الرئيسية | مقاربات | القرآن، السنة، التراث: تقاطعات منهجية في الفهم والاستنباط 2

القرآن، السنة، التراث: تقاطعات منهجية في الفهم والاستنباط 2

د/خميس بن عاشور *
إنّ الحصانة الفكرية مطلوبة من جميع المسلمين ولا يشذ عن ذلك علماؤهم ودعاتهم ومثقفوهم، فقد نجد من هؤلاء من يعيد قراءة نصوص الوحي قراءة حداثية تأويلية تكون نتيجتها تعطيل مقاصدها وأحكامها سيما الصريحة منها وذلك من دون مراعاة ما يستوجبه الخطاب العربي والخطاب الإلهي من وجوب احترام قصد المتكلم من كلامه وعدم تحميل النص ما لا يتحمله ومن وجوب التفريق بين النص البشري غير المعصوم والنص الإلهي المعصوم الذي لا تنطبق عليه كل المعطيات والمنهجيات المتبعة في تحليل النصوص كالبنيوية وما بعدها والسيميائية وغيرها، مما أدى بالبعض إلى عدم الاعتراف بقاعدة: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب تأثرا ببعض الحداثيين القائلين بأن فهم النص مرتبط بزمان ومكان خاصين به فحسب، أو ما يعرف عندهم بتاريخانية النص، إضافة إلى عدم الاعتراف بخصوصية النص الإلهي من حيث النظم والتركيب والمضمون ولا سيما الإعجاز، مع العلم أن بعض هذه المناهج قد تجاوزها الكثيرون، فظهر مصطلح ما بعد الحداثة الذي يعلَّل ظهوره عند الغربيين بالهروب من ضعف أفق الحداثة، وضرورة نقدها عن طريق توسيع نطاقها لتشمل الدين فضلا عن اللاهوت والتقاليد الكاثوليكية، وأيضا ما بعد البنيوية حيث يحق لقارئ النص –أي نص بما فيه المقدس – في أن يولد ما شاء من المعاني الجديدة التي لا نهاية لها، وكمثال على ذلك ما جاء في مقالة لرولان بارت (1915م/1980م) بعنوان: [موت كاتب،1968م] التي أعلن فيها استقلالية النص وحصانته ضد أي تقييد له بمعايير معينة أو بحدود ما قصده الكاتب منه، فيصبح القارئ بهذا هو المنتج للنص ولمعان متجددة فيه، ويؤكد بارت في كتابه:[ متعة النص: 1975م] أنه في غياب الكاتب تصبح عملية إيجاد تأويلات للنص عملية عبثية لا نهاية لها، لكنها ممتعة، وتأتي المتعة من امتلاك النص لإمكانات اللعب بالمعاني، ولكن هذا لا يعني تخلياً فوضوياً عن كل القيود، وإنما يسمى ذلك تفكيكاً وهدماً منظمين لإنتاج معان أُخَر، وكأن القارئ يعيد كتابة النص، فيصبح منتجاً له وليس مستهلكاً، وهذا أساس المذهب التفكيكي الذي طوره جاك دريدا (1930م / 2004م)، وميشيل فوكو (1926م /1984 م) وجيل دولوز (1925م /1995 م) وغيرهم، وهو أساس: مابعد البنيوية، وبعبارة أخرى وفيما يتعلق بنا نحن المسلمين فهذا ما يمكننا تسميته بمنهج التلاعب بالنصوص الإلهية والخطاب الشرعي -والعياذ بالله – حيث لا فرق بين النص الأدبي والنص الإلهي ولا معنى للغة باعتبارها وسيلة التواصل الرئيسية ما دامت الظواهر التي هي أساس التخاطب لا معنى لها، وأن الحقائق تكمن فيما وراء ذلك يعرفها الخواص أو أهل الحقيقة في المصطلح الصوفي أو أهل الباطن من القرامطة القدامى والجدد.
لقد حذرت السنة النبوية في لفتة استشرافية صريحة من الوقوع في هذا الانزلاق المنهجي الخطير وسنمثل لذلك بحديث متفق على صحته: [لتتبعن سَنن من كان قبلكم] سواء من اليهود أو النصارى أو الفرس أو غيرهم، ففي الحديث إخبار وأمر كوني قد حصل ويحصل من غير شك، وأما الأمر الشرعي المستنبط من هذا الحديث فهو عدم اتباعهم ومخالفتهم فيما هو دين أو أخلاق مستمدة منه ومتبعة عندهم، والأمر أيضا بالتزام تعاليم وهدي القرآن والسنة، والمقصود من اتباع سَنَنهم اتباع مناهجم المنحرفة في التفكير وفي التدين أولا ثم في العادات والأخلاق وأساليب الحياة التي نتجت عن تلك المناهج المنحرفة، فقد ضلت اليهود بتحكيم شيوخهم ورؤسائهم فيما كان ينزل من الوحي على موسى عليه السلام وهو بين أظهرهم، وقراءة متمعنة في سفر الخروج تبين بجلاء أن الكلمة الأخيرة لم تكن للوحي بل لهؤلاء الشيوخ والرؤساء، وقد ضلت النصارى عندما تركوا الإنجيل و عكفوا على رسائل بولس وأعمال الرسل وتحاكموا إلى مجمعاتهم المسكونية المعصومة ورؤساء الكنائس.
ثم إن المسلمين ووفقا لهذا المسار السنني وقعوا بدورهم في هذا الداء العضال وصاروا فيما بعد القرون المفضلة شيعا وأحزابا ومذاهب وفرقا [وفق ما ذكره حديث الافتراق الصحيح بمجمل طرقه]، وعكفوا بدورهم على المتون والشروح والحواشي، حتى صار بعضهم يقشعر جلده من سماع مقولة: وجوب الرجوع إلى الكتاب والسنة الصحيحة كما أمر الله ورسوله، ولقد ساهم جزء من التراث التفسيري الموجه لنصوص الوحي الإلهي في تحريفها عن مقاصدها الأصلية وبالتالي وضعها في حقيبة الأسرار المذهبية والطائفية، وذلك أن تفسير المفسر وتوضيح الموضح تسبب في مشكلة مفهومية عارمة كانت مرتعا لكل الصائدين في المياه العكرة من متعصبة المذاهب الفقهية ومن أهل البدع والأهواء ومن أهل الزيغ والزندقة.
صحيح: إن لكل جيل تراثه في تفاعله مع الأصلين. قال تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ. [البقرة: 134/141]، حيث يتفق غالبية الأصوليين – خلافا للحداثيين وأتباعهم – على اعتبار واعتماد قاعدة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب التي لها أهمية قصوى في الاستنباط الفقهي والعقدي مع بعض التحفظات المفيدة في تحقيق وتنقيح مناط هذه القاعدة، كالجزم بأن دلالة اللفظ على سببه قطعية، أو: أنه إذا ما وجد معارض فينبغي حمل اللفظ على خصوص السبب، أو إخراج ما لا يتشابه مع العموم من المسائل من هذا العموم، وذلك حتى لا يساء فهم هذه القاعدة الجليلة من القواعد الأصولية…
وعليه فالآية لا تُحمل مسؤولية جيل عن جيل آخر أو عليه سواء في الغرم أو في الغنم، نقول ذلك لأننا ابتلينا اليوم بجيل مضطرب منهجيا ومغرم بهواية جلد الذات وجلد الأجيال المتعاقبة، نحن اليوم في القرن الخامس عشر الهجري -وعلى سبيل المثال لا الحصر – نجد من يحمل جيل الأمويين كل أزمات المسلمين في كل العصور بما فيها أزمات السياسة والاقتصاد والاجتماع والدين وغيرها.. مع أن الأمويين أمة قد خلت لها ما كسبت ولا نُسأل عما كانوا يعملون، ولكننا سنسأل عما نحن الآن عاملون وسنسأل عن سبب جلد ذواتنا على أفعال اقترفها غيرنا إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ونفس القياس يقال حول تعاملنا مع تراث الأوائل الذين صنعوه بتفاعلهم مع الأصلين من أجل مصالحهم الدينية والدنيوية ثم مضوا.. ولا نسأل عما كانوا يعملون فهناك محكمة إلهية تحكم بينهم جميعا فيما كانوا فيه يختلفون.
هناك نزعة اتكالية وربما طفيلية عند البعض أنستنا وألهتنا عن دورنا ومسؤوليتنا نحو ديننا ودنيانا ومسؤوليتنا في صنع تراثنا الأصيل في عملية تفاعلنا مع الأصلين كما فعل الأولون، تلك هي المهمة التي هجرناها عن طريق صناعة واستنساخ تراث مفتعل وزائف عماده التقليد والإسقاطات التي هي في غير محلها ومن غير إعداد الإجابات الشافية للمعضلