الرئيسية | بورتريه | الأستاذ الدكتور عمار طالبي والجيل الذهبي المتميز في تاريخ الجزائر المعاصرة

الأستاذ الدكتور عمار طالبي والجيل الذهبي المتميز في تاريخ الجزائر المعاصرة

الأستاذ الدكتور عمار طالبي شخصية متميزة من الجيل الذهبي المتميز الذي شكل جسر العبور من العهد الاستعماري البغيض إلى عهد الاستقلال وبناء الدولة الوطنية الجديدة، التي وإن لم تحقق الكثير من آمال الثورة الجزائرية العظيمة في دولة جمهورية ديمقراطية شعبية أو اجتماعية، تتكافئ فيها فرص العيش الكريم والمنافسة الشريفة من أجل الخدمة الأكثر فائدة ونفعا للمجتمع، كما رجونها أن تكون، إلا أنها مع ذلك حققت أمورا مهمة بفضل الخيرين والرساليين من هذا الجيال الذهبي.

 

د. الطيب برغوث /

ومن مواطن القوة والتميز والتأثير المهمة في حياة الأستاذ الدكتور عمار طالبي، وفي أمثاله من هذا الجيل الذهبي، استعصاؤه على كل أشكال الاستلابات الحداثية المتنوعة يسارية أو يمينية أو تلفيقية، بالرغم من أنه عاش في أشد فترات هذا المد الاستلابي قوة وتأثيرا، ودرس في أكثر فروع المعرفة انفتاحا على هذه المؤثرات الحداثية العاصفة وهو فرع الفلسفة. ومع كل ذلك فإنه ظل متوازنا فكريا وسلوكيا، وأخذ ما في هذه المعرفة الحداثية من رشد وخيرية وبركة، ولفظ ما فيها من شذوذ وانحراف وفساد. وهذا ليس سهلا، بل فيه توفيق كبير من الله تعالى، وجهد معتبر من الآستاذ الدكتور طالبي.
ومن مواطن القوة والتميز والتأثير المهمة في حياة الأستاذ الدكتور عمار طالبي كذلك، استعصاؤه على الاستلابية التراثية بكافة أشكالها، فلم تستوعبه العلاقة الحرفية ولا العلاقة التلفيقية بالخبرة التراثية للأمة، بل أمسك بعروة الوسطية الوثقى، واستفاد مما في المنظومة التراثية الهائلة للأمة، من رشد وخيرية وبركة ورحمة، وروح سننية عابرة للبيئات والأزمان، ونجا من مهلكة التورط في الحرفية والتجزيئية والتنافرية المنهكة، فكان مثقفا ومفكرا أصيلا ومعاصرا بحق.
ومن مواطن القوة والتميز والتأثير في حياة الأستاذ الدكتور عمار طالبي أيضا، مساهمته الجادة في بناء ودعم خط الأصالية المتميزة في المنظومة المعرفية والتربوية والثقافية الجزائرية خاصة، بما كان ينشره من مقالات ودراسات أصيلة، وما كان يؤلفه ويحققه من كتب نفيسة، كرائعته مجموعة «أثار الإمام عبد الحميد بن باديس»، وآراء ابن العربي الكلامية، وتحقيق ونشر كتاب العواصم من القواصم، وتحقيق ونشر تفسير الجواهر الحسان للثعالبي، واختصاره لتفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، الذي ينشر إلى اليوم في سلسلة حلقات في أسبوعية البصائر.
ومن مواطن القوة والتميز والتأثير في حياته كذلك، مساهمته في تأسيس جمعية القيم بعد الاستقلال، ومواجهة التيارات المستلبة في الجامعة والساحة الثقافية عامة، وفي تأسيس وإدارة أول معهد لأصول الدين في جامعة الجزائر، وفي إدارة أول جامعة للعلوم الإسلامية بالجزائر {جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة}، التي تخرجت منها أولى الدفعات الذهبية التي كان وما يزال لها إسهام كبير في الساحة المعرفية والثقافية والتربوية في الجزائر وخارجها، وفي المساهمة الجادة في إعادة بعث جمعية العلماء المسلمين مجددا، حيث يعد من أقطابها الكبار، والناشطين الفاعلين فيها رغم تقدم سنه.
ومن مواطن القوة والتميز والتأثير في حياته أيضا، ارتباطه المبكر بالمفكر الكبير مالك بن نبي رحمه الله تعالى، حيث يعد من أوائل تلامذته، ومن الذين ارتبطوا به وبحلقاته الفكرية وبتراثه المعرفي، منذ أن كان طالبا في القاهرة، وكان مالك بن نبي لاجئا هناك منذ عام 1956، واستفاد منه ومن منهجه التحليلي النقدي المتوازن كثيرا، كما استفاد من رساليته ونظافته المتميزة، ووطنيته الصميمة الخالصة.
