الرئيسية | حوار | نحو رؤى جديدة فاعلة للمؤسسات الدينية / • المؤسسات الدينية من المفهوم التقليدي إلى مُولّد اجتماعي وظيفي. • عدم التحكم بالتكنولوجيات الحديثة أهم ما يعرقل المؤسسة الدينية.

نحو رؤى جديدة فاعلة للمؤسسات الدينية / • المؤسسات الدينية من المفهوم التقليدي إلى مُولّد اجتماعي وظيفي. • عدم التحكم بالتكنولوجيات الحديثة أهم ما يعرقل المؤسسة الدينية.

تحدث الدكتور محمد بغداد في حوار له مع جريدة البصائر الجزائرية، تزامنا مع صدور كتابه الجديد الذي يحمل عنوان: «المؤسسة الدينية وإدارة الأزمات – جائحة كورونا أنموذجا»، عن الأدوار الوظيفية للمؤسسة الدينية إبّان الأزمة، ومدى فاعليتها في مسايرة المستجدات التي فرضتها الجائحة، ودور هذه المؤسسة في ترسيخ الوعي الجمعي خاصة لما تحظى به من قبول في طبيعة الوعي العميق للأفراد، وهذا بعد خروجها من مفهومها التقليدي والولوج إلى التفكير في حاضر الأمة، لتكون مولدا اجتماعيا وظيفيا، ميدانيا وعمليا، وتطرق الباحث في ذات السياق إلى نقاط أخرى مهمة حول هذه المؤسسة وما أسفرت عنه جائحة كورونا من تحولات في المفاهيم والمهام.

حاورته : فاطمــة طاهـــي /

 

• حدثنا دكتور عن فاعلية المؤسسة الدينية إبان الأزمة الصحية، ودورها في المساعدة على تخطي الظروف التي فرضتها جائحة كورونا؟
-بداية يفترض ونحن في هذا العصر، أن ننظر إلى المؤسسة مهما كان مجال عملها إلى كونها إرادة وتصورا ووظيفة، بعيدا عن المفاهيم التقليدية المادية، ومن هنا فإن دراستي تتناول المستوى الوظيفي للمؤسسة الدينية بعيدا عن التصنيف الإداري أو الهيكلي أو التنظيمي الموروث، وإنما يفترض أن تساير المؤسسة الدينية منطق العصر وتتكيف مع تعقيداته، وقد تناولتها في دراستي الموسوم بـ (المؤسسة الدينية وإدارة الأزمات – جائجة كورونا أنموذجا) جزءا هاما من هذا الجانب باعتبارها إرادة وظيفية هدفها القيام بالواجب المنتظر منها وتقديم الخدمات المنوطة بها والمساهمة مع بقية المؤسسات الأخرى في إزالة العقبات التي تعترض المجتمع.


