الرئيسية | قضايا و آراء | ثقافــــة الاختـــــلاف لا تهــــدم للوطن بنيّــة…

ثقافــــة الاختـــــلاف لا تهــــدم للوطن بنيّــة…

د/ عاشور توامة /

كم نحتاج في جزائرنا الحبيبة إلى خطاب ثقافة الاختلاف الذي هو نعمة وسنّة كونية فنزداد اكتمالاً به وامتثالاً له، كما قال المفكر المصري أحمد لطفى السيد: «الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية»، لا الخلاف الذي يعني في مجمل تصوراته مخالفة كل ما يعارض منطق أفكارنا وطريقة تفكيرنا ونوازع ميولنا ورغباتنا.
وبما أن الاختلاف سنّة كونية من سنن المولى عزّ وجلّ، تتعاقب علينا كما تتعاقب الفصول والأيام، أو كما تختلف في عيوننا ألوان البشر ومرائي الكون، فقد جعله الله مناط الحرية والاختيار إذ ورد في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (هود:118)، فالاختلاف هنا دليل الحرية والاختيار، ودليل التنوع والمعرفة والتقوى كذلك كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13).
ولعل المتأمل في سيرة وهدي رسولنا الكريم محمد- صلى الله عليه وسلم- يستشف أنه يؤمن بثقافة الاختلاف، حيث أنه كان عليه الصلاة والسلام يستشير صحابتهُ الكرام – رضوان الله عليهم- ويأخذ بآرائهم ومقترحاتهم والأمثلة على ذلك كثيرة ومتنوعة..
فالاختلاف في الرأي حالة صحية وهدى رحمة بين الناس، فلولا اختلاف الآراء لبارت العقول ولكسد الفكر، ومن ثمة تسود الفوضى وتصادر الحريات، فقد نختلف في توجهاتنا السياسية ومشاربنا الثقافية لكن لا يجب أن نخالف بناء الوطن وتنميته وتطوره وازهاره..
فانزع لمن خالفك الرأي كل حقد وكره؛ فلعله على صواب وأنت على خطأ، أو كما قال الإمام الشافعي- رحمه الله: «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب».
فالشعوب التي لا تتقبل الآراء ولا تؤمن بالاختلاف ولا بالحوار شعوب متخلفة، وأفكارها بوار وبائسة بسبب تعويلها على الثقافة الجاهزة المعلّبة دون مناقشتها، والتدقيق في نتائجها وإعمال الفكر فيها سواء في اعتدالها أو تطرفها..
والأمم من حولنا أدركت سرّ التنوع والاختلاف؛ الذي يعني الأخذ من كل جميل وقبول كل صحيح دون تعصب أو إكراه، أو تحزب مغرض أو حساسيات ضيقة لدى الأفراد والجماعات والأقليات والمذهبيات..
لا يمكن أن يعرف السّلم طريقه إلينا مالم نتعايش ونتحاور مع المختلف ونأتلف مع غيرنا في الفكر.
إن مصيبتنا أزمة ثقافية قبل أن تكون مذهبية أو سياسية أو اقتصادية، فالتدين بدون ثقافة وعلم حماقة وتهور..
والسياسة دون علم وصحة مقدمات وتصور نتائج كفيلة بإخراج الأمة من كل تخلف وانحدار واندثار..
والاقتصاد دون معطيات واستشراف ووضع فرضيات الحلول لا أنصافها من أجل الخلاص دمار وفساد وكساد..
إن المرجعية الثقافية للأمة متنوعة وثرية ومكثفة، تحتاج فقط إلى من يوقظها من العلماء والمفكرين المخلصين، لا من العملاء واللعناء الذين يذكون فتيل نار الفتن ما ظهر منها وما بطن.
إن قبول ثقافة المختلف ثقافة يجب أن يدركها الجميع مثلما أن البلد بحاجة إلى الجميع على مختلف المشارب والمناهل، إن خطاب ثقافة الاختلاف خطاب الحضارة والنهضة ولغة القوي والواثق، ولغة الخلاف والعنف لغة الضعيف المنزوي الخاضع الخانع المتواري من الحق.
علينا أولاً أن نقبل رأي بعضنا بعض وأن لا نقمعه أو نزدريه، كي لا تنطفأ بارقة الأمل التي تحدو أنفسنا جميعا لبناء مستقبل زاهر لوطننا كما كان يحلم به أجدادنا.
وعلينا ثانياً أن نتحد ونتعاون فيما بيننا ونقبل حوارنا مع أنفسنا وكذلك غيرنا..
ثالثاً يجب أن ندرك ثقافة المحبة والتسامح، وأن ندرك أن المحبة سلاح الأقوياء والضعفاء معاً، لأن المحب الصادق لا يخون ولا يغدر ولا يزرع قنابل الفتن؛ بل يصدق عليه المثل القائل: ”كل إناء بالذي فيه ينضح”، فالمحبة تلد المحبة والعنف ينتج عنفا..
فكونوا أبناء وطني على يقين وثقة بأن الأعداء يتربصون بنا الدوائر، وأن الفرقة والخلاف فقدان للتوازن ومن ثمة عدم استقرار، وبالتالي لن تَحدُث نهضة وتطور في غياب الأمن والاستقرار وقبول ثقافة الاختلاف والتنوع.
* أستاذ النقد الأدبي المعاصر
المدرسة العليا للأساتذة – بوسعادة

عن المحرر

شاهد أيضاً

من أين يستمد الإسلام قوته؟

أ. عبد القادر قلاتي / شاهدت كما شاهد غيري وصول عاملة الإغاثة الفرنسية صوفي بترونان …