الرئيسية | المرأة و الأسرة | أوفى صـــــــديــــق ..

أوفى صـــــــديــــق ..

أ.صباح غموشي / 

أحيانا كثيرة يحس المرء أنه متضايق ولا يدري ما السبب.. حزين بداخله ولا شيء محدد يحزنه.. بداخله كلام كثير ولا رغبة له بمحادثة أحد .. كل الذي يستهويه مكان هادئ مفتوح، يجول بناظره في الأفق الفسيح من غير أن يكون مضطرا لتثبيت نظره في شيء معين أو التركيز مع شخص بذاته .. حوله أناس كثيرون مثنى وفرادى وجماعات يستأنس لوجودهم ولا يكون مجبرا لمجاملة أحدهم بابتسامة أو حديث .. شيء واحد يؤنس وحدته ويشعره براحة عجيبة ورفقة لطيفة من غير تكلف أو انزعاج .. هو كتابه ..
قديما قالوا عن الكتاب أوفى صديق .. وهو كذلك على مر الأيام وتحول الأزمان .. هو الصديق الوفي الذي تجده في كل وقت وفي كل ظرف وعلى أي هيئة وفي كل مكان .. لا يغيب عنك ولا تضطر معه لمواعيد مسبقة قد توفى وقد تؤجل .. هو الوحيد الذي تحدثه بما تريد ولا تحتاج لكثير كلام ولا تزويق عبارات ولا أن تحاسب على كلامك ما تقول وما لا تقول .. هو الوحيد الذي يسمعك في صمت وينتظرك لتكمل كلامك دون مقاطعة ويصبر عليك حين تغيب عنه لحظات تسبح بتفكيرك فيما يشغلك دون أن يكون له فضول معرفة ما بك ودون أن يغضبه التفاتك عنه .. ستكون براحتك جدا معه ..
هو الوحيد الذي تنسيك صفحاته حين تغرق بين سطورها وتحلق في معانيها كل ما كنت متضايقا منه ولا تعرفه .. وهو الذي يسبح بك في عوالم ترتقي بفكرك وخلقك وأحلامك إلى فضاءات أرحب من دنيا كانت تضيق بك .. هو الذي يغذي عقلك بشتى العلوم ويزودك بمختلف المعلومات من غير أن يذلك بمقابل تدفعه أو مصلحة تؤديها له بطلب أو بتلميح أو غيره .. هو الذي يهديك معارف كثيرة من غير أن يذكرك يوما ما أنه كان له الفضل عليك في علم أو معرفة وما شابه .. هو الذي يكمّل ما نقص عندك من علوم من غير أن يعيّرك يوما ما بما كان فيك من نقص ..
هو الذي يكشف لك عيوبك من فكر وسلوك وخلق وعقيدة من غير أن يجرحك أو يذّلك بما علمه عنك طوال العمر أو عند أول خصومة .. هو الذي يعرّيك أمام نفسك فترى منها ما يجب أن تراه من اعوجاج لتقوّمه من غير أن يفضحك على ملأ من القاصي والداني .. هو الذي ينصحك بلطف دون أن يؤنبك كثيرا وتحز كلماته في نفسك بقية العمر .. هو الذي يحفزك ويشعل فتيل الأمل بداخلك دون أن يمنّ عليك بفضل .. هو الذي ينير عقلك ويفتق خواطرك ويرتب أفكارك ويعدّل سلوكك ويقوي إيمانك ويعلمك دينك ويقربك من ربك دون أن ينقص من قدرك شيئا أو يكلفك من ملذات الدنيا شيئا ..
هو الذي يرتقي بك ولا يغضبه نجاحك وهو الذي يمر بحياتك في لحظات حرجة يعطيك كل شيء ثم يعود لرفوف مكتبتك دون أن يلزمك بمرافقته دوما .. يترك في نفسك أثرا لا تمحوه الأيام وإن علاه الغبار بعدها طوال العمر. وإن عدت له في أي حين وفي أي ظرف وعلى أي حال ومهما طالت الأيام والشهور والسنوات استقبلك بنفس الحنين ونفس الوفاء ونفس العطاء من غير لحظة ملامة واحدة .. وفاء نادر لا تجده مع أحد في الدنيا غير كتابك .. لذلك استحق فعلا وبجدارة لقب: أوفى صديق ..

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحجاب رسالة حضارية 

الدكتورة ليلى بلخير / الحجاب الإسلامي أكبر رسالة حضارية عابرة للقارات بكل قوة وتأثير، إنّه …