ومن مواطن القوة والتميز والتأثير في حياته كذلك، أنه كان عالما ومفكرا رساليا، تجاوز الأكاديمية البحتة إلى الحركية أو الإصلاحية الاجتماعية، وهو ما يعرف في ثقافتنا الإسلامية بالعالم العامل، وقد مرت نماذج عديدة من صور رساليته، ومنها أيضا مواكبته للصحوة الفكرية والروحية والثقافية والاجتماعية التي شهدتها الجزائر بعيد الاستقلال، وكان من رموزها ووجهائها.
وأذكر هنا أنه بعد التجمع التاريخي لمسجد الجامعة المركزية بالعاصمة سنة 1982، وكنت أحضر رسالة الماجستير في معهد أصول الدين بالجامعة المركزية، تحت إشرافه، وكانت الاعتقالات على أشدها في صفوف بعض وجهاء الصحوة عقب التجمع، وكان من الذين وردت أسماؤهم في بعض الاستجوابات لبعض المعتقلين، اسم الدكتور طالبي، في إطار التخمينات والافتراضات المجانية لبعض الجهات المتحسسة من الصحوة أو المناهضة لها، من أنه يعتبر زعيما ومرشدا للصحوة بعد مالك بن نبي، الذي رسم قبل وفاته خطة استراتيجية للصحوة! تولى فيها د.م.ب تأطير الساحة الجامعية وبسط نفوذ الصحوة فيها، وتولى د.ع.ب اختراق وتأطير الساحة الصوفية وبسط نفوذ الصحوة فيها، وتولى ع. ح تأطير الساحة الإدارية وبسط نفوذ الصحوة فيها، وتولى ر.ب تأطير العلاقات الخارجية للصحوة، وتولى الدكتور عمار طالبي مهمة المنسق أو الموجه العام للصحوة! فأخبرته بذلك وكنت أنتظر أنه سيرتبك أو ينهرني عن الكلام في ذلك، فلم ألحظ عليه أي رد فعل قلق، بل استقبل كلامي بالابتسامة، وقال لي بالعامية الجزائرية: « خليهم إزيدونا في لقردات»! أي دعوهم يمنحوننا المزيد من النياشين!
ومن مقولاته المهمة في الظاهرة الاستعمارية أو الاستلابية عامة، إضافته مرحلة ثانية أعمق من مرحلة القابلية للاستعمار التي أطلقها مالك بن نبي من قبل، في سياق بناء منهجه النقدي في تحليل الظاهرة الاستعمارية أو ظواهر الضعف المجتمعي عامة، مرحلة المسكونية، وهي أعمق وأخطر من مرحلة القابلية للاستعمار، لأنها مرحلة يستمرئ فيها بعض الناس أو المجتمعات الاستعمار ويستسيغونه ويعتزون به، ويصبحون مسكونين به، يشكل جزءا مهما من هويتهم ونفسيتهم وشخصيتهم!
وقد أضاف بعده العلامة مولود قاسم مقولة ثالثة وهي المركوبية التي تشكل أعلى مراحل الاستعمار والفناء الحضاري بالنسبة للفرد أو المجتمع، حيث تفضي المسكونية مع مرور الوقت، وزيادة تراكم مؤثراتها السلبية ومضاعفة أوزارها، إلى حالة من البلادة الفكرية والنفسية والروحية والهوياتية، تجعل الفرد والمجتمع يستلذان ويستعذبان المهانة التي يسلطها عليهم المستعمر أو المستضعِف لهما!
وقد أخذت هذه المقولات الثلاثة المهمة، وشكلت منها نظرية كلية في مراحل تطور وضعف وتخلف واستلاب المجتمعات وذهاب ريحها الحضارية، وهي مرحلة القابلية للاستعمار، ومرحلة المسكونية، ومرحلة المركوبية! وهي نظرية متكاملة تتيح لنا تحليل وتفسير وفهم الكثير من الظواهر الاستضعافية الاستلابية الغريبة والشاذة في حياة الأفراد ومسيرة المجتمعات.
والخلاصة هي أن الأستاذ الدكتور عمار طالبي شخصية متميزة من شخصيات الجيل الذهبي في الجزائر وفي العالم العربي والإسلامي عامة، فإشعاعه وصيته وسمعته العلمية والفكرية تجاوزت الحدود الوطنية إلى الآفاق العربية والإسلامية الواسعة، بالرغم من انغلاق وسائل الإعلام في وجهه ووجه أمثاله من الرساليين المتوازنين في فكرهم وعملهم وعلاقاتهم.

عن المحرر