الرئيسية | اتجاهات | أولويـــــــــــات داعــيــــــــــــــــــــــــة

أولويـــــــــــات داعــيــــــــــــــــــــــــة

عبد العزيز كحيل /

-أنا داعية إلى الله:
حين أخطب وأحاضر وأكتب لا أشنّ حربا على أعداء وهميّين ولا أصارع طواحين الهواء.
مشكلتي ليست تاريخية، لا مشكلة لي مع المعتزلة أو معاوية بن أبي سفيان أو ابن سينا، مشكلتي مع الاستبداد والظلم والتخلّف والفقر والمرض والرذائل.
مشكلتي ليست مع من لا لحية له لكن مع من لا دين له ولا خُلق.
همّي لا ينصبّ على البُرقع أو الثوب القصير أو عود الأراك وإنما على محاربة الجهل الذي نعاني منه ونحن في القرن الواحد والعشرين، على العلمانية المتوحّشة الذي تريد اقتلاع الإسلام من الجذور، على الحداثة الزائفة التي تشيع الانحراف الفكري والخُلقي، على التغريب المفروض علينا بالقوة ليُفسد اللغة والدين والأخلاق والذوق، على التديّن المغشوش الذي ينخر جسد الأمة ويمهّد الطريق لخصوم الإسلام ويعبدّه. مشكلتي ليست مع من يستخدم عقله – فلهذا زوّدنا الله به – ولكن مع من يؤلّه عقله وكذلك من يُجمّده، كلاهما أخطأ الطريق ويعمل على إضلالنا.
مشكلتي ليست تصنيف المسلمين إلى ضالّ ومستقيم باسْم وهْم كبير سموْه الجرح والتعديل، همّي ليس تزكية طائفة وإدانة غيرها باسْم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة والسلف الصالح ونحو ذلك، فأنا لا أملك مفاتيح الجنة ولا النار، مشكلتي مع من ينغّصون على الناس حياتهم بالفساد المالي والاختلاسات والرشوة والمحسوبية والحقرة وغلاء المعيشة ووضع الرجل في غير منصبه وعبادة المنصب وإفساد المرأة (والرجل كذلك) والأسرة وتحويل بلد عظيم كالجزائر إلى مكان يريد أبناؤه الفرار منه بأي ثمن.
همّي ليس ان أدخل المسلمين الإسلام كأنهم الآن كفار فسدت عقيدتهم وانطمس التوحيد عندهم، لا …همّي أن يحسن المسلمون التعامل مع دينهم وأن يعيدوا إليه فاعليته النفسية والاجتماعية.
هذا ما أبدئ فيه وأعيد، مع ميل واضح مستمر إلى الظواهر الإجتماعية وعلى رأسها مشكلات الشباب.
-أنا متعاطف مع الشباب:
كم أتقزز من تلك الفتاوى التي تجرّم الحرقة وتتوعد الحراقين، وفي نفس الوقت تسكت عمّن تسبب في هذه الظاهرة وأسلم فلذات أكبادنا لأمواج البحر، أظن أن من يصدرونها لا يعرفون شيئا عن معاناة الشباب ويتغافلون عن أسبابها. الشاب الذي لا يملك غرفة في المنزل بل ينام مع إخوته وأخواته، ليست لديه حياة خاصة ولا حتى خزانة لأغراضه الشخصية، الشاب الذي يتخرج من الجامعة بحمْل من الشهادات ويتقدم لعشرات المسابقات دون جدوى، يبقى بلا عمل لأن الوظائف يشغلها في الغالب من لا يملكون إلا شهادة الميلاد… شاب يرى عمره يمضي ولا أمل له في الزواج لأن الأفق مسدود أمامه… شاب صاحب دين وخلق يرى الدنيا من حوله لا تضحك إلا للمنحرفين والمختلسين وأصحاب السوابق العدلية… فتاة صالحة تُبتزّ في شرفها من أجل منصب عمل (لأن الموضة أن النساء يجب أن يخرجن للعمل، ومكثها بالبيت وصمة عار!!!)