الرئيسية | الحـــق الـمر | عالمية الإسلام ومحلية المسلمين

عالمية الإسلام ومحلية المسلمين

يكتبه د. محمّد قماري /

خلال زيارة قادتني إلى إحدى المدن الأوربية، كان هاجس البحث عن محل إطعام حلال يرافقني، وذات مساء قادتني الأقدار إلى مطعم تبيّن لي أن صاحبه جزائري، وكان رجلا ذو لحية كثة، ويخاطب زبائنه في غاية اللطف، ولما علم أني جزائري أبدى سعادة غامرة، بل أبى أن يأخذ ثمن الوجبة، وبعد العشاء دار بيننا حديث ملؤه الحنين للوطن، والأسى من واقع يدفع الناس إلى الهجرة…
وبعد أن فرغ المحل من رواده، خرج الرجل من وراء الطاولة التي كان يعمل فيها، فإذا أنا بصدد كهل يرتدي سروالا قطنيا قصيرا وحذاء رياضة، وبينما نحن نتجاذب أطراف الحديث دخل علينا شاب فاره الطول أسمر اللون، طويل الشعر، وقد شد شعره برباط إلى الخلف، ولا يختلف في بقية مظهره عن صاحب المحل (سروال قطني قصير، وسترة يظهر من تحتها قميص ولباس رياضي…).
وقدم الشاب نفسه أنه من القطر التونسي الشقيق، وتجاذب معنا أطراف الحديث، وكان مما قاله أنه متحصل على شهادة ماستر في الإعلام الآلي من جامعة محترمة، وهو عاطل عن العمل ففي كل مرة تظهر فيها وظيفة يتقدم بطلبه مرفقا بسيرته الذاتية، ويأتيه الرد سريعا قصد إجراء المقابلة، وفي كل مرة يخرج خائبا دون بلوغ رغبته…
قلت للشاب: هل تعدل في مظهرك يوم المقابلة أم تذهب إليها على الحال التي أراها؟
قال: بل أقصدها على هيئتي التي ترى، وما العيب فيها؟
قلت: إن وسائل إعلام شرسة تنشر صورا لمثل هيئتك وهيئة صاحبك ليل نهار، وتجعل من هذه الصورة نموذج لعصابات قتل واغتصاب وهمجية في بقاع عدة من العالم، وأنت تمشي في الطريق أو تدخل المحلات أو تذهب لمقابلة قصد التوظيف تلاحقك النظرات دون أن تشعر أنك إرهابي ومجرم محتمل!
قال: ولكنهم يدعون الحرية الفردية والديمقراطية، فما ضرهم من لباس المسلم؟
قلت له: هب أنك صاحب شركة أو محل تجاري في تونس، وجاءتك فتاة تطلب العمل ولباسها عاري إلا مما يستر العورة المغلظة، أكنت تقبل بها موظفة عندك؟
ثم من أين لك بأن هيئتك هذه لباسا إسلاميا؟
لم يؤثر من سيرة الرسول، صلى الله عليه وسلم، أن أهل مكة أو المدينة ثاروا على لباسه أو لباس أصحابه، أو وجهوا لهم نقدا يتصل بلباسهم، والسبب أن المسلمين الأوائل ومعهم النبي لم يكن لهم لباس خاص يتميزون به، كانوا يلبسون ما يلبس الناس، وجاءت بعض التوجيهات تحسينية أحيانا ومرتبطة بأخلاق المسلم تارة أخرى، من ذلك أن الرجال كانوا يعفون لحاهم وشواربهم، ومعلوم أن شعر الشارب متصل بالفم موضع الكلام والطعام، وانغماس الشعر فيه مقزز، فجاء التوجيه النبوي: «قصوا الشوارب وأعفوا عن اللحى»، ومن ذلك أيضا أن الأشراف والسادة من العرب كانوا يبالغون في الخيلاء، ويرخون أزرهم، بل يتخذون عبيدا لرفع ما زاد منها على الأرض، فجاء تحذير النبي من الخيلاء والكبر الذي يرافق هذه الهيئة: « منْ جَرَّ ثَوبَه خيلاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّه إِلَيْهِ يَوْمَ القيامِةِ» رواه الترمذي وَقالَ: حديث حسن صحيح.
وشعرت بحزن شديد يملأ أقطار نفسي، إن هذا الشاب حرم نفسه من عمل شريف يكسب به قوته، بسبب فهم سقيم، فماذا لو سار على درب أسلافه من المسلمين وقد فتحوا الهند والسند بأخلاقهم الرفيعة وما حملوه معهم من قيم تسعد البشرية؟ ماذا لو دخل هذا الشاب لوظيفة معينة، وأثبت كفاءة في عملهم وإخلاصا في أداء واجبه، ومعاملة بالرحمة التي جاءت بها رسالة الإسلام للعالم: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}[الأنبياء/107]؟
إن رسالة الإسلام جاءت للعالمين، وجاءت بالرحمة وهي الرِّقَّةُ والتَّعَطُّفُ كما تقول معاجم اللّغة، وهي أمور عاطفيّة، فالمسلم رقيق الحاشية لا يشعر معه غيره بغير الود والأمان، وهو يحمل معه للعالم قيم يفتقدها، فالذي يفاصل بينه وبين غيره هي تلك القيم البانيّة التي تشيع النماء والخير، وتشع بالسماحة والود.
إننا نظلم عالمية رسالة الإسلام عندما نحاول حصرها فيما هو متصل بالزمان والمكان الذي وجدت فيه، ولو كان ذلك ضروريا لانتهت مع تلك الملابسات الزمانية والمكانية، لكنها رسالة تتجاوز بما تحمله من (رحمة) جزيرة العرب، وعادات أهلها من ملبس ومشرب، وتتجاوز القرن السابع الميلادي يوم ظهر صاحب الرسالة، صلى الله عليه وسلم.
إن فهم نصوص الدين ضمن سياقها ومقاصدها هو الذي يمدها بالديمومة والحياة، ويجعلها تنساق مع حكمة الخالق، عز وجل، الذي اقتضت حمته أن تكون رسالة الإسلام ممتدة في الزمان والمكان، وتتجاوز الأعراق والألوان…

عن المحرر

شاهد أيضاً

يسقط التراث… يحيا التراث

يكتبه د. محمّد قماري/ قبل قرابة مئة عام من الزمن أرسل الأمير شكيب أرسلان ذلك …