الرئيسية | قضايا و آراء | بين علم السياسة والسياسيّ المزعوم

بين علم السياسة والسياسيّ المزعوم

أ. عبد القادر قلاتي /

يظنّ بعض النّاس أنّ ممارسة السياسة هي جمع معلومات يتلقاها من هنا أو هناك، ترتبط بهذا الشخص أو ذاك، أو مجرد نقد يتبناه تجاه هذه السياسية أوتلك، فتراه يعارض هنا ويهاجم هناك، تستهويه الأخبار ويستلذّ السماع عن العيوب والأعراض، فالمهم أن تكون هذه العيوب والأعراض تخص هذا المسؤول أو ذاك ممن يعارض، ويقضي هذا السياسيّ المزعوم عمره كلّه يتتبَّع العيوب ويتصيّد الأخطاء وفي كلّ ذلك يظنّ أنّه يتعاطى السياسية ويمارسها عن خبرة ونضال، لكن السياسة غير ذلك تماماً، السياسة علم له أدواته المعرفية، ومنهجه في الممارسة والتطبيق، ولا يمكن أن يتعاطى السياسة من فقد هذه المعرفة، ولم يتصل بها، سواء بالدراسة الأكاديمية أو بالإطلاع على مدوناتها التأسيسية الكبرى، وأذكر أنّني سمعت حواراً أجرته قناة الجزيرة مع المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري تحدى فيه هذه الثلّة التي تتعاطى الفعل السياسيّ، إن كانوا قرؤوا الكتب التأسيسية في علم السياسة، سواء في المجال التداولي الغربي أو في تراثنا الإسلامي، وكان يقصد من يكتبون فيها أو يمارسونها عن طريق التنظيمات السياسية والأحزاب، والحق أنّ جيل الاستقلال وما قبله كانوا على اطلاع واسع بالتاريخ السياسيّ وفلسفة السياسة، أما الجيل الحالي فإنه يتلقى معرفته السياسيّة من وسائل الاتصال الحديثة، التي تقدم له كماً هائلاً من المعلومات الخالية من التحليل والتفسير، والتي غالبا لا تزود المتلقي بأيّ جرعة معرفية أو تكسبه مهارات تنمي فيه القدرة على ممارسة الفعل السياسيّ عن خلفية معرفية، تضيف إلى رصيده جديداً بل سيظلّ هذا السياسيّ المزعوم ينتظر المعلومات التي تحتاج دائما لمعلومات أخرى تفسرها، وهكذا دواليك يقضي عمره كلّه ولا يفهم أبسط أبجديات السياسة، التي تُعرّف في اصطلاحات علمائها، بأنّها «فنّ الممكن»، وأنَّى لهذا السياسيّ المزعوم أن يعرف هذا الممكن، ومتى يكون الفعل السياسيّ ممكناً، ومتى لا يكون؟، وكيف يكتسب ممارسُ السياسة فنّ معرفة هذا الممكن؟، ولك أن تقف مع كلمة «فن» لتدرك أنّ المسألة ليست الوصول لمعرفة الشيء فقط، وإنمّا تتم المعرفة عن طريق استعمال الإمكانات الفكريّة والمهاريّة لإنجازه، ومن هنا قالوا وقولهم صواب السياسة: «فنّ الممكن» فتعلم يا رعاك الله هذا الفنّ لتصل لهذا الممكن.
والله المستعان

عن المحرر

شاهد أيضاً

سورة العهد الأسبوعي…(1) واصبر نفسك

مداني حديبي / سورة الكهف سماها شيوخ العلم بسورة العهد الأسبوعي لأنك تعاهد الله على …