، تتقدم في السن ولا زوج لها… فتيان وفتيات تعتصرُهم الحياة الضنكla mal-vie ويخيّم عليهم اليأس، سئموا الوعود بغد أفضل وتسليم المشعل لهم وهم يرون عكس ذلك تماما… في نهاية المطاف يفضل بعضهم المغامرة بحياته في البحر لعلّه يبلغ الضفة الأخرى من المتوسط حيث يمكنه أن يحلم على الأقل، لأن بلاده منعت عنه حتى الأحلام فلم تبق له إلا الكوابيس… أجل، أنا لا أؤيد الحرقة فهي مهلكة من جهة ثم أصحاب الضفة الأخرى يكرهوننا ولا يريدون لنا ولا لشبابنا الخير، لكني لا ألعن هؤلاء الشباب بل أتفهمهم وأتعاطف معهم ولو كنت في سنّهم ربما كنت أفعل مثلهم… أنا لا أريد أن يهربوا بل أتمنى أن يثبتوا ويفرضوا أنفسهم على الواقع، على المجتمع، على الدولة، وعلينا جميعا أن نعي أن الجزائر الجديدة تبدأ بإعادة الاعتبار للشباب لكن في الميدان وليس في الخطب… كلامي هذا لا يشمل أؤلئك الشباب المتهورين الذين يعيشون في نعيم ويريدون الهجرة من أجل الشهوات فقط، وهذه ظاهرة تشجعها العلمانية بألف طريقة جلية وخفية، كما تشجع جميع الانحرافات الخلقية لتتزحزح مكانة الدين في النفوس ويخلو الجوّ لطروحاتها التغريبية.
-القرآن يقول… والعلمانيون تقولون:
القرآن يقول «الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ» (سورة النساء الآية 34)، وهم يقولون هذا إهانة للمرأة، المرأة سيدة نفسها.
وهم يقولون المرأة حرة في جسدها والزنا حرية شخصية، و«الأم العازبة» يجب تكريمها وتخصيص مرتب لها من ميزانية الدولة (تصريح جمال ولد عباس يوم كان وزيرا).
القرآن يقول «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ» (سورة الأحزاب الآية 33)، وهم يقولون مكان المرأة ليس الكوزينة بل لا تثبت ذاتها إلا بالخروج من البيت، والحجاب عادة جاهلية.
القرآن يقول «وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا» (سورة المائدة الآية 38)، وهم يقولون هذه همجية.
القرآن يقول «وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا»، وهم يقولون يجب أن ينصبّ همّ الإنسان على الأمور الدنيوية فقط، أما الآخرة فهي ميتافيزيقيا دعُونا منها، الدنيا هي محور السياسة والاقتصاد والتربية والشباب والرياضة (ومع هذا هم خرّبوا الدنيا كما نرى أي ضيعوا علينا الدنيا ولم يفوزوا بالآخرة).
القرآن يقول: «لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ» (سورة التين الآية 4)– «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ» (سورة الإسراء الآية 70)– «الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ» (سورة الانفطار الآية 7)، وهم يقولون لا، أصل الإنسان قرد وبالتالي تحكمه الغرائز وحدها (غرائز البطن والفرج والتسلط) كما أثبت(!!!) داروين وماركس وفرويد.
القرآن يقول «أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ» (سورة المائدة الآية 50)، وهم يقولون مضى وقت قال الله قال الرسول، نحتكم إلى القوانين التي وضعناها لأنها مناسبة للعصر.
هكذا يقول القرآن وهكذا يقولون، هم متنفذون مسيطرون، يفرضون علينا ما يخالف القرآن ولو كنا كارهين… أفسدوا التعليم والثقافة واللغة والذوق وما زالوا يُعملون معاول الهدم في كل شيء جميل في هذه البلاد.

عن المحرر

شاهد أيضاً

العنوسة والطلاق واللقطاء والتبني

عبد العزيز كحيل / أنا انطلق من الواقع لأعالجه لا لأبرره أو أخضع له، والواقع …