أخبار عاجلة
الرئيسية | في رحاب الشريعة | الأحــــداث التـــاريــخــيــــــــــــة فـــي شهــــر صفــــر ومــا فــيــه من الـــعبـــر

الأحــــداث التـــاريــخــيــــــــــــة فـــي شهــــر صفــــر ومــا فــيــه من الـــعبـــر

الشيخ محمد مكركب أبران /

هذه نظرات أدبية تأملية لما في الزمان والمكان من أحداث ووقائع نطلع عليها من خلال وقفات مع الشهور القمرية، كهمسات لِلَفْتِ الانتباه، والبعث على التدبر، وهذه ليست دراسة شاملة مستوفية لكل ما حدث في الشهر، إنما هي ضوئيات مختصرة.
الشهر الثاني من الشهور العربية القمرية: هذه الشهور التي عليها يدور فلك الأحكام الشرعية، والآن مع شهر {صفر} وهو الشهر الثاني في السنة القمرية. ومما وقع في صفر من الحوادث. الأحداث الأخيرة من غزوة خيبر. علمت أن الخروج إلى غزوة خيبر كان في أواخر شهر محرم واستمرت وقائعها حتى شهر صفر.{فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية في ذي القعدة رجع إلى المدينة. فأقام بها ذا الحجة والأيام الأولى من المحرم ثم خرج إلى خيبر في آخر المحرم واستمر إلى صفر، ففتحها الله عليه}(ابن كثير:7/332).
وفي غزوة خيبر أهدت زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم شاة مشوية مسمومة، للنبي عليه الصلاة والسلام، ومضغ منها النبي مضغة فلم يسغها فلفظها، وقال إن هذا العظم ليخبرني أنها مسمومة، وكان ممن أكل من الشاة: بشر بن برا ثم دعا بها فاعترفت. وفي أيام هذه الغزوة قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة، وهم ستة عشر رجلا وامرأة. وقد فرح النبي صلى الله عليه وسلم بفتح خيبر، وبقدوم جعفر.
ومما حدث في غزوة خيبر: أن الصحابة ذبحوا الحمر وطبخوها، وكانت حلالاً قبل ذلك ثم حرمت فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً ينادي: [إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية] وأكفئت القدور وإنها لتغلي بها، وكان هذا في أول الإسلام، وكانت حلالاً مباحة (البخاري:4199). [فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الحمر الأهلية] (البخاري:4218).
ومما حدث في غزوة خيبر، أنه كان من أسرى خيبر {صفية بنت حيي بن أخطب} فأعتقها النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل عتقها صداقها،.وكانت السيدة صفية بنت سيد قومها أيضاً.
ومما حدث في يوم خيبر إسلامُ رَاوِيَةِ الإسلام أبي هريرةَ رضي الله عنه. والتحق بالنبي في خيبر. وكان أبو هريرة بعد إسلامه ملازما للنبي عليه الصلاة والسلام، مشتغلا بالحديث، متخصصا فيه، أكثر من كل الصحابة، لذلك كان أكثرهم رواية، مع المدة القصيرة للصحبة. واسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وتوفي سنة سبع وخمسين للهجرة، ودفن بالبقيع بالمدينة.
وإن كان النبي قد أقرهم على البقاء في خدمة الأرض مزارعة، إلا أن اليهود الذين لم يسلموا يظلون على يهودية الخيانة والخداع، فلما كان عهد خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بدت منهم خيانة فأجلاهم من شبه جزيرة العرب، إلى الشام.
ومن الحوادث التاريخية في شهر صفر. حادثة بئر معونة في العهد النبوي. وذلك أن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم بعث جمعا من خيار أصحابه، وهم سبعون رجلا من القراء بعثهم إلى بئر معونة، في شهر صفر سنة أربع من الهجرة، على رأس أربعة أشهر من غزوة أحد، ليعلموا الناس القرآن والعلم، وكان أميرهم المنذر بن عمرو، فذهب إليهم عامر بن الطفيل مع عسكره فقتلهم.(مقاتل: تفسير الثعلبي) وفي تفسير البغوي. عند قول الله تعالى:﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾(آل عمران:128). فقال قوم: نزلت في أهل بئر معونة وهم سبعون رجلا من القراء بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد ليعلموا الناس القرآن والعلم أميرهم المنذر بن عمرو، فقتلهم عامر بن الطفيل، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجدا شديدا، وقنت شهرا في الصلوات، كلها يدعو على جماعة من تلك القبائل باللعن والسنين، فنزلت:{ ليس لك من الأمر شيء}(1/504) وحادثة بئر معونة، وقبلها يوم أحد، الغزوة المشهورة، ويوم اليمامة في عهد أبي بكر، كانت تلك الأيام من أكبر أيام الحزن عند الصحابة، ومع ذلك صبروا وما عملوا إلا بما يرضاه الله تعالى. وفي الحديث الشريف. قال البخاري: حدثني عمرو بن علي، حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، قال: ما نعلم حيا من أحياء العرب أكثر شهيدا أعز يوم القيامة من الأنصار، قال قتادة: وحدثنا أنس بن مالك أنه قال: [قتل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون] قال: [وكانت أحداث بئر معونة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحداث يوم اليمامة على عهد أبي بكر، يوم مسيلمة الكذاب] (البخاري:4078) ويوم الرجيع كذلك لاينسى، وأيام وأيام.
