الرئيسية | أعلام | الصوت الذي لا يغيب أحمد القاسمي الخطيب الأريب

الصوت الذي لا يغيب أحمد القاسمي الخطيب الأريب

د. عاشور توامة /

ــــــــــــــ

يتعذّر اختزال الفقيد الرجل الصالح الشيخ الإمام الخطيب الفذ أحمد الحافظ القاسمي في بضع كلمات، بعد أن فاضت روحه إلى بارئها على ضفاف قلبه المثخن بنوائب الدنيا ودروب الحياة وسهولها وتضاريسها، رجل عاش مجد الصّحوة الإسلامية بكل تفاصيلها ودقائقها، فدانت له حِلق العلم والذِكر وحضور مجالس العلماء، وملَكات اللّسان والخطابة والفصاحة والبيان، ومنصّات الوعظ والإرشاد، عاش صوفيا روحانيا عازفا عن الدنيا ومغرياتها وعروض المناصب وبريقها.
كما عرف اضطراب الأوقات وقلق المحن، وبواكر الأزمات وحالك الأيام، وأخيرا تعب المرض الذي ألمّ بجسده منذ سنين؛ مما قاده إلى رحلة علاجية في فرنسا، سلبت بارقة الأمل التي كانت تحدونا جميعا في التعجيل بشفائه وعودته سالما معافى، بيد أن الأقدار شاءت ما شاء الله أن يعود جثمانا في نعشه محتسبا عند ربه.
تبكيك الأقلام وقد جف منها المداد والكلم، وهل لمثلك لا ترثيه الأجيال والأمم، تركت فينا جرحا غائرا لا يندمل، ودمعا لا ينتهي مصبّه المنهمر، وفراغا رهيبا لا تملؤه الأيام والبدل، رفقا أيها الموت بأخ أضناه النّصب، لا تعجل بروحه الطاهرة فقد دأبت تتعبّد، فأكفّ الضراعة تدعو لبارئها وتبتهل، وسيق التقيُّ إلى الفردوس إذ كان عنها يسأل…
ترجل الإمام العارف بالله أحمد الحافظ القاسمي إلى مثواه الأخير، كفارس من فوارس الدعوة والخطابة والبيان من على صهوة منبره، الذي يشهد له بقول الحق والصدح فيه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصحبة مقترفيه …
إمام بدأ يؤّم الناس صغير قوم لكنه كبير بعلمه إذا رُدّت إليه المحافل، فشبّ على جمال الخطابة وكمال آلة البيان منذ فتوته، كنا صغارا نحضر خطبه نهاية الثمانينيات من القرن العشرين في مسجد ”ابن الخطاب” المتواضع، والحقيقة أنه منزل لأحد المحسنين حُوّل إلى مسجد في انتظار بناء الأرضية المخصصة له؛ وسط مدينة بوسعادة في حي من أحيائها العتيقة، ألا وهو ”الهضبة” أو ما يعرف بـ .( plateau).
كنا نهرول من حيّنا القديم (الدشرة القبلية) زوال يوم الجمعة، سالكين طريق المروج المحاذية للوادي زرافات ووحدانا، وكأننا في الحرم مقبلون على أداء المناسك، نصلُ فنفترش بساطا أخضر على حافة الطريق ووسطها، المكان مزدحم جدا إذ لا نجد فسحة داخل المسجد الذي يعمر صباحا، كنا نعشق دروسه ومواعظه بتعطش وعفوية وهو شاب في مقتبل العمر، أقبل على جواد فن القول وحجة الإقناع ومسالك التأثير … كان صوته قويا متدفقا لا هذرمة فيه يتقن به مقامات النغم والنبر، تراه تارة مرتفعا وأخرى متهاديا ضئيلا؛ مكررا عبارات محددة قصد الإخبار المؤكد ..
يرفع عقيرته مخاطبا الناس بكل جرأة ومباشرة حتى تشعر أنه يخاطبك أنت أنت…، الغافل عن درسه والشارد عن موضوعه، كان مرهبا في حديثه عن الموت والآخرة وقيامتها، ومؤنسا إن حدّثك عن الجنّة ونعيمها، وواعظا بارعا عن الدنيا وفنائها.
كان مجبولا على طاعة الله ومحبته لرسوله؛ فعادة ما يفتتح درسه مصلّيا ومسلّما على خير الأنام – صلى الله عليه وسلم، إذ كان كثير الحضور في خطاباته وحتى رؤاه حسب شهادة أحد الأئمة المقربين، ولعل هذه المكرمة لا تؤتى إلا لصفوة عباد الله المخلصين، كيف لا وهو يتمثّل بقوله – صلى الله عليه وسلم- وينهج نهجه ويتسنّى بسننه.
