الرئيسية | قضايا و آراء | العلمانية: النسخة الفرنسية

العلمانية: النسخة الفرنسية

أ. عبد القادر قلاتي /

ربما تشكل النّخبة السياسيّة والثقافيّة في فرنسا الاستثناء في المجتمعات الغربية، بروحها المتطرفة والعدائية للآخر المختلف حضاريا، وعندما نقول الاستثناء، فليس معنى هذا أنّ الغرب الآخر -غير الفرنسي- يقابل المختلف بروح التسامح المطلق، لكن يوجد بعض القبول لهذا الآخر، يجعل النّموذج العلماني الفرنسي يحمل رؤية متطرفة عندما يحس باختراق مفاهيم وتصورات جديدة المجال التداولي للثقافة والمجتمع الفرنسيين، فتتحوّل روح التسامح والقبول بالآخر، إلى حالة نقديّة وحديّة متطرفة.
ففي نهاية الأسبوع الماضي شهد البرلمان الفرنسي حالة واضحة لهذه الروح اللامتسامحة مع الآخر، حيث قام برلمانيون يمينيون وجمهوريون بمغادرة اجتماع في البرلمان الفرنسي؛ رفضًا لوجود طالبة محجبة في الاجتماع، وقد وجدت «مريم بوجيتو (21 عاما) وهي فتاة مسلمة محجبة تترأس الاتحاد الوطني لطلبة فرنسا في جامعة السوربون بباريس، نفسها فجأة وسط هالة من الجدال والنّقاش في وسائل الإعلام المختلفة وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وتحوّلت قصتها إلى قضية سياسية وثقافية خاض فيها السياسيّون والوزراء»، وأصبحت هذه الفتاة الفرنسية -أباً عن جد – تشكّل تهديداً للعلمانية الفرنسية، التي تؤسس لمنطق الحرية المطلقة للفرد سلوكاً ونقداً للأفكار والأديان، هذه العلمانية التي تعطي الحق للفرد بممارسة «التجديف» في حق الأديان، ليس رفضا لها، وإنمّا استهزاء وسخرية برموزها، وما فعلته مجلة شارلي إيبدو من نشر الرسوم المسيئة للنّبي –صلى الله عليه وسلم – ليس إلاّ تجسيدا لهذا الحق الذي منحته قيم العلمانية للفرد والمجتمع الغربي، ولا نفهم كيف أصبحت للعلمانية قيم واجب المحافظة عليها، بينما تنتهك حرمات الأديان بعنوان مسبوك: «الحق في التجديف»، الذي أطلقوه على سلوك متطرف يخالف قيم التسامح والحق في الاختلاف، وهي قيم أساسية في العلمانية، انظر إلى هذه النائبة الفرنسية كيف برّرت موقفها الرافض لوجود محجبة في قبة البرلمان قائلة: «بصفتي مُدافعة عن حقوق المرأة والقيم العلمانية، لا يمكنني قبول شخص يرتدي الحجاب في الاجتماع»، أيعقل أن يصدر هذا الكلام من إنسان عاقل، أوليس من حق هذا الفتاة الفرنسية أن ترتدي ما تشاء من لباس، في بلادها وهي فرنسية لها نفس الحقوق كما لها نفس الواجبات في بلد متعدد الأعراق والأديان كيف يصبح هذا الحق اعتداء على قيم العلمانية؟ والعلمانية نفسها من وفرّ هذا الحق للمجتمع الحديث.
منطق عجيب، والأعجب منه انخراط النّخبة المثقفة في هذه الروح المتطرفة التي تؤسس لها التيارات اليمينية المعادية فكرا وسلوكا للآخر.

عن المحرر

شاهد أيضاً

إن لم نتجدد نتبدد…

مداني حديبي/ زيارة المكتبات ومتابعة جديدها بين الفينة والأخرى تمنحك التطوير والتجديد في كتاباتك ومحاضراتك …