الرئيسية | سلسلة سراج ومعراج | سلسلة سراج ومعراج (18)/ بيـــت الـمقـــدس عاصمـــة التحـــول الحضـــــاري (9) من موسى إلى داود عليهما السلام… الطريق إلى تحرير بيت المقدس

سلسلة سراج ومعراج (18)/ بيـــت الـمقـــدس عاصمـــة التحـــول الحضـــــاري (9) من موسى إلى داود عليهما السلام… الطريق إلى تحرير بيت المقدس

د.كدير مراد /

تحققت سنة الاستبدال على جيل كامل من بني اسرائيل من المتساقطين في اختبارات النعمة والفتنة والتوبة والميثاق والوعد ودخول الأرض المقدسة المقصد الأعظم لرسالة سيدنا موسى وخروجه ببني إسرائيل، فكانت العقوبة مع الضياع الروحي والعقدي والنفسي والأخلاقي والفكري لبني اسرائيل الضياع الجغرافي عقوبة ربانية لازمة لجيل فاشل واستبدالا داخليا لأمة بني اسرائيل المكلفة باستعادة المقدسات تمهيدا لقيادة البشرية نحو الله سبحانه وتعالى لا من منطلق الجنس والقومية بل من منطلق التقوى وتحمل أمانة إفراد العبودية لله وتحقيق الاستخلاف في الأرض وولاية المقدسات وعمارة الأرض.
لم ينل سيدنا موسى شرف التحرير ولو أنه وضع لبنته الأولى لأن السنن الربانية لا تحابي أحدا، فلم يكن بالمقدور أن يتحمل فرد مسؤولية تحرير مقدس ولو كان مؤيدا بالقوة العظمى الالهية، بل يعلمنا المولى –عزوجل – كيف أن وظيفة التحرير هي وظيفة جيل كامل ومهمة مجتمع متكامل مؤهل للقيادة والسيادة والريادة بتحرير بيت المقدس. بقي سيدنا موسى مع قومه متحملا معهم العقوبة رغم التخفيف الرباني على سيدنا موسى قبل وفاته بتقريبه مرمى حجر من بيت المقدس ودفنه عند وفاته بالقرب من الأرض المقدسة المكتوب المطلوب المرغوب المحبوب دخولها.
يذكر القرآن الكريم لنا الوظيفة التربوية التكوينية التي مارسها سيدنا موسى خلال فترة الضياع من خلال المرافقة التربوية لفتى موسى في الرحلة التربوية العلمية لسيدنا موسى ولقاءه بالخضر والتي تذكرها سورة الكهف التي جمعت جملة من استراتيجيات التغيير والإصلاح والتي تعتبر نورا نفسيا وعلميا وتربويا وحركيا كمحطة تغيير أسبوعية للإنسان. لقد عمل سيدنا موسى على العمل المجتمعي الإصلاحي وميلاد مجتمع جديد مؤمن كضرروة مستبدلا التجمع البشري البهيمي الغرائزي الميت الفاشل المغضوب عليه من الله المستحق للعقوبة، وقد كانت الثمرة نشأة مجموعة فتية مؤمنة يقودها فتى موسى (يوشع بن نون) نالت الكرامة والفضل لدخول الأرض المقدسة لكن دون الوصول وبلوغ بوصلة وعاصمة الأرض المقدسة التي هي منتهى ومبتغى الرسالة والميراث الموسوي.
نسيت بنو اسرائيل ذلك المقصد والمبتغى لرسالة سيدنا موسى مكتفين بدخول الأرض المقدسة تاركين المقدسات محتلة مغتصبة، متناسين المكانة الحضارية والسياسية والدينية لبيت المقدس والمسجد الأقصى الذي كانت لسيدنا ابراهيم منه القيادة العقدية الدينية (النبوة) والقيادة السياسية الحضارية (الإمامة) على البشرية جمعاء. ركنت بنو اسرائيل إلى الحياة اليومية المشبعة للرغبات القاعدية الفسيولوجية في الأكل والشرب والتزاوج متقاعسين عن الجهاد في سبيل الله ومتوقفين عن السير نحو استكمال الميراث الموسوي المبتغي ولاية المسجد الأقصى المبارك إلى حين إرسال الله لهم نبيا منهم يضبط البوصلة ويذكر بالمقاصد ويربي الأنفس على علياء الأمور ويوجه الطاقات نحو استرجاع ميراث الأنبياء.
عادت البوصلة لبني اسرائيل بتذكرهم وجوب استكمال الطريق الذين من أجله تركوا أبناءهم وديارهم وممتلكاتهم وأخرجوا من مصر لأجله مع أن يكون ذلك السير والمسير لله سبحانه وحده عبر مطالبتهم النبي المرسل لهم له هاديا ومرشدا أن يدعو الله لهم أن يرسل ملكا (قائدا) يسيرون معه نحو المبتغى المنشود اذ يقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}.
لم يترك بنو اسرائيل رذيلة التولي لحظة الأمر الرباني ولا سوءة التخلف عن السير في طريق الله فتول الظالمون لأنفسهم من إمكانية نيلهم معالي الدرجات عند الله والظالمون لمجتمعهم المتخلف الضائع والظالمون للأمة المقهورة المستضعفة حينئد والظالمون للرسالة النبوية والميراث الموسوي للسير لتحرير بيت المقدس واسترجاع الأمانة الإبراهيمية الباقية.
أرسل الله لبني اسرائيل ملكا اختاره لهم قائدا في طريق تحرير بيت المقدس، لكن المنظومة الفكرية المجتمعية رفضت خيار الله بدعوى دنيوية ضيقة الأفق ضحلة التصور جاهلة بسنن النصر والتمكين وأدوات انتقاء القيادة الحقيقية، لقد كانت من بين مواطن الضعف القاتلة القاهرة منهجية اختيار القيادة في مجتمع بني اسرائيل المتخلف، كانت اسرائيل تتأمر (تختار أميرها أو قائدها) من خلال النزعة القبلية العشائرية بـحصر القيادة في بطن أو بطنين من البطون الإثني عشرة وتمايز القيادة على أساس الامتلاك المادي والقوة المالية.
لقد حدد الله –عزوجل – معالم القيادة الراشدة على طريق تحرير المسجد الأقصى بأن ربطها بالربانية والانتقاء الرباني بعد النجاح في مسار الاهتداء والهدى والبذل والعطاء والابتلاء الذي به كان الاختيار للقيادة النبوية على مدى العصور وكذلك كانت القيادة الاصلاحية السياسية المجتمعية، وقد خص الله سبحانه وتعالى الملك طالوت بالبسطة العلمية والجسدية على من سواه من طالبي الحكم والسيادة والقيادة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

بيت المقدس عاصمـــــــة التحــــــــول الحضــــــاري (10) سيدنا داود… بيت المقدس عاصمة دولة الشهود الحضاري

د.كدير مراد / من صفات المحرر القائد الرشيد تمام صلاح النفس وقوامة السلوك ودوام الارتباط …