الرئيسية | قضايا و آراء | التضحيـــــة … قيمــــة ســـامــيـــة تكـــاد تنــحـســــر

التضحيـــــة … قيمــــة ســـامــيـــة تكـــاد تنــحـســــر

عادل بن جغلولي */

التضحية مصدر ضحَّى يقال: ضحَّى بنفسه أو بعمله أو بماله: بذله وتبرع به دون مقابل. … أما اصطلاحًا: فهي بذل النَّفس أو الوقت أو المال لأجل غاية أسمى، ولأجل هدف أرجى، مع احتساب الأجر والثواب على ذلك عند الله عزَّ وجلَّ، والمرادف لهذا المعنى: الفداء.
والتضحية قيمة اجتماعية راقية جدا إذ بدونها يهوي المجتمع إلى الأنانية المقيتة، وقد حث الإسلام على التضحية بل إن عماد الدعوة إلى الله ونشر الدين القويم إنما أساسه التضحية والفداء… ولما كانت للتضحية هذه المكانة الجليلة حث المولى تعالى المؤمنين عليها وجعل جزاءها النعيم المقيم:{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}[آل عمران:169/170]…
ويصف الرسول الكريم الفدى بخير المعاش: «من خير معاش النَّاس لهم، رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه، كلما سمع هَيْعَةً، أو فزعة طار عليه، يبتغي القتل والموت مظانَّه» رواه مسلم.
– وحث على الانفاق بالمال وكبح البخل وضبط النفس وهو في باب التضحية أيضا فقال: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفو إلَّا عزًّا وما تواضع أحد لله إلَّا رفعه الله» رواه مسلم.
ومن يطالع سير الصحابة ومن تبعهم ويعش مع قصص تضحياتهم ير عجبا لما وصلوا إليه من البذل والفداء والإقدام والعطاء، وليس المقام ذكر سيرهم الفواحة فقد ألف علماؤنا الأجلاء مجلدات في ذكر تلك القصص العبقة، ولولا تضحياتهم بأغلى ما يملكون لكنا إما عبادا للشمس أو للقمر أو للتيوس والوثن، أو كنا من معتنقي عقيدة التثليث كأحسن حال!!…فارجع إن شئت إلى سيرة الفاتح العظيم عقبة ابن نافع ترى كيف يطأ بقدم فرسه المحيط الأطلسي وهو يقول:يا رب لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهدا في سبيلك انشر دينك المبين رافعا راية الإسلام فوق كل مكان حصين .. بالله عليك أي مستوى من التضحية نال شرفه هؤلاء الرجال وأي صدق لامسوا سنامه حتى مكن الله لهم مشارق الأرض ومغاربها… وارجع البصر مرة أخرى إلى تضحيات الأمير وبوعمامة وكل ما قام به وما قدمه هذا الشعب العظيم من أجل انتزاع الحرية والانعتاق من قبضة الإستدمار اللعين ولولا تلك البطولات أيضا لكنا لا نزال تحت رحمة الكولون أو سطوة الشامبيط… ورحم الله شوقي إذ يقول: ولِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ… بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ.
إن للتضحية والفدى قيمة عظيمه في المجتمع وركيزة أساسية متينة فيه، ومن باب شعورنا بتلاشي هذه القيمة الاجتماعية السامية بيننا تطرقنا إلى هذا الموضوع الحساس والمهم، فبمقارنة واقعنا بما سلف من الآباء نرى البون الشاسع والساحق أحيانا، فصرنا أحرص ما يكون بل تجدنا نضحي ونبذل الغالي النفيس من أجل البطون و-البيطون – أما ما تعلق بالبناء العقائدي أو التربوي أو الأخلاقي فنحن عنه معرضون إلا ما ندر إذا قيس بما يبذله ذلك الأب أو تلك الأم من أجل حياة مادية أفضل…
لا ننكر أن هناك نوعا من التضحية بيننا كأفراد ومجتمع لكنها لم تصل إلى الحد المأمول، فاختفاء بعض المظاهر التكافلية التعاضدية التى كانت بيننا إنما هو مؤشر لحجم المشكلة، فغياب التويزة أو الوزيعة أو غيرها من تلك السلوكيات الاجتماعية النبيلة ما هو إلا نذير خطير لانحدار مجتمعاتنا من المثالية المرجوة إلى الأنانية الضيقة…
أخيرا فإن موضوع التضحية والفدى واسع وفسيح له جوانب عدة لا يمكن حصرها في مقال عابر فهي تحتاج بلا شك إلى مؤلفات ومجلدات وإنما حسبنا أننا أشرنا إليها إشارات طفيفة ليس إلا من باب التنبيه والحذر…
وخلاصة القول فإن التضحية مقرونة دائما بالعمل فكلما كان مؤشر التضحية والفداء عاليا كان العمل والجد ملازما لهما، {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ..}[التوبة:105].
عضو بـ ج ع م ج شعبة ولاية المسيلة مكلف بالإعلام

عن المحرر

شاهد أيضاً

إن لم نتجدد نتبدد…

مداني حديبي/ زيارة المكتبات ومتابعة جديدها بين الفينة والأخرى تمنحك التطوير والتجديد في كتاباتك ومحاضراتك …