الرئيسية | وراء الأحداث | هل تصبح فرنسا الماكرونية عاصمة عالمية للاسلاموفوبيا؟

هل تصبح فرنسا الماكرونية عاصمة عالمية للاسلاموفوبيا؟

أ. عبد الحميد عبدوس /

تتجه فرنسا تحت حكم الرئيس إيمانويل ماكرون لأن تصبح عاصمة عالمية للإسلاموفوبيا، فهو لم يترك لفظا قبيحا ومسيئا للإسلام إلاّ استعمله بكلّ صفاقة واستهتار بمشاعر المسلمين واستفزاز للأمة الإسلامية، فمصطلحات «الإرهاب الإسلامي» و«الشرّ الإسلامي» و«الانفصال الإسلامي» «هي العبارات التي يستعملها الرئيس الفرنسي الحالي للحديث عن ديانة قرابة ملياري إنسان في العالم. وفي خطوة لجعل الإسلاموفوبيا سياسة رسمية للدولة الفرنسية، أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون يوم الجمعة 2أكتوبر الجاري (2020) في خطاب حول «النزعات الانفصالية»، أن على فرنسا «التصدي للنزعة الإسلامية الراديكالية» مدعيا إن الإسلام «ديانة تعيش اليوم أزمة في كل مكان في العالم».
ادعاء الرئيس الفرنسي بأنّ الإسلام يعيش أزمة في العالم أثار سخطا ورفضا شديدين في كل العالم الإسلامي لأن هذا التصريح الخطير لا يستهدف فئة معينة من المسلمين ولكنه يستهدف الدين الإسلامي بكامله. ويمضي الرئيس ماكرون في معاداته للرموز الإسلامية بالقول إن الحظر الذي فرضته بلاده على الشعارات والرموز الدينية، بما في ذلك الحجاب سيتم توسيعه ليشمل موظفي القطاع الخاص الذين يقدمون خدمات عامة، ويأتي خطابه بعد أقل من شهر من الهزة العنصرية التي حدثت في البرلمان الفرنسي يوم الخميس 17 سبتمبر 2020 حيث أدى حضور الطالبة الفرنسية المحجبة مريم بوجيتو من جامعة السوربون والمتحدثة باسم الاتحاد الطلابي الديمقراطي (أوناف) إلى جانب مجموعة من طلبة الجامعات جلسة برلمانية مغلقة لمناقشة تداعيات الأزمة الصحية على الشباب، إلى مغادرة برلمانيين ينتمون لحزب الرئيس إيمانويل ماكرون (الجمهورية إلى الأمام) قاعة الاجتماع بحجة «أن وجود شخص يمثل النقابة الطلابية بالحجاب هو استفزاز ورسالة من الإسلام السياسي»، رغم أنّ رئيسة الجلسة أكدت أنه لا توجد قاعدة تمنع الناس من حضور الاجتماع بملابس دينية. وتعليقا على حدث انسحاب برلمانيين من حزب الرئيس الفرنسي وتعطيل جلسة البرلمان، وتصريح كريستين لانغ النائبة عن حزب ماكرون التي قالت: «بصفتي مُدافعة عن حقوق المرأة والقيم العلمانية، لا يمكنني قبول شخص يرتدي الحجاب في الاجتماع»، نشرت النائبة اليسارية كليمونتين اوتان صورة تظهر رجال دين مسيحيين ويهودا وبوذيين في اجتماعات داخل البرلمان مع النواب، وتساءلت: «لماذا لم ينزعج النواب الفرنسيون من عدم احترام العلمانية مع هؤلاء وانزعجوا من حجاب فرنسية مسلمة؟».
يمكن القول أن الجالية الإسلامية التي تمثل عدديا الديانة الثانية في فرنسا بدأت تتعود في السنوات الأخيرة على مناورات الطبقة السياسية الفرنسية التي تتخذ من قضايا الإسلام ومشاكل المهاجرين ورقة انتخابية، وكبش فداء في المنافسة الانتخابية.
قبل ان يبدا الرئيس ماكرون مناورته البائسة في الاستثمار الانتخابي بورقة الاسلاموفوبيا، كان موقفه من الإسلام والجالية الإسلامية في فرنسا يبدو أكثر اعتدالا وإنصافا من بقية الزعماء السياسيين الفرنسيين فبعد عام من انتخابه رئيسا للجمهورية الفرنسية دعا، إلى وجوب احترام الحريات الدينية في بلاده، للحفاظ على وحدة المجتمع، وفي لقاء صحفي مع صحفيين من قناة (بي إف أم)، وموقع (ميديا بارت) يوم 15 أفريل 2018 ورداً على سؤال حول ارتداء الحجاب، قال ماكرون: «أحترم كل امرأة ترتدي الحجاب، وعلى الفرنسيين احترام ذلك، لست من مؤيدي حظر الحجاب».
