الرئيسية | في رحاب الشريعة | أبعادالهجرة النبوية والسياسة الشرعية في بناء الدولة الحضارية

أبعادالهجرة النبوية والسياسة الشرعية في بناء الدولة الحضارية

الشيخ محمد مكركب أبران /

لقد أجمع كل العقلاء في العالم ما عدا المجانين أن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين هو أعظم مصلح في التاريخ البشري، وأن أتباعه واعتماد منهجيته في الإصلاح والإعداد، والعمل بالأركان التي اعتمدها في بناء الدولة لهي الأصلح على الإطلاق، والسؤال لماذا مازال بعض المسلمين منهزمين في ذيل المجتمعات؟ لماذا هجروا سياسة نبيهم وهم يقرون أنها الأصلح، ويتبعون سياسة غيره؟ من الأعداء أو من الأهواء.
عندما توقف المسلمون عن الدعوة ونشر الإسلام، توقف تاريخ مجدهم، وتعطلت سفن سيادتهم، وأحاط بها الطوفان، طوفان الصراع الداخلي، والتخلف والانحطاط، وبدأت أضواء حضارتهم في الانطفاء والاختفاء، وعندما توقفوا عن رسالة الدعوة الدفاعية لإنقاذ الإنسانية من شرور الجاهلية والظلم والهمجية، عندها دب في أوصالهم الوهن وذابوا في التبعية لليهود والنصارى، وهم مكرهون، كل ذلك بسبب مخالفتهم طريق الهجرات الإيمانية، وطريق الدفاع والدعوة الإسلامية، عندما استبدلوا المداهنة والخنوع والركوع لغيرهم بدل الدعوة والجهاد، حل بينهم الخلاف والنزاع على كراسي الحكم والغنائم، وهجروا الأخوة الإيمانية بينهم.
إذا لم يتعلم المسلمون كيف يقيمون دولة العصر والمستقبل والقوة السيادية من منهجية الهجرة النبوية، فإنهم لم ولن يستفيدوا شيئا من تاريخهم. والأركان التي أقام عليها النبي محمد صلى الله عليه وسلم دولة المسلمين في المدينة المنورة، أقامها على سبعة أركان:
الركن الأول: المفاصلة بين الدولة الإسلامية وغيرها، أي التَّمَيُّزُ عن كل ما هو من الجاهلية، ولا بد من التنبيه إلى أن التميز عن غير المسلمين يعني: إقامة الدين الخالص لله وحده لا شريك له، وعدم موالاة الكفار من أي نوع، أي: إقامة حياة نقية صافية وفق نظام الإسلام وحده. عملا بقول الله تعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾[البينة:5]. والتَّمَيُّز والمفاصلة عن غير المسلمين لا يعني عدم التعامل معهم، وإنما عدم التبعية لهم، وعدم اتخاذهم أولياء، وعدم الاعتراف لهم بما هم عليه من الباطل.
الركن الثاني: تحكيم الشريعة الإسلامية في كل العبادات والمعاملات، وما تخلفت بعض الشعوب المسلمة إلا عندما هجرت الحكم بما أنزل الله، واتبعوا أهواء الناس وتقاليدهم. قال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾[النساء:65].
الركن الثالث: تعيين ذوي الكفاءات في مناصب التسيير: فقد بدأ النبي بناء الدولة باختيار الرجال الأمناء المخلصين المتمكنين، وهذا أساس كبير في بناء المجتمع والوطن والدولة، أي اختيار الرجال ذوي الرجولة والكفاءة والإخلاص. وهذا ما اشترطه النبي عليه الصلاة والسلام قبل الهجرة على الأنصار، أنه إذا هاجر إليهم أن يلتزموا وينضبطوا بالاستقامة والأمانة. فقد جاء في حديث المبايعة، الذي يحفظه كل المسلمين، وخاصة حكام المسلمين، لأن هذا الحديث أصل كبير في الدستور الإسلامي. قال النبي عليه الصلاة والسلام:[تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه] هذه صفات الرجال الذين يبنون الدولة ذات السيادة القوية، ويحمون الوطن، ويقيمون العمران، ويطورون الحضارة. أنهم مؤمنون مُوَحِّدُون، وأنهم لا يسرقون دينارا، ولا يبذرون درهما، من مال وثروات الأمة، ولا يزنون، ولا يعبثون في اللهو والشهوات، ولا يتسببون في قتل نفس بريئة، ولا يعصون رسول الله في أي معروف. هكذا يفهم المؤمنون العبر والعظات من الهجرة النبوية، أيها العلماء، أيها الحكام، أيها الشباب.
