسجد الأقصى تنطلق من التحرير الفكري والعلمي في عالم التصورات والأفكار قبل تحققها في ميدان القوة الصلبة العسكرية التي تعتمد على الساعد والجسد والعتاد. يعلمنا الله سبحانه وتعالى أن القيادة الرشيدة هي القيادة المبسوطة العلم والفكر والمعرفة والمهارة القائدة للبسطة الجسدية الصلبة وأن الإعداد الحقيقي لتحرير المسجد الأقصى لن يكون أبدا بمكانة الانتساب العائلي العرقي بل بشرف الانتقاء الرباني على أساس المكانة الايمانية العلمية التربوية سباقا والتمكن الفكري المعرفي سياقا والمكنة الجسدية لحاقا. {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.
لقد كان من مميزات الاختيار للقيادة ودلائله هو استكمال حمل الميراث الموسوي وتحقيق مقاصد الرسالة النبوية بتحرير بيت المقدس فلذلك كانت علامة الملك هو الميراث الديني الفكري الاخلاقي لسيدنا موسى التوارة التي أنزلها الله لتكون قائدة للمجتمع الناشئ {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.
إنّ طريق التحرير هو طريق اصطفاء وانتقاء فشل فيه الكثير قبل الانطلاق بتولي فريق عن فكرة القتال وتولي فريق آخر عن معرفة قائد المسير نحو بيت المقدس. مباشرة بعد استلام طالوت القيادة واستنفار الباقين الناجحين في امتحان الهدف والرؤية والمنهج والقيادة وبعد اجهاد الطريق كانت محطة الإنقياد للأمر الرباني والخضوع له واحترام القيادة عند المرور بالنهر {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ} كالعادة نالت القلة شرف النجاح في امتحان الانتماء فاختار منهم رغبة عابرة العطش على شرف ممتد باقي الانتماء لحزب الله وجنده وكان ذلك بالتالي غربالا جديدا للجيش المحرر السائر نحو شرف تحرير بيت المقدس.
التقى الجمعان جيش التحرير الحامل لرسالة موسى ومشروع تحريره وبسطة طالوت وقوته العلمية الفكرية والجسدية بقيادة طالوت وجيش الاحتلال والفساد والاستعباد والاستبداد بقيادة العملاق جالوت، وقد كان من عادة جالوت حسم المعارك بالقتال الفردي بين قادة الجيوش وكبرائها.
لقد غلبت النظرة المادية على قلب جيش طالوت بعد رؤية المكانة الجسدية والمادية لجيش جالوت واحتكمت للمنظور الدنيوي كأساس للغلبة والنصر والتمكين فكانت النتيجة الخسارة النفسية لجزء كبير من الجيش قبل بداية المعركة، مستسلمين للآلة الإعلامية الجالوتية المصورة له صورة قائد الجيش الذي لا يقهر ولايغلب {لَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} لولا أن الفئة المؤمنة الصابرة المتحتسبة الناظرة لميدان المعركة نظرة متحركة تربط البعد الشهادي بالبعد الغيبي والبعد البشري بالسنن الربانية والمدد الالهي فكان الصبر والإيمان شرطاً النّصر والتمكين عند غياب الكثرة العددية وكانت السنة الاجتماعية أن الغلبة لا تكون من كثرة بل تكون من صبر وإيمان ويقين بالنصر والتمكين {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ *وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ}.
إنّ الايمان المغروس في قلب الفئة المؤمنة ويقينها بالنصر والتمكين الرباني كان من مقدمات النصر في المعركة بين الحق والباطل وهي كذلك سنة باقية. وأن الإذن والمشيئة الربانية هي المرجحة لا الكتلة العددية والقوة الجسدية ولو أن إعدادها واجب والأخذ بها من المستلزمات السننية. لقد نال شرف القيادة والسيادة فتى ضعيف الجسد قليل الخبرة قوي الايمان عظيم العزيمة والشكيمة. لقد نال سيدنا داود شرف تخليص الأرض المقدسة من دنس جالوت وجنوده وانتقل انتقالة عظيمة من جندي في جيش طالوت إلى ملك ونبي وحكيم بعد تحرير بيت المقدس، {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ}رفعت الأرض المقدسة سيدنا داود من فتوة مغمورة إلى إمامة المعمورة من عاصمة القيادة والسيادة والقيادة فنال سيدنا داود الملك والحكم والنبوة بعد تأسيسه للحكم الراشد وانتقاله من ميلاد مجتمع التحرير إلى تأسيس دولة الخلافة الراشدة الحامية للإسلام والتوحيد من بيت المقدس ليكتب سنة باقية في جغرافية التدافع بين الحق والباطل إلى يوم القيامة انطلاقا بيت المقدس، جغرافية تحدد الفساد من الصلاح العالمي وتحدد الاستعباد من العبودية لله وتحدد العدل والرحمة من الظلم والجور بغلبة أهل الحق على أهل الباطل أو عكسه خلال التدافع من هذه الأرض المقدسة…
يتبع
والله أعلم بمراده.

عن المحرر

شاهد أيضاً

بيـــت الـمقـــدس عاصمـــة التحـــول الحضـــــاري (7) سيدنا موسى… مراحل مشروع التحرير من الاهتداء إلى الاصطفاء

د.كدير مراد / انطلقت رسالة سيدنا موسى من جغرافيا مصر مستقر الذرية الإبراهيمية اليعقوبية اليوسفية …