ومن المشكلات المستجدة موضوع الوباء (كوفيد 19) الذي فرض على هذه المؤسسة ضرورة التفاعل مع منهجية الدولة الجزائرية التي مكنت هذه المؤسسة من فرصة تاريخية استثنائية، عندما اشركتها مع اللجنة الوطنية لمتابعة ورصد (كوفيد 19) ومنحتها فرصة القيام بمهمة تخفيف ثقل هذه الأزمة الطارئة على المجتمع، وتقديم الخدمات المناسبة التي تقلل من تكلفة هذه الأزمة.
وهذه الخطوة من الدولة الجزائرية هي بمثابة الفرصة الذهبية التي يمكن استثمارها من طرف المؤسسة الدينية باعتبارها (مجموع إرادة الهياكل والتنظيمات والتيارات والقوى والشخصيات ..) المنتجة للخطاب الديني، من أجل المسارعة إلى التكيف مع العصر وامتلاك المهارات والقدرات المحترفة التي تجعلها قادرة على إنتاج نموذج اجتماعي يحوز جاذبية الاقتداء ويجلب الثقة فيه بحيث يلجأ إليها المجتمع في مختلف الأزمات.
• أصدرت وزارة الشؤون الدينية فتاوى تزامنت مع الظروف الصحية ورافقت مستجدات الأزمة، حدثنا عن هذه النقطة دكتور؟؟
– إن اللجنة الوزارية للفتوى خطوة مهمة، يمكن أن تكون بداية لعمل مثمر وفعال دون التوقف عنده والبقاء في حدوده، فالدولة عملت على توفير المناسبة السانحة للمؤسسة الدينية على استعادة المبادرة وهي في أمس الحاجة اليوم إلى الانتقال إلى تفعيل ما جاء في برنامج الحكومة والتفاعل معه، من ضرورة تفعيل الشبكة الوطنية للمؤسسات والهياكل الدينية، زيادة على المساعي التي تجرى على مستوى مستشارية الجمعيات الدينية في رئاسة الجمهورية، وهو ما يفرض اليوم إيجاد الإطار المناسب والكفيل بالشروع في نقاش وطني واسع وثري حول المؤسسة الدينية ودورها في المجتمع عبر مشروع واضح المعالم ومستكمل الآليات، ومستجمع الخطوات حتى يمكن الاستفادة من قدرات وإمكانيات المؤسسة الدينية (بمفهومها الشامل والمتكامل)، وبالذات عندما نتمكن من جعلها تنخرط في الشأن العام وتتولى الاشتغال على هموم الناس والسعى إلى خدمتهم في انتظار التفاعل المنتظر من المكونات الأساسية للمؤسسة الدينية وهو الامتحان الذي ينتظرهم في أقرب فرصة، وبالذات قبل زوال وباء كورونا.
• وما هي أهم المحطات أو النقاط التي تطرقتم لها في دراستكم «المؤسسة الدينية وإدارة الأزمات – جائحة كورونا أنموذجا»؟
– الدراسة التي انجزتها (المؤسسة الدينية وإدارة الأزمات – جائحة كورونا أنموذجا) أردتها أن تكون أرضية نقاش وطني تشارك فيها النخب بمختلف توجهاتها حتى نؤسس لمرحلة تكون هناك هندسة حقيقية تتحرك فيها المؤسسة الدينية (بمفهومها الجديد وليس التقليدي) مع بقية مؤسسات المجتمع، على أساس أن خدماتها ووظائفها موجهة للمجتمع ومن أجله، من هنا فإن رغبتي أن نتجه في البحوث الأكاديمية والدراسات العلمية نحو تناول الاشكاليات القائمة والملحة ونتجنب المسارات السلبية.
ولهذا اتجه جهدي نحو مساءلة ثلاث مستويات في موضوع (المؤسسة الدينية وإدارة الأزمة) كون المستوى المهم يتمثل في كيفية الخروج من المفهوم التقليدي للمؤسسة الدينية والوصول بها إلى مؤسسة اجتماعية ذات طابع وظيفي خدماتي يعمل مع بقية المؤسسات الأخرى لتوفير خدمة اجتماعية يكون المجتمع في أمس الحاجة إليها وتوفرها في الوقت المناسبة بدون تكاليف عالية.
ويكون بعدها المستوى السلوكي الذي يجعلنا نستفيد من الطاقة الاجتماعية ورؤية الناس وانطباعاتهم وتعبيراتهم، التي تساعد كثيرا إذا تم استثمارها في تعديل الكثير من السلوكات في نطاق عمل المؤسسة الدينية، ومن النماذج التي يمكن استثمارها تلك المقارنة العلمية في الكثير من المستويات والتي يمكن أن تكون مفيدة بين لجنة متابعة ورصد وباء (كوفيد 19) وبين اللجنة الوزارية للفتوى، مما يساهم في قراءة مغايرة لمفهوم سلوك المؤسسة الدينية أثناء عملها اليومي، ليأتي المستوى الثالث الذي يعمل على تناول طبيعة تفكير المؤسسة الدينية الذي يشتغل على الأزمة (مهما كان نوعها) باعتبارها (نازلة) تحتاج إلى التكيف معها والتعامل الايجابي مع مستجداتها، ونحن نملك تراثا فقهيا محليا مهما، كون الجزائر كانت محطة لأحد أهم الحواضر الفقيهة لنوع من التفكير الفقهي وهو (فقه النوازل) الذي تحتاج المؤسسة الدينية اليوم إلى الاستثمار فيه وفق الآليات والأنماط الحديثة من أجل تجنب الإكراهات التي تفرضها الأزمات.
