الرئيسية | قضايا و آراء | الجامعة العربية تعدّ أيامها الأخيرة

الجامعة العربية تعدّ أيامها الأخيرة

أ. محمد الحسن أكيلال /


النخبة المثقوبة في الأدمغة
واقع الحال يفرض ابتلاع المرارة مع سرد الأحداث الذي لا بد منه لتذكير الناسين و لإعلام غير الذين يعلمون شيئا عن تاريخ هذه الجامعة المسكينة التي لم تستطع يوما أن تجمع هؤلاء الذين قال عليهم نابغة الفكر العربي الإسلامي «عبد الرحمان بن خلدون» ذات يوم: «اتفق العرب على ألاّ يتفقوا».
لقد كانت مصر بعد نضوج ثمار «محمد علي باشا» الألباني الأصل، وبلاد الشام النهضة الثقافية والأدبية والتعليمية التي أطلقها الآباء اليسوعيون في لبنان، وبعض رواد النهضة العربية وعلى رأسهم الشيخ «الطاهر الجزائري المغنيسي» – أصله من سيدي عيش ولاية بجاية –، ظهرت في سماء المشرق كوكبة من الأدباء والمثقفين أحسوا بواجب التحرك لدفع الجماهير التواقة إلى استعادة أمجادها وحريتها واستقلالها وسيادتها، فكانت فكرة تجميع هذه النخب المثقفة والسياسية والإعلامية حول مبادئ تتفق حولها الأغلبية.
كان ذلك في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي، وكانت بريطانيا العظمى صاحبة السبق في فكرة إنشاء دولة صهيونية في فلسطين التي كانت تحت انتدابها.
ففي 29 ماي 1941 أصدر وزير خارجية بريطانيا «أنتوني =إيدن» بيانا أعلن فيه تأييد حكومة بلاده آمال الوحدة العربية واستعدادها لمعاونة العرب، وبالتزامن مع دعوة «إيدن» قام رئيس وزراء مصر «مصطفى النحاس باشا» بإلقاء خطاب في مجلس الشيوخ عام 1942 أعلن فيه سعي مصر إلى عقد مؤتمر للقادة العرب لبحث أمر الوحدة، وفي الأردن جاءت تصريحات الملك «عبد اللـه الأول» متوافقة مع دعوة «النحاس باشا».
تلك كانت البدايات والأسباب والعوامل التي فعلّت المخاض اليسير جدًّا على النخبة العربية التي كانت في حضن الاستعمار البريطاني المتميز بالقوة الناعمة النشيطة بصفة خاصة؛ هذه القوة الناعمة التي أنشأت وربت وكونت القوة الناعمة العربية التي لم تدرك يوما أنها في الحقيقة قدمت لها هذه الخدمات لتصبح مستقبلا في خدمة أصحاب الفضل.
الجامعة العربية مصرية إلى الأبد
في 22 مارس 1945 أعلن عن تأسيس الجامعة العربية وتم تعيين السيد «عبد الرحمان عزام» أول أمين عام لها إلى غاية عام 1952، حيث خلفه مواطنه المصري أيضا السيد «عبد الخالق حسونة» الذي خلفه أيضا مواطنه «محمود رياض» عام 1972.
في عام 1979 اختير المواطن التونسي «الشاذلي القليبي»، وذلك بعد أن نقل مقر الجامعة من القاهرة إلى تونس بسبب تعليق عضوية مصر في الجامعة العربية نتيجة قيام رئيسها «محمد أنور السادات» بالاعتراف بدولة إسرائيل وتوقيع اتفاقية «كامب ديفيد» معها؛ ذلك لم يدم طويلا، إذ سرعان ما استعمل الرئيس «محمد حسني مبارك» علاقات بلاده باللّوبي الصهيوني وبالإدارة الأمريكية والدول الغربية التي ضغطت كلها في آن واحد على الحكام والأنظمة العربية فأعادوا مقر الجامعة إلى القاهرة.
في 15 ماي 1991 عين «د. أحمد عصمت عبد المجيد» إلى غاية عام 2001.
في عام 2001 عين مواطنه «عمرو موسى»، ثم خلفه مواطنه «أبو الغيث» الذي لا يزال إلى حدّ الآن.
هذه من الحيثيات التي لم يتضمنها ميثاق الجامعة العربية ولكنها مفروضة بدليل أن ما حدث الآن من تسارع بعض دول الخليج إلى التطبيع أول من سانده هو الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسيي».
من المؤكد أن «مصطفى النحاس باشا» وهو يجتهد في دعوة الرؤساء والحكام العرب إلى تأسيس الجامعة لم تغب عن باله فكرة أن مصر هي التي ستقود هذه الجامعة، ومصر هي المستفيدة الأولى من احتضان مقرها الرسمي ماديا وماليا وسياسيا ومعنويا، فمصر في ذلك الوقت هي أكبر دولة عربية مستقلة بشريا واقتصاديا وسياسيا ودبلوماسيا، خاصة في علاقاتها مع الغرب.
من المؤكد أيضا أن المكلفين بصياغة ميثاق الجامعة العربية في نسخته الأولى قبل بعض التعديلات في عهد الرئيس الراحل «جمال عبد الناصر» الفقرة التي تناولت الدفاع المشترك، فالميثاق في أغلبيته تناول قضايا الثقافة والتعاون في كثير من المجالات، ولكنه لم يعط للأساس حظه مثلما فعل الاتحاد الأوروبي بالبدء بتأسيس السوق الأوروبية المشتركة الشريان الذي يضخ الدماء في جسم هذه الجامعة لتتحول فعلا إلى جامعة موحدة لأقوام كثيرة كلها تشترك في لغة واحدة و دين واحد.
إن الأدمغة المثقوبة لدى النخبة العربية لم تترك الرياح التي تخترقها من جميع الاتجاهات مكانا لالتصاق فكرة كهذه فيها، كما أن الوصاية وهي المملكة المتحدة «بريطانيا العظمى» ومعها حلفاؤها من الدول الغربية الرأسمالية الإمبريالية التي أسست دولة الكيان الصهيوني كانت بجيوش مخابراتها تطَّلع على كل صغيرة وكبيرة في هذه الجامعة من تأسيسها إلى اجتماعاتها الدورية التي كانت دائما تنتهي ببيان إعلامي لا يسمن ولا يغني من جوع، حتى أصبحت توصف قممها بقمم البيانات.
ما آلت إليه الجامعة اليوم بعد استكمال النصاب من عدد الأنظمة والحكام المطبعين مع العدو وهو المآل الذي رسم منذ البداية، فعلى الشعب الفلسطيني و الشعوب العربية الرافضة لما يجري أن تعلن موقفها من هذه الجامعة التي يبدو أنها ستصبح جامعة عبرية بعد سنة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

من أين يستمد الإسلام قوته؟

أ. عبد القادر قلاتي / شاهدت كما شاهد غيري وصول عاملة الإغاثة الفرنسية صوفي بترونان …