الرئيسية | روبورتاج | الجريمـــــة .. مســـؤولــيـــة مـــن ؟

الجريمـــــة .. مســـؤولــيـــة مـــن ؟

تشهد مختلف المجتمعات ارتفاعا وتزايدا في ارتكاب الجرائم الاجتماعية، والجزائر هي الأخرى عاشت في الآونة الأخيرة جرائم متتالية، أدت إلى تساؤلات عدة تُطرح لتُحلًل الظاهرة شرعيا، قانونيا، اجتماعيا، نفسيا وحتى اقتصاديا، حول أسباب ارتفاع حصيلة الجرائم المرتكبة، وأخرى عن دوافع ارتكابها، فهل السبب يكمن في الفقر والبطالة وعدم توفير فرص العمل؟، أم لضعف الوازع الديني؟ أم السبب يعود إلى محدودية تنفيذ القوانين؟، أم المسؤولية تتحملها الأسرة باعتبارها الأكثر تأثرا وتأثيرا في تنشئة أبنائها؟ وما هو الدور الذي ينبغي أن يقوم به المجتمع المدني لمكافحة الجريمة؟.\

 

إعــداد : فاطمــة طاهـــي /

 

الدكتور رشيد بوبكري: الفراغ الروحي سبب رئيسي في ارتكاب الجريمة


ذكر الدكتور رشيد بوبكري، مدرب التنمية البشرية والتطوير الذاتي، أن السبب الرئيسي في تفاقم ظاهرة الجرائم خاصة في الآونة الأخيرة هو الفراغ الروحي في التربية الأسرية، السبب الذي جعل الشباب يلجؤون الى تعمير ذلك الفراغ الروحي بالمهلوسات والمخدرات، فيصدر منهم سلوكيات لا يعون عواقبها، داعيا في هذا الصدد الى ضرورة التركيز على التربية السلوكية القائمة على القيم وإعادة النظر في تربية الأبناء والمناهج التعليمية وكذا البرامج الإعلامية، كما شدد على ضرورة وعى الأولياء في تربية أبنائهم وفق تربية سليمة صحيحة، قائلا: «الطفل المتشبع روحيا يعي جديدا كيفية التعامل مع المجتمع».
كما ذكر الدكتور رشيد بوبكري، أن أغلب البرامج الاعلامية وما تتداوله مواقع التواصل الاجتماعي منافية للأخلاق الفاضلة والسلوك المجتمعي السليم، وحسبه حتى البرامج التعليمية والتربوية لا تعطي التربية التواصلية، حول كيفية التفاهم والتوافق مع الاخر واجتناب النزاعات وحل المشكلات بطريقة حوارية، حيث كل هذه النقاط غائبة في قاموس التربية التعليمية والأسرية، مشيرا في حديثه أن الطفل عندما يتربى في جو النزاعات بين الوالدين أو بين الاخوة يجعله لا يتحمل الانتقاد ولا المخالفة بالرأي، مما يدعو إلى تصرفات لا أخلاقية وسلوكيات وأخطاء اجتماعية تصل الى القتل لأسباب تافهة.
وتطرق الدكتور رشيد بوبكري للحديث عن ثقافة التبليغ، مشيرا أن هذه الأخيرة هي الكفيل بالتقليل من كل هذه الاعتداءات والجرائم، داعيا إلى تنظيم جمعيات أو لجان على مستوى الأحياء من أجل الحماية والحوار والتشاور وفك النزاعات بين أبناء الحي، وتوجيه سلوكيات الشباب، ويضيف أنه لابد على المجتمع الجزائري أن يتعاون مع الجهات الأمنية ومع مصالح البلدية ومختلف الجمعيات من أجل تعزيز حماية المجتمع، مضيفا أن مكافحة الجريمة هي قضية مجتمعية مشتركة.
الأستاذ طارق مراح: تحسين ظروف العيش للجزائريين هو السبيل الوحيد للقضاء على الجريمة