• اليوم وفي ظل الأزمة أو بعد الخروج منها بحول الله، هل ترى وجوب اطلاق حملات تكوينية وتدريبية لتأهيل كوادر تمكنهم من ازدواجية المهام والقدرة على الاستعداد التام لمواجهة الأزمات؟
– التحولات التي تخلفها الأزمات وتغير الأزمنة تحتاج إلى قوة نفسية وطاقة إبداعية كبيرة تعمل النخب على بثها في المجتمعات من خلال سلوكاتها وجهودها وطبيعة الحياة تفرض الاستمرار عبر التكيف الذكي والمرن وغير المكلف.
والمؤسسة الدينية للأسف تعرضت لأكبر أزمة في تاريخها، عندما اقتنعت النخب (توهما) أن باب الاجتهاد قد أغلق وأن الاتباع خير من الاجتهاد، مما نقل هذه المؤسسة إلى هامش الحياة والابتعاد عن الهموم اليومية للناس، ومن حسنات أزمة وباء (كوفيد 19) أنها سمحت بالانتباه إلى ضرورة الذهاب سريعا نحو رؤية كونية جديدة للمؤسسة الدينية، على مستوى المفهوم والوظيفة والاشتغال، والأكثر من ذلك هو المسارعة إلى تجاوز العقبات والمنغصات التي صنعتها الكثير من الجهات والشخصيات في وجه المؤسسة الدينية، وحرمتها من امتلاك القدرات والطاقات الجديدة التي يمكن أن تكون رافدا مهما لاستعادة دورها الخدماتي في المجتمع، لأن الكثير من الفاعلين قد شوهوا صورة المؤسسة الدينية إما بجهل أو حسن نية وقلة مهارة وذكاء، وإما بتهور وتسرع.
• وهل يمكن أن نقول أن هذه الأزمة هي فرصة أيضا لتعيين لجان إدارية دائمة تُعنى بإدارة الأزمات على مستوى المؤسسة الدينية؟
– من طبيعة الأزمات في الدنيا، أنها تخلف أوضاعا مغايرة عن تلك التي تسبقها وبالذات الأوضاع النفسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها مما يحتم على المؤسسة الدينية أن تكون مالكة لتلك الاستعدادات المناسبة للتعامل مع الأزمة باعتبارها (فرصة سانحة) لإعادة النظر في طبيعة تفكيرها وأساليب عملها ونظرتها للواقع.
وتبقى المشكلة الأساسية، تتمثل في كيفية النظر إلى جائحة (كوفيد 19) في سياق الأزمات التي ظهرت في العصر الحديث والمتوقع أن تكون هناك أزمات أكثر تعقيدا وأكثر خطورة في المستقبل. فإذا تمكنت المؤسسة الدينية من تجاوز مشكلاتها الداخلية وإصلاح منظومتها الهيكلية واسترجاع قدراتها التفاعلية وامتلكت المهارات المناسبة، يمكن بعدها الانتقال إلى مرحلة التكيف مع الاشتراطات والاكراهات الحالية التي فرضتها التكنلوجيات الحياتية على المجتمعات البشرية.
ومما يلفت الانتباه أثناء المتابعة اليومية لسلوك المؤسسة الدينية في (كوفيد 19) والتي رصدتها دراستي، أن التكيف مع التكنلوجيات الاتصالية الحديثة أهم ما يعرقل عمل المؤسسة الدينية والتي تحتاج إلى الكثير من الجهود والتضحيات حتى تمتلك المهارات المناسبة للتعامل مع هذه التطورات وتنسجم معها، وهو ما يفرض عليها القيام بالكثير من الجهود والتضحيات والعمل الشاق لإنتاج خطاب يرتكز على آليات (لجان – هياكل – تنظيمات – فضاءات …..) تكون قادرة على القيام بواجبها وتنجح في تجسيد خدمات المؤسسة الدينية في أرض الواقع وتحول منتوجاتها إلى قيم استهلاكية لجميع شرائح المجتمع بأيسر السبل وبأقل تكلفة.
• كذلك دكتور جائحة كورونا هل هي اليوم فرصة لتقديم اجتهادات حقيقية في الفقه الإسلامي؟
– من طبيعة الفقه الإسلامي ومميزاته الأساسية، أنه بذل الوسع في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، وهذا المستوى من التفكير العلمي المنضبط والجهد البشري يمكن العقل الفقه الإسلامي من السعي نحو العمل الجاد والمفيد، الذي اعتقد أن جائحة كورونا جاءته على غير موعد ومنحته المناسبة التي يتجاوز بعد الصعوبات التي اعترضته في عصور التخلف السالفة، خاصة وأن هناك طاقة مهمة متوفرة اليوم، تمثلت في ذلك النقاش الذي انتجه المجتمع عبر تكنولوجيات التواصل الاجتماعي وبالذات من الأجيال الجديدة المتسلحة بالطموح والرغبة في العيش السليم، كونه الطاقة الاضافية التي يمكن أن تفتح المجال للحصول على درجات متقدمة من التفكير المسؤول والسعى الجاد الذي ينتظر أن تقوم به المؤسسة الدينية للوصول إلى مرحلة يمكن فيها إنتاج مادة فقهية متناسبة مع العصر ومتكيفة مع الواقع خاصة ونحن بلد عرف عبر التاريخ بالمساهمة الجادة والفعالة في تاريخ الابداع الفقهي الإسلامي.

عن المحرر

شاهد أيضاً

أحمد الشمري مدير مشروع صناعة القراء العالمي في حوار للبصائر

إن المناخ الفكري والنفسي الذي نحيط به الأبناء والبنات، هو الذي يؤثر سلبا أو إيجابا …