قال محاوري: لماذا التذكير بهذه الأحداث التاريخية؟ قلت للدراسة والاعتبار والاتعاظ والشكر على النعم نعم الانتصارات بعد أيام الضعف والأزمات، عملا بقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾(الأنفال:26).
قال محاوري: هل من حسن تذكر هذه الذكريات أن نجدد الحزن والبكاء على أولئك الشهداء، شهداء بدر وأحد وبئر معونة ويوم الرجيع واليمامة، وتجديد الحزن والبكاء على موت النبي صلى الله عليه وسلم، وحمزة، وعمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي، وهم من خيرة وسادة الشهداء، وعلى رأسهم جميعا النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟
قلت: كانت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مصيبة، ولكن الصحابة مما أعلمه أنهم جميعا لم يخصوا يوم وفاته بحزن خاص، أو ببكاء مخصوص، ولم يكونوا يبكون بكاء خاصا في ذكرى وفاة ولا في ذكرى استشهاد واحد من الشهداء، لا في ذكرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا في ذكرى استشهاد حمزة، أو عمر بن الخطاب، ولا غيره رضي الله عنهم. بل ورد النهي عن النواح الجاهلي، وعن خمش الخدود، وشق الجيوب. ففي الحديث. عن عبد الله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية](البخاري:1297) .
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم خبر قتل ابن حارثة، وجعفر، وابن رواحة، أتاه رجل، فقال: إن نساء جعفر وذكر بكاءهن، فأمره أن ينهاهن. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحزن وقد حزن حين قُتِل القراء، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يقل إلا خيرا، وقد حزن حين مات ولده إبراهيم. فقال: [إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون] (البخاري: 1303).
إن سِيَر الأبطال ندرسها ونتذكرها للاتعاظ بمواقفهم ومناقبهم، لا للبكاء والندب وضرب الوجه والرأس. فعندما يموت المسلم رجلا كان أو امرأة. نستغفر له، ونترحم عليه، نغسله، ونكفنه، ونصلي عليه، وندفنه، وإذا كان عليه ديون نسددها عنه، وندعو له بالخير، ونذكره بالخير، ولكن لا نخصص له يوما، أو أياما، للبكاء عليه. ولو كان الله تعالى يحب لنا أن نبكي بالعويل على الأموات والشهداء في ذكراهم، ولو كان كل من بكينا عليه أكثر، كان مقامه عند الله أكبر، ولو كان البكاء على الشهداء من القربات، لقضينا أطول الأيام في البكاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن ولا واحد من العلماء، خصص يوما للبكاء أو دعا إلى ذلك، وما أمر الله تعالى به، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم.. عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[ النِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ، مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّ النَّائِحَةَ إِنْ لَمْ تَتُبْ قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ، فَإِنَّهَا تُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهَا سَرَابِيلُ مِنْ قَطِرَانٍ، ثُمَّ يُعْلَى عَلَيْهَا، بِدِرْعٍ مِنْ لَهَبِ النَّارِ](ابن ماجة:1582). والنياحة: البكاء على الميت بجزع وعويل وصياح وصراخ، بما يعبر عن عدم الصبر، ومعنى من أمر الجاهلة، أي من عادات الجاهليين. نعم عند الموت كما علمنا من سيرة نبينا أن عيوننا تدمع، وقلوبنا تخشع ونحزن الحزن الوجداني العاطفي الفطري على أمواتنا، ولكن لا نقول إلا ما يرضي ربنا.

عن المحرر

شاهد أيضاً

السياسة النبوية في الدعوة الإسلامية والغزوات الجهادية

الشيخ محمد مكركب أبران/ إن مفهوم السياسة النبوية تخص طريقة وآليات الدعوة إلى الله تعالى، …