أشار المحامي طارق مراح، إلى أن ظاهرة الفقر وقلة فرص العمل التي يعاني منها الجزائريون أهم أسباب ارتفاع ظاهرة الاجرام في الجزائر، مشيرا إلى أن ذلك يعود إلى فترة الحجر الصحي الذي فرضته جائحة كورونا، والذي أثر على أرزاق الشعب وعطل مهنهم بعدغلق المشاريع مع توقف عجلة التنمية، حيث هذا الأمر الذي يعد سببا رئيسيا في تفاقم ظاهرة الإجرام المجتمعي، خاصة الإجرام المتعلق بالسطو والسرقة.
كما يضيف الأستاذ طارق مراح، أن السبيل الوحيد للحد من انتشار ارتكاب الجرائم هو تحسين ظروف العمل، وتوفير مناصب العمل للشباب، والالتفاتة إليهم لتحسين حياتهم اليومية، وأشار الى أن الجزائر تعتبر من الدول الأولى في العالم من حيث الترتيب فيما يخص صعوبة العيش، مضيفا أن تحسين الأوضاع للمجتمع الجزائري سيكون محفزا للتقليل من هذه الظاهرة، مضيفا أنه لابد على الحكومة الجزائرية التوجه الى خطة لتحقيق التنمية الشاملة ولتحسين ظروف العيش في الجزائر، تُخرج الشباب الجزائري من بيئتهم الاقتصادية المعطلة التي يعانون منها لسنوات طويلة.
كما يضيف المحامي طارق مراح، أن تنفيذ أحكام الإعدام لازالت سائرة في القانون الجزائري، حيث الكثير من الجرائم يعاقب بعقوبة الاعدام، كما ينطق القضاء بهذا الحكم، لكن تنفيذه لا يزال مجمدا، مشيرا إلى أن رئيس الجمهورية هو الوحيد المخول برفع هذا التجميد على حتى تصبح قوانين الاعدام نافذة.
في نفس السياق، يضيف أن تطبيق قانون الاعدام ليس الحل في مكافحة جريمة القتل، مستدلا بالولايات المتحدة الأمريكية التي تنفذ عقوبة الاعدام في جرائم القتل، لكن هذا لم يحد من انتشار الظاهرة، بل تعرف الولايات المتحدة الأمريكية أرقاما رهيبة جدا في جرائم القتل، من جهة أخرى دعا المحامي الى ضرورة تنفيذ أحكام الإعدام في جريمة الاعتداء الجنسي بالعنف على القصر، قائلا: أن القانون الجزائري لا يعطي حماية كافية للأطفال، ضحايا الاعتداء الجنسي بالعنف، مشيرا في هذا الصدد وأنه لابد من مراجعة القوانين مع تنفيذ احكام الاعدام على الذين ثبت ارتكابهم لهذا النوع من الجرائم.
الأستاذة هاجر دحماني: تبرير الجريمة أكثر من ارتكابها.


أرجعت الأخصائية الاجتماعية هاجر دحماني، أسباب انتشار ظاهرة ارتكاب الجريمة إلى التأثيرات النفسية والاجتماعية وكذا الاقتصادية خاصة في ظل الحجر الصحي، والذي تسبب في تراكمات نفسية ولّدت طاقة سلبية، هذه الأخيرة التي أدت إلى العنف الذي بدوه يُولد جرائم القتل، كما تحدثت عن ضعف الترسانة القانونية من حيث التنفيذ والردع، داعية في هذا الصدد إلى اعادة النظر في قانون العقوبات قائلة: «الردع ثم الردع ثم القصاص»، وحسبها لو طُبق القصاص فسيكون المجرم عبرة لمن يعتبر لقلت مثل هذه الجرائم.
كما حذرت الأستاذة هاجر دحماني في ذات السياق، من تبرير الجريمة، قائلة: «تبرير الجريمة أكثر من ارتكابها»، ومما يساهم أكثر في انتشار هذه الظاهرة حسب المتحدثة هو ضعف الوازع الديني والأخلاقي، كما أشارت إلى دراسات أثبتت أن البيئة الاجتماعية لها دور في انتشار الجريمة، باعتبار أن الجرائم منتشرة أكثر في الأحياء الشعبية والفوضوية مقارنة مع الأحياء الراقية، اضافة الى سوق المخدرات المفتوح لبيع الأدوية والمهلوسات التي تؤدي بالإنسان الى اللاوعي، هذا الأخير الذي يتحول الى عنف وجريمة.
الأستاذ بلال سويسي: عدم تطبيق الحدود الشرعية من أسباب ارتكاب الجريمة


