الرئيسية | رأي | الدرس الذي لا ينسى…!(12)

الدرس الذي لا ينسى…!(12)

د. موسى عبد اللاوي * /

وفي المقابل إذا كان المسلم عابدا طائعا صالحا، ليس بينه وبين الله إلا العبودية الحقة، والشكر والحمد والإنابة والاخبات إليه سبحانه، فهذا يغلب على الظن في ابتلائه وجه المكرمة ورفع الدرجات، والعباد شهداء الله في الأرض، فإذا عرفوا فيه الصلاح كان لهم أن يبشروه برفعة الدرجات عند الله تعالى إن هو صبر على بلائه.
وأما إذا أبدى المبتلى السخط والجزع، فلا يظن أن يكون ابتلاؤه مكرمة من الله له لرفع درجاته، وقد علم سبحانه منه عدم الصبر والرضا، فالأقرب في هذه القرينة وجه المجازاة والعقوبة، وقد قال بعض الصالحين: «علامة الابتلاء على وجه العقوبة والمقابلة: عدم الصبر عند وجود البلاء، والجزع والشكوى إلى الخلق».
وعلامة الابتلاء تكفيراً وتمحيصاً للخطيئات: وجود الصبر الجميل من غير شكوى، ولا جزع ولا ضجر، ولا ثقل في أداء الأوامر والطاعات.
وعلامة الابتلاء لارتفاع الدرجات: وجود الرضا والموافقة، وطمأنينة النفس، والسكون للأقدار حتى تنكشف.
وهذه ما هي إلا قرائن ظنية يمكن للعبد أن يتأمل فيها ليعرف شيئا من حكمة الله تعالى في المصائب والمحن، لا ليجزم في الحكم بها على نفسه، أو على عباد الله المبتلين.
ولعل الأهم من هذا التفصيل كله أن يقال:
إن الفائدة العملية التي ينبغي للعبد التأمل فيها هي أن كل مصيبة وابتلاء هي له خير وأجر إن هو صبر واحتسب، وأن كل ابتلاء ومصيبة هي له سوء وشر إن جزع وتسخط، فإن وطَّن نفسه على تحمل المصائب، والرضى عن الله بقضائه، فلا يضره بعد ذلك إن علم سبب البلاء أو لم يعلمه، بل الأَوْلى به دائما أن يتَّهِم نفسه بالذنب والتقصير، ويفتش فيها عن خلل أو زلل، فكلنا ذوو خطأ، وأينا لم يفرط في جنب الله تعالى، وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد أصاب المسلمين يوم أحد بمقتلة عظيمة، وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وخير البشر بعد الرسل والأنبياء، بسبب مخالفةِ أمرِ النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف يظن المرء بعد ذلك في نفسه استحقاق رفعة الدرجات في كل ما يصيبه، وقد كان إبراهيم بن أدهم رحمه الله – إذا رأى اشتداد الريح وتقلب السماء – يقول: هذا بسبب ذنوبي، لو خرجت من بينكم ما أصابكم.
فكيف بحالنا نحن المقصرين المذنبين.
ثم أولى من ذلك كله وأهم، أن يحسن العبد الظن بربه دائما، فقد أنعم الله علينا نعماً نعجز عن إحصائها أن أردنا ذلك وقد قال تعالى في محكم تنزيله: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة النَّحل الآية رقم:18] فإن الله تعالى إذا أغلق بابا فتح أبوابا.
لذا كان من الواجب علينا دائماً أن نستشعر عظيم ما أنعم الله علينا من نعم وأن نسعى بكل جهدنا إلى شكره وحمده امتناناً وحباً وتقديرا.
وإذا كان الابتلاء أحد سنن الله في الحياة فقد يبتلي الله عباده بنقص في بعض النعم أو الحرمان من بعضها وذلك ليختبر الله الإنسان أيصبر أم يكفر.
وأمر المسلم كله خيرٌ كما أخبرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم فقد قال: (عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ) رواه مسلم.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
والمصائب التي تحل بالعبد، وليس له حيلة في دفعها، كموت من يعزُّ عليه، وسرقة ماله، ومرضه، ونحو ذلك، فإن للعبد فيها أربع مقامات:
أحدها: مقام العجز، وهو مقام الجزع والشكوى والسخط ، وهذا ما لا يفعله إلا أقل الناس عقلاً وديناً ومروءة.
المقام الثاني: مقام الصبر، إما لله، وإما للمروءة الإنسانية.
المقام الثالث: مقام الرضى وهو أعلى من مقام الصبر، وفي وجوبه نزاع، والصبر متفق على وجوبه.
المقام الرابع: مقام الشكر، وهو أعلى من مقام الرضى؛ فإنه يشهدُ البليةَ نعمة، فيشكر المُبْتَلي عليها «انتهى من «عدة الصابرين».
وعلى كل حال؛ فالله سبحانه وتعالى هو أولى بالجميل، وهو أهل التقوى وأهل المغفرة.
إنتهى

عن المحرر

شاهد أيضاً

الـــدرس الــــذي لا يُــنــســى! (11)

د. موسى عبد اللاوي * وللمصائب والابتلاءات في الكتاب والسنة سببان اثنان مباشران – إلى …