وأشار إلى أن الخوف من الإسلام ناجم عن تعاظم التيارات الراديكالية والمتطرفة، مبيناً أنّ الإسلام الحقيقي لا يعني التطرف. وأقر بأن فرنسا أخطأت في بعض الأحيان باستهدافها المسلمين بشكل غير عادل، وأضاف أنه: «إذا كان ينبغي أن تكون الدولة محايدة، وهو صلب العلمانية، فعلينا واجب ترك كل شخص يمارس شعائر دينه بكرامة». وفي أكتوبر 2019. رفض إيمانويل ماكرون التصرف العنصري للنائب البرلماني جوليان أودول الممثل لحزب التجمع الوطن المتطرف الذي تتزعمه مارين لوبان الذي ثار ضد سيدة فرنسية ترتدي حجابا، خلال مرافقتها أطفالا في رحلة مدرسية، ودعا الرئيس ماكرون بالمناسبة إلى وقف الجدل المثير بشأن الحجاب، وعدم تقسيم الدولة، قائلا: «دعونا لا نشتم مواطنينا».
ولكل ما سبق فإنه من المشين حقا أن ينقلب الرئيس ماكرون كل هذا الانقلاب الفاضح على مواقفه السابقة ،وأن يلحس كلامه بلا خجل ولا شرف في سعيه لتجاوز هزيمة حزبه (الجمهورية إلى الأمام) في الانتخابات المحلية الفرنسية التي جرت في شهر جوان الماضي (2020). حتى وإن كان الكثير من المراقبين والمتابعين للشأن السياسي في فرنسا يتفقون على كون الضغوط الاجتماعية والقرارات الاقتصادية الخاطئة التي اتخذها الرئيس ماكرون والتي فجرت موجة احتجاجات السترات الصفراء في أغلب المدن الفرنسية، إضافة إلى سوء إدارة جائحة كورونا وأزمة الكمامات التي مست حتى اعضاء الطاقم الصحي في فرنسا، هي العوامل التي ساهمت في تدني شعبية الرئيس ماكرون وليس موقفه المنصف من الاسلام، أما إذا كان الرئيس إيمانويل ماكرون يعتقد أنه بالتطاول على الإسلام والتهجم على مقدسات المسلمين سيحسن حظوظه الانتخابية بحصد أصوات اليمين المتطرف، فلا شك أنه سيكتشف مرارة زيف هذا الاعتقاد في الرئاسيات الفرنسية المقبلة في سنة 2022، كما حدث للرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي في سنة 2017 الذي رغم شعاراته وخطاباته المعادية للإسلام لم يظفر حتى بثقة حزبه ليكون مرشحا عنه للرئاسة، حيث خسر المعركة التمهيدية للترشح للرئاسة أمام كل من رئيسي الحكومة فرانسوا فيون، وألان جوبي، أو كما حدث لسلفه في المنصب فرانسوا هولاند الذي منعه تدهور شعبيته من الترشح لعهدة رئاسية ثانية في سنة 2017 رغم مغازلته المكشوفة في سنوات حكمه الأخيرة لليمين المتطرف وتشجيع موجة الاسلاموفوبيا في فرنسا.
ولعلّ من المريب أن يطالب الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بوضع قانون لمواجهة الانفصالية في حين أن بلاده تشجع الانفصالي فرحات مهني زعيم الحركة الانفصالية «الماك» (حركة تقرير المصير لمنطقة القبائل) على تحدي مبدا الوحدة الوطنية والترابية للجزائر، كما توفر فرنسا الإقامة والحماية على أراضيها لهذا الانفصالي الذي اعلن أنه «سيتم تكوين برلمان لدولة القبائل الحرة يكون مقرها في فرنسا بشكل مؤقت ريثما تتحرر منطقة القبائل من الاستعمار الجزائري الغاشم». وفي شهر جوان الماضي (2020) أصدر الانفصالي فرحات مهني في المخابر الفرنسية «جواز سفر القبائل المستقلة». فهل يمكن أن يتناول قانون التصدي للانفصالية نشاط حركة «الماك» الانفصالية فوق الأراضي الفرنسية، وينهي الحلم الانفصالي لفرحات مهني؟.

عن المحرر

شاهد أيضاً

كوميديا سوداء في البيت الأبيض!

أ. عبد الحميد عبدوس / كاد الفصل الهابط من الكوميديا السوداء أو المهزلة التاريخية الذي …