أكد الأستاذ بلال سويسي، المتخصص في الشريعة الاسلامية، أن عدم تطبيق الحدود الشرعية ونقص الوازع الديني من الأسباب الرئيسية التي أدت الى تفاقم ظاهرة ارتكاب الجريمة، داعيا في هذا الصدد الى اعادة الاعتبار للتنشئة الصحيحة للأطفال، من خلال ترسيخ التربية الدينية القائمة على مكارم الأخلاق، كما أرجع سبب زيادة هذه الظاهرة الى بعض المشاكل الأسرية في المجتمع الجزائري، كالطلاق واليتم وانتشار مختلف الآفات الاجتماعية كالمخدرات وشرب الخرب والسرقة وغيرها.
كما تحدث الأستاذ بلال سويسي عن دور الأئمة داخل المسجد وخارجه، في النصح والارشاد والتذكير بحدود الله وذلك بالرجوع الى آياته، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، داعيا في هذا الصدد إلى الاهتمام أكثر بفئة الشباب من خلال تنظيم دورات تحسيسية، وممارسة الرياضة ومختلف الأنشطة الخيرية الثقافية، وهذا من خلال انخراطهم في جمعيات تملأ أوقات فراغهم، وفي هذا الصدد أشار أيضا الى دور الاعلام الريادي في مكافحة هذه الظاهرة من خلال اعادة النظر في برامجها وتخصيص برامج اعلامية توعوية وتحسيسية هادفة.
عبد الله يحياوي: المجتمع المدني ودوره في مكافحة الجريمة


ذكر عبد الله يحياوي، عضو مكتب الاتحاد العربي للتطوع، وأمين عام جمعية شباب متطوع مواطن، عن دور مساهمة وتفعيل المجتمع المدني في الحد من انتشار ظاهرة ارتكاب الجرائم ومختلف الظواهر والآفات المنتشرة في الوسط الجزائري، مشيرا الى البرامج والنشاطات الهادفة التي تحرص عليها الجمعية، ذات اليات تخدم المجتمع وتكافح مختلف الظواهر السلبية داخل المجتمع، اضافة إلى حملات تحسيسية وتوعوية ودورات تدريبية لترسيخ الوعي المجتمعي وتوجيه سلوك الشباب، مضيفا في هذا الصدد أن الجمعية تخصص جوائز عربية ودولية لدعم الشباب من جهة والقضاء على الآفات الاجتماعية من جهة أخرى، اضافة الى دعوة الشباب وحثهم على العمل الخيري والانساني، كتخصيص جائزة الاتحاد العربي للتطوع للشباب المتميز، في نفس السياق أضاف الشاب الجزائري عبد الله يحياوي، أن المجتمع المدني يلعب دورا محوريا في مكافحة الآفات الاجتماعية، باعتباره الفئة المجتمعية المسؤولة عن تغير سلوكيات المجتمع، والأكثر احتكاكا بالواقع.
الأستاذة ليلى شيباني: الغزو الثقافي من أسباب ارتكاب الجريمة


