الرئيسية | الحـــق الـمر | سكرة المفسدين

سكرة المفسدين

يكتبه د. محمّد قماري /

عجيب أمر اللّغة العربيّة، فهي من جانب نظامها العام لغة اشتقاق، وهي بهذه الخصيصة أشبه بالحبل الذي يفتل من جدائل ممتدة، فالجذر الواحد من ثلاثة أحرف أو أربعة، ينطلق بك إلى آماد طويلة في التوليد، وتجعل دماغ مستعملها نشطًا ويقظا في تتبع هذا الامتداد.
وعجيب أمر بعض الغربان الناعقة باسم الثقافة، وهي تهوّن من قيمة هذا اللّسان، وقد اغترت بمنابر المرجفين وصرعى الاستعمار الثقافي، فكل مفردة في اللّغة العربيَّة، تسافر بك إلى أغوار وظيفية هي غاية في الدقة والبيّان، ولعل في هذا بعض الحكمة التي ندركها من حكمة الخالق في اصطفاء هذه اللغة لحمل الرسالة السماوية الخاتمة، وهو سبحانه معلم اللغات كلها وخالق الأجناس جميعًا.
استقر هذا المعنى في نفسي وأنا أعود للفظة (الفساد) في العربيّة، وأحاول تلمس خطر الفساد والمفسدين على حياة الأمم، وأسأل نفسي لماذا تسعى كل الأمم الراقيّة لمحاصرة الفساد العام، وتشدد في سن القوانين للتضييق عليه، والتشهير بمرتكبيه استعدادا لإنزال القصاص عليهم، وهي بهذا المسلك تعمل بمفهوم (الوقاية) من الهلاك العام، وفي الأثر أن السيدة زينب، زوج النبي، رضي الله عنها، قالت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: نعم إذا كثر الخبث!
وللأسف فإن أمّة المسلمين في عصورها المتأخرة، حصرت الفساد في بعض السلوكات الفردية، وتغاضت عن المعاصي الحضارية، وكثير من المسلمين لا يشعر بالغضاضة أمام من يتعدى على حق الأمة في اختيار من يحكمها، سواء بصورة سافرة أم بسرقة أصوات الناخبين في مسرحية انتخابية بليدة، كما قد يغض الطرف على سرقة المال العام وتبديده، وربما جاء بخطاب عريض ينذر بالثبور وسوء المصير لرجل حلق ذقنه أو ألم بمعصية فردية…
لقد عجبت من أمر العربيّة، وهي تصف هذه الجريمة بالفساد، ففي معجم لسن العرب لابن منظور نقرأ في مادة (ف.س.د): (وفَسَّدَ الشيءَ إِذا أَبَارَه)، فالمفسد يحوّل الحياة إلى (بور) وهو ما يذهب بالأذهان إلى الأرض التي لا تصلح للحرث ولا الانتاج، وكذلك يعمل الفساد على تعطيل الإنتاج وزرع اليأس في النفوس، ويأتي العقاب في الدنيا بهلاك المجتمع كله لأنه تغاضى عن الفساد وأفسح الطريق لتفشي (الخبث).
إن الخمر أم الخبائث، وشاربها سكير يحجب عقله، غير أن القرآن الكريم حدثنا عن (سكر) آخر، يفقد معه الظالم والمفسد حكامة العقل الذي يعقل صاحبه عن تجاوز الحدود، فينطلق في استخفاف لا يلوي على شيء، يدمر حياة غيره: «لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ» (الحجر/72).
وعجيب أمر هذه العربيّة !
ففيها لفظة (العمى) وهي تخص من فقد حاسة البصر، وفيها (العمه) لمن فقط القدرة المعرفيّة على التمييز الراشد، وهي تقابل المصطلح الشائع في علم النفس (Agnosie)، وكثيرا ما ينقلها الكتاب إلى العربية على أنها فقدان القدرة المعرفيّة، وهذه مسألة أخرى إذ العيب في أهل العربيّة لا في اللّغة نفسها، إذ فيها ما يتسع لعلم الذرة والمجرة.
ويحدثنا الفيروز آبادي في (القاموس المحيط) عن بعض معاني العمه، فيقول: (وأرضٌ عَمْهاءُ: لا أعْلامَ بها)، فالعمه هو فقدان المعالم التي يهتدي بها الإنسان، لكن طبيعة الفساد الذي يجعل الأرض بورا، وقاحلة، يقضي على معالم الطريق، وكلما ربا وتفشى فقد المجتمع بوصلته، وفقد رشده وضاع في التيه دون وجهة.
ولعل من لطف الأقدار بالشعب الجزائري، أن سيق طرف من كبار المفسدين فيه إلى المحاكم، وأطلع الشعب عن سر بعض عذاباته، وأن (سكارى) الفساد مضوا في طريق العمه، وقد جمعوا السلطة والمال، ولأنهم في (سكرتهم) لم ولن يدركوا فضاعة فعلتهم، وبشاعة صنيعهم، ولعل في ذلك عبرة لغيرهم، إذ طريق التيه والعمه مؤذن بخراب العمران وهلاك الأمم.
ولعل العبرة الأكبر والأهم، تتثمل في اتقاد جرس الإنذار في المجتمع، وأن يتولى أمره في حراسة مقدراته المادية والأدبيّة، وألا يستكين للظالمين المفسدين، وأن لا يقبل مسلك الذين يستخفون به، فالقرآن الكريم حدثنا عن فرعون، وكيف أن الأمم هي تصنع أصنامها وجلاديها: «فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ» (الزخرف/54)، وما أبشع ذلك الوصف المقرع لأولئك القوم: « إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ»، والفسق هو الخروج عن جادة الرشاد إلى الذل والاستكانة، وأصل اللفظة: (فَسَقَت الرُّطَبةُ من قشرها).
لقد طال الأمد بشعوب هذا الشرق الإسلامي، وقد ركنت إلى الاستخفاف بها، بعد ان رضيت بطريق (الفسق) وغاب فيها روح العمل والبناء، والقيام بواجباتها الفردية والجماعية، وتداعى عليها (سكارى) الفساد يسومونها سوء العذاب، ولا أمل يرجى في التغيير ما لم ينهض كل منا بواجبه، ويؤدي ما عليه بأمانة وصدق، فسب الظلام لا يصنع نورا، والكسالى النائمون أقل تغييرا لما حولهم وقد عجزوا عن تغيير أنفسهم.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحــــــــــبُ والزينة…

يكتبه د. محمّد قماري / أتابع هذه الأيام ما يدور في وسائل الإعلام الفرنسيّة من …