الركن الرابع: إلغاء كل أنواع الطائفية، والقبلية، وترسيم الأخوة الدينية، وكان ثاني أساس وضعه النبي بعد بناء المسجد، وإعلان المفاصلة التامة، وأن المدينة دار الإسلام، وضع هذا الأساس الثاني: وهو الأخوة بين المسلمين[ المسلم أخو المسلم]. لم يبق بعد الهجرة، أثناء بناء الدولة، (هذا أوسي، وهذا خزرجي، وهذا قرشي، وهذا عدناني، وهذا قحطاني) مثل ما يفعل كثير من الغافلين اليوم الذين تركوا رابطة الدين وتعصبوا للآباء والأجداد، فالإسلام في بناء المجتمع والدولة، لا يرضى للمسلمين بالعنصريات القبلية، والحزبيات الطائفية، والدعوات الجاهلية. حتى إن أفرادا من الصحابة أخطؤوا مرة فتنادوا بالأنصار، والمهاجرين، في خصومة عابرة، لم يرض بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسماها دعوى الجاهلية، وأنها منتنة، فالدعوة إلى الطائفية والقبلية والجهوية دعوة جاهلية منتنة. إنما المسلمون إخوة متحابون، المُسْلِمُون أمة واحدة ومجتمع واحد. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: كنا في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين، رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: [ما بال دعوى الجاهلية] قالوا: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال: [دعوها فإنها منتنة](البخاري:4905).
الركن الخامس: إقامة العدل، وإحقاق الحق. لقد أمر الله سبحانه وتعالى، النبي صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بين الناس بالكتاب، بما أنزل إليه:﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:48] وعن عائشة، رضي الله عنها: أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: [أتشفع في حد من حدود الله] ثم قام فخطب، قال: [يا أيها الناس، إنما ضل من قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، سرقت لقطع محمد يدها] (البخاري. كتاب الحدود.6788).
الركن السادس: تقوية الدفاع والإعداد للجهاد. ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾[الأنفال: 60].
الركن السابع: الاعتماد على الذات بعد التوكل على الله تعالى في بناء الاقتصاد. وكان من بين أهم أركان النظام الاقتصادي في دولة المدينة، بعد الهجرة النبوية، بل وفي بناء الاقتصاد في المجتمع الإسلامي حيث كان، وفي أي زمان. هو إقامة وتفعيل الركن الثالث من أركان الإسلام. وهو {الزكاة} فالزكاة هي الفريضة العظيمة، وأساس اقتصادي ضامن للنهضة العمرانية، ولكن لَمَّا تهاون حكام المسلمين في تطبيقها وقلدوا غيرهم في الضرائب والمكوس والإتاوات، ضعفت قوتهم المالية، وأنهار اقتصادهم. فخلاصة منهجية النبي عليه الصلاة والسلام، في الإصلاح وبناء الدولة: كانت بالأركان المذكورة:{المفاصلة، وتحكيم الشريعة، وتعيين ذوي الكفاءات، والالتزام بالأخوة الإيمانية، مع إلغاء الطائفية، وإقامة العدل وإحقاق الحق، وتنظيم الجهاد الدفاعي الحق، والتطبيق العملي الشامل لركن الزكاة} ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾[الأنفال:74].

عن المحرر

شاهد أيضاً

شهر ربيع الأول شهر التاريخ، والعظمة، والبطولة

الشيخ محمد مكركب أبران / اشتمل شهر ربيع الأول على محطات تاريخية كبرى في حياة …