الرئيسية | ليتفكروا | ما السبيل للخروج من تقليد الغرب في تحديد الصلة بين الدين والعلم؟

ما السبيل للخروج من تقليد الغرب في تحديد الصلة بين الدين والعلم؟

د. بدران بن الحسن * /

إن الهم المركزي لهذه المقالات هو التفكير في كيفية الخروج من دائرة التكرار والاجترار والتقليد والنقل إلى زمن الإبداع الفكري والفلسفي والعلمي. وهذا يتطلب منا الوعي بالخصوصية والكونية في الخطاب الفكري المتداول في العالم اليوم، لنستعيد المبادرة ونفتح المجال للابداع، لأننا ما لم ندرك حدود ما هو كوني، وما هو محلي أو خصوصي، فإننا لن نستطيع أن نبدع، وسنبقى مقلدة لغيرنا. فجدلية الخصوصية والكونية لازمتان للخطاب الفلسفي والفكري اليوم، ليستعيد فكرنا دوره في الإبداع والتواصل؛ الإبداع في الإجابة عن الأسئلة الملحة في سياقها العربي الإسلامي، والتواصل مع الخطابات الفلسفية والفكرية الأخرى باعتبار أن مرحلة العولمة تفرض تواصلا، فالخصوصية اشتغال على افتكاك الاعتراف من الآخر على أن لنا نصيبا فلسفيا ينبغي لغيرنا أن يُقِر بخصوصية هذا النصيب لفكري والفلسفي، بمعنى آخر أننا نحتاج إلى الاعتراف بالحاجة إلى إيجاد فكر نتميز به العربي عن غيرنا «لا تَمَيُّز الانقطاع ولكن تَمَيُّز التكميل والاغناء»، ليندرج خطابنا الفكري في سياق كونية إنسانية.
وهذا يقتضي منا الوعي بأننا نستطيع أن نفكر في قضايانا ونتفلسف فيها على مقتضى خصائص ذواتنا، وأن نستمد أفكارنا من مقومات مجالنا التداولي الإسلامي [طه عبد الرحمن، تجديد المنهج، ص243]، وأن نضع لنا فكرا وفلسفة نابعين من تراثنا وواقعنا، لا ما يُقرره غيرنا لنا. وهذا في جوهره مناقض لكثير من الأطروحات الفلسفية العربية الحديثة والمعاصرة، بل وحتى القديمة؛ التي ترى أن لا مندوحة من الاندراج في السائد الغالب من الخطاب الفكري والخطاب الفلسفي المهيمن سواء أكان في شكله الإغريقي الغابر أو شكله الغربي الحداثي وما بعد الحداثي[طه عبد الرحمن، روح الحداثة، 11-14].
بعبارة أخرى، فإن الموقف الفلسفي والفكري من قضايا العصر ليس أمرا معزولا عن سياقه الحضاري، وليست الفلسفة والفكر مجرد فكر بلا زمان ولا مكان، بلا زمان وبلا حضارة، إنما هي نظام فكري ينشأ في عصر، ويقوم به جيل، ويخدم مجتمعاً، ويعبر عن حضارة… هذا الوضع هو الذي يدعونا إلى التفكير في علاقة الفلسفة والفكر بالموقف الحضاري لجيل محدد هو جيلنا. فهناك أبنية ذهنية ونفسية واجتماعية تظهر في كل عصر ولا يمكن تعميمها إلا بقدر عموم النفس الإنسانية وإطلاق العقل البشري. وهو في الحقيقة عموم لا يأتي إلا بعد خصوص [حنفي، الفلسفة في الوطن العربي، ص13-14].
ولذلك فإن معالجة مثل موضوع لا صلة بين الدين والعلم في الأوساط الفكرية والفلسفية اتسم بهيمنة خطاب الحداثة، كما اتسم بالجمود أمام الخطاب المهيمن للحداثة، ووضعنا أنفسنا في الغالب ضمن مقولاتها بوجوب الاندماج الكلي في العصر الفلسفي على مقتضى ما قرره الغير في التفلسف [طه، الحق العربي، 148]، وصار المفكرون والمتفلسفة المسلمون عموما والعرب خصوصا تحت تأثير الخطاب الفلسفي للحداثة وما بعد الحداثة، فصاروا يخوضون في نفس المسالك الفكرية على نفس الأشكال المنهجية السائدة.
ولا بد من سبيل إلى الخروج من هذا التقليد الذي لا يوضح ما استشكل علينا من أمر العلاقة بين العلم والدين ولا يرفع ما استغلق علينا بصددها، بل ينقل إلينا ما يزيد هذا الأمر استشكالا واستغلاقا؟ ولكي نبدع في الإجابة عن هذه العلاقة، نحتاج أن تجاوز الاختزال الذي وقع فيه الغرب ومن نقل عنهم، وذلك بأن نخرج من «اختزال العلم في علوم الطبيعة»، ومن «اختزال الدين في أحوال الإيمان»[طه، روح الحداثة، 39].
وللخروج من ضيق الرؤية الحداثية للصلة بين الدين والعلم، وتهافت خطابها، علينا -كما يقول الدكتور طه عبد الرحمن – بالخروج من التقليد لها، ورفض الاختزال المزدوج؛ رفض اختزال مفهوم ومجال العلم في العلوم الطبيعية، ورفض اختزال الدين في الأحوال الإيمانية الصرفة كما هي في الموروث المسيحي.
وهذا يجعلنا قادرين على بناء وتحديد العلاقة بين الدين والعلم بطريقة إبداعية، حيث تقوم هذه العلاقة على توسيع مفهوم العلم إعمالاً لمبدأ «مراتب العقل»، فيتجاوز تضييقات المفهوم الغربي للعلم. وتقوم أيضا على توسيع مفهوم الدين إعمالاً لمبدأ «تعدد شعب الحياة»، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»، للخروج من ضيق المفهوم الغربي المنقول إلينا تقليداً كما يقول طه عبد الرحمن.
وفي المقالات المقبلة سوف نفصل أكثر في سبيل الخروج من هذا الضيق، كما نعطي نماذج تاريخية من حضارتنا الإسلامية يتمثل فيها كيف أنجز أجدادنا تجربتهم في بناء نموذج للعلاقة التكاملية بين الدين والعلم والخروج من جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدين إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن عبادة العباد في أشخاصهم وأفكارهم وتحريفاتهم إلى عبادة الله الذي له الخلق وله الأمر، فلا تتناقض سنن كتابه مع سننه في الآفاق والأنفس والتاريخ.

عن المحرر

شاهد أيضاً

القرآن والنقلة في الوعي الإنساني

د. بدران بن الحسن */ بناء على ما سبق تناوله في المقالات السابقة من اختلافات …