ولعل كثيرا ما يعنى بتوشيح خطبه يوم الجمعة والأعياد والمناسبات الكلامية باعتدال من السّجع المحمود، الذي لا ابتذال فيه ولا استكراه منه، ومن أبرز مقدماته في خطب الجمعة والتي طال تردادها في خلده وفكره بتصرف خاص على مساحة امتدادات صوته الجهوري الشّجي، الذي يأسر به الألباب بعد أن تستجيب له الأسماع وتقشعرّ له الأجساد قوله المأثور، الذي أخذه عن شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني في كتاب ”مجموع الفتاوى”، والخطيب البغدادي في ”تاريخ بغداد”، وابن العماد الحنبلي في ”شذرات الذهب”: «إن الحمد لله نستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمّة، وكشف الله به الغمّة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، ونحن على ذلك من الشاهدين”.
شاب في ريعان حياته وبهذه القوة والرزانة والثّقة والبيان؛ أي موهبة خطابية تحلىّ بها…؟!، وأي علم حازه في مثل هذه السّن المبكر…؟!، وهو يضارع الدكاترة والمختصين في الشريعة مع أنه بيولوجي الدراسة، التي انطلق منها مزاوجا بينها وبين العلوم الإسلامية؛ في صرح جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة لما غيّر التخصص مقتحما مجال علم الإعجاز.
إمام لا يشقّ له غبار من بين أقرانه في زمانه، تعدّت شهرته إلى العالم العربي والإسلامي؛ بعيدا عن سطوع أضواء المباهاة والفخر وسطوة الأنانية وحب الذات، بيد أنه الكوكب الدريّ الساطع المنير، يقول كلمة الحق ولا يخشى لومة لائم ولا يتزلّف لكائن من كان…
نفسه توّاقة إلى البقاع المقدسة وخدمة الحجيج في كل موسم، وكان أبا الأيتام حقا؛ إذ عكف على رعايتهم وكفايتهم مع ثلّة المخلصين من أبناء المدينة، حيث كان مؤسسا ورئيسا لجمعية (كافل)، التي قدّمت الكثير والكثير للأيتام والأرامل والفقراء والمعوزين، وها هي تطمح للمزيد بعد أن رسم خط نهجها؛ وحدد معالم طريقها وطرق أبواب دعمها…
كان ربانيا مخلصا انبرى إماما مفوها للمسجد الكبير البشير الإبراهيمي؛ الذي يعدّ أيقونة من أيقونات مساجد الجزائر وإحدى تحف العالم الإسلامي، جلّ أهل المدينة والفضل يحبونه ويحترمونه، ويتابعون دروسه وخطبه باهتمام وشغف…
اختار الإمامة عن طواعية وقناعة بعدما غادر سلك التربية والتعليم بوصفه أستاذا للعلوم للطبيعية، فشقّ طريقه نحو العلوم الإسلامية دارسا متبحرا وواعظا ضليعا وخطيبا متفردا…
كان صوته جهوريا مجلجلا إذا خاطب، ومؤثرا قويا إذا وعظ، ومثيرا جذّابا إذا حاضر، يشدّ السامعين ويحفّز المقبلين على فعل الخير والأعمال الصالحة …
مدينة السعادة بوسعادة أضحت حزينة جدا بوفاة هذا الإمام الخطيب والداعية المخلص، الذي أسهم في تربية أجيال على الإسلام والإيمان، وحب الطاعات وفعل الخيرات …
إلى جنة الخلد أيها الإمام المجتهد أحمد الحافظ القاسمي، وتغمد الله روحك الطيبة مع النّبيين والصّديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا …

*أستاد جامعي في الأدب العربي
المدرسة العليا للأساتذة بوسعادة

عن المحرر

شاهد أيضاً

فـــي ذكـــرى وفـــاة الـمفكـــر الوزيــــر مــولـــود قـــاســـــــــــم / قبسات من حياة حافلة بالحزم والعزم والجزم

د. محمد عبد القادر تيطــراوي /     لعل الكثير من عشاق العربية الذين رافقوا …