الرئيسية | الحـــق الـمر | يسقط التراث… يحيا التراث

يسقط التراث… يحيا التراث

يكتبه د. محمّد قماري/

قبل قرابة مئة عام من الزمن أرسل الأمير شكيب أرسلان ذلك السؤال الحائر: «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟»، وهو سؤال ما يزال صداه يتردّد في جميع أقطار هذا الشرق الإسلامي، وانقسم النّاس في محاولة تلمس الإجابة عليه طرائق قددا، فمنهم من رأى في المدنيّة الغربيّة عقاباً إلهياً للمسلمين بسبب تفريطهم في أمر دينهم، وأنّ خلاص الأمّة الإسلاميّة إنّما يكمن في الرجوع إلى سيرة سلفها، وإنّه في حجاجه يرفع ذلك الشعار البراق: (لا يصلح آخر هذه الأمة إلاّ بما صلح به أولها)…
والحقيقة أنّ هذا الفريق لم يشذ عن القاعدة التي يلجأ إليها المغلوب، فلقد غادر هرقل أنطاكية آخر ما كان يملك من أراضي الشام، وحانت منه التفاتة يائسة وهو يقول: (vale syria et ultimatum vale) أي (الوداع يا سورية، الوداع الأخير)، وسمع الوعاظ يردّدون على مسمعه أنّ الله أيّد الفاتحين العرب عقابا للروم على خطاياهم، لكن إذا قبلنا هذا التفسير من هؤلاء وأولئك، فإنّنا لا نقرّ من النّاحية الإسلامية تفسير هذا المصير، ولا الفهم القاصر في فكرة صلاح السلف الذي تخلى عنه الخلف!
إنّ السلف لم ينتصروا لأنّهم حملوا عاطفة دينية ميتة، بل لأنهم «غيّرُوا مَا بِأَنْفُسِهم»، بل إنّ القرآن الكريم طلب من السلف بذل أقصى الجهد في العمل «إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْن» (الأنفال/65) أي أن يكون جهد الواحد مقابل ما يبذله عشرة، ولم يرض القرآن للسلف بعد التخفيف أقلّ من جهد يقابل جهد اثنين من غير المسلمين «الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ» (الأنفال/66)، وهذا ما فهمه السلف سواء فيما تعلق بالكفاح الدامي أو بالكفاح في مجال ما تحتاجه الأمة…
لكن فريقًا آخر ممن زعم تلمس خطوات النهضة، ذهب إلى وجوب (اتباع الغرب في ما نحب وما نكره)، وزعم أن الغرب الغالب إنما تحققت له الغلبة بعدما خاصم (تراثه)، وتنكّر لدينه وما من سبيل لنهضتنا إلا بالسير على سيرته واتباع خطواته.
إنّ التراث هو ما يرثه الخلف عن السلف، وورثنا دينا لا يتصدى لمقولات العقل، بل لقد كتب المرحوم عباس محمود العقاد كتابا صنع له عنوانا جديرا بالنظر: (التفكير فريضة إسلاميّة)، لكن هل كل ما تركه علماء المسلمين من آثار، عبر مختلف أزمانهم وأوطانهم، هي كتب مقدسة لا لشيء إلاّ لأنّ أصحابها من السلف؟
إنّ الكتاب في تلك العصور كانت تتداوله أيد عالمة، فأقصى ما كان يستطيعه النُّساخ أن يوفروا النسختين أو الثلاثة تسري في محلات الوراقين، ويطلع عليها العلماء، وهم على دراية ودربة في التعامل مع المرويات والأخبار، وفهم اللباب من القشور، ومعرفة متون المسائل من حواشيها، فإذا جاء اليوم من لا خلاق له ولا طاقة بالتمحيص والتمكن من الأدوات لينقل الكلام على عواهنه حدث الخلل…
لا شك أن الذين يرفعون أصواتهم اليوم بضرورة الاجهاز على تراث بذل فيه أصحابه عرق الجبين، وسكبوا ماء العين جريمة نكراء، لأن الذي يسقط سلفه لقيط عديم النسب، وجرأة بعض الغلمان على تراثنا أمر محزن، غير أن تصدر فصيل آخر المجالس باسم المرافعة على التراث واحتكار تفسيره، وتسفيه من يخرج عن حدود تفسيرهم القاصر لا يقل جرما في حق ذلك التراث…
وقبل سنين طويلة كتبت معلقا على أحدهم أخرج رسالة سماها (الزهرة الفواحة في جلسة الاستراحة)، وقلت إن الإمام ابن قيّم الجوزية ذكر المسألة في سطرين من كتابه العظيم (زاد المعاد) وكذلك فعل ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري)، فما يبتغي صاحبنا في إفراد هذه المسألة برسالة؟
إنّ الأمة التي تعيش ظروفا صعبة، وهي غائبة عن إثراء تراث الإنسانية العلمي، وتعيش عالة على غيرها في مجالات دقيقة وتحدق بها الأخطار في أمنها القومي، وأمنها الاقتصادي وأمنها الصحي، هل ينقصها جلسة الاشتغال بجلسة الاستراحة لتقوّم من حالها؟
ولماذا يغفل المهتمون بالمسائل الدينيّة عما كتبه علماؤنا في باب الفروض الكفائية، وأن المسلمين يجب عليهم ألا يحتاجوا لغيرهم في صناعات مدنية وعسكرية، وأن لا يستجدوا غذاءهم ودواءهم من عند غيرهم، وأن مجموع الأمة آثم ما لم يعملوا على سد هذا العجز أو ذاك؟
وما بال المسلم اليوم يسلك أقصر الطرق في الكسب، فإذا كان طالبا دلّس في بحثه، وإذا كان أستاذا قصّر في درسه، وإذا كان تاجرا فجر في معاملته، وإذا كان طبيبا وقف عند آخر درس تعلمه قبل ظفره بشهادته، ولماذا غاب منطق العمل والجهد الذي يقابل جهد العشرة أو الاثنين، بل إن واقعنا يقول أننا قصرنا حتى في محاكاة ما يبذله غيرنا من جهد واجتهاد!

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحــــــــــبُ والزينة…

يكتبه د. محمّد قماري / أتابع هذه الأيام ما يدور في وسائل الإعلام الفرنسيّة من …