تحدثت الأستاذة والأخصائية النفسانية، ليلى شيباني، عن الغزو الثقافي والتغير الاجتماعي وكذا ظهور تكنولوجيا المعلومات والاتصال، أدى إلى التغير في الأدوار الأسرية، مما تسبب في ارتفاع حصيلة الجرائم في المجتمع الجزائري، مشيرة إلى الجوانب النفسية للمجرم وعن طبائع النفس البشرية كحالة عدم التوافق الاجتماعي أو ما يسمى بحالة عدم السواء، كما أشارت الأستاذة ليلى شيباني، إلى أن السلوك الإجرامي هو نتيجة لتفاعل بين نفسية الإنسان كعامل داخلي وبين الظروف التي يعيشها في العالم الخارجي.
وأضافت المتحدثة، أن بعض الأزمات النفسية التي يعاني منها بعض الأشخاص خطيرة ولا يمكن التخلص منها إلا بالإقدام على الجريمة، والتي سرعان ما تجعله قادرا على ارتكابها، مضيفة أن هذه الخصائص النفسية هي المحرك الأساسي للشخصية الإجرامية التي تعيش حالة من فقدان التوازن النفسي وكذا صراعات داخلية تدفع هذه الشخصية إلى الانفجار والتعبير باستعمال العنف.
وذكرت أيضا الأخصائية النفسانية، أن عدم قدرة الشخص على التكيف مع الجماعة من الأسباب التي تجعل الفرد لا يتربى على معاني التآزر والتضامن، هذه الأخيرة التي تمده بأسباب التكيف الاجتماعي، وحسب المتحدثة أن التفكك الأسري يأتي في مقدمة الأسباب الدافعة للجريمة، كما أضافت أنه خلال السنوات الأخيرة قد حدثت طفرة في معدلات الطلاق مما أدى إلى تزايد عدد الأبناء اللذين يولدون خارج الأسرة، وأن بعض هؤلاء الأطفال هم «مشاريع مجرمين»، حيث تسوقهم الظروف إلى عالم القتل والسرقات والاغتصاب، كما قد تتجه الفتيات إلى تكوين علاقات غير مشروعة وغيرها من الافات التي تعود بالسلب على الأسرة والمجتمع، ناهيك عن كثرة المشاكل الأسرية بين الزوجين في محيط الأبناء، وقد أشارت في هذا الصدد إلى أن قسوة الأب على الأم أمام أعين ومسمع الأبناء والاعتداء عليها بالضرب أو بالتجريح، يساعد على تولد اضطرابات نفسية لديهم قد تدفعهم إلى ارتكاب الجرائم بأنواعها.
وفي السياق نفسه، تضيف الأستاذة ليلى شيباني إلى أن عدم التمسك بالتعاليم الدينية السمحة وغياب الوازع الديني في ظل الانفتاح على العالم الغربي اضافة إلى دخول ثقافات مغايرة لثقافة المجتمع الجزائري الإسلامي عن طريق الغزو الثقافي وانتشار أفلام العنف والإجرام عبر مختلف وسائل تكنولوجيا المعلومات والاتصال ساهم في تفاقم الجرائم الاجتماعية.
كما دعت الأخصائية النفسانية ليلى شيباني، إلى تفعيل دور الأسرة باعتبارها النواة الأولى في التنشئة الاجتماعية والتربوية السوية، لإكساب أفرادها السلوك السوي والسليم، بإتباع الأساليب الواعية التي تتمثل في العدل والمساواة في التعامل مع الأبناء والمشاركة المعنوية معهم والتقليل من المشاحنات داخل البيئة الأسرية والاعتماد على غرس القيم والمبادئ والأخلاق في نفوس الأطفال منذ الصغر.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الـفـيضـــانـــات وســبــل الــوقـــايــــــــة مـن مخـــاطـــــرهــا / المواطن… الرهان الأول في المنظومة الوقائية

تزايدت وتيرة الظواهر المناخية بشكل واضح، وذلك بفعل التقلبات المناخية التي تُسجل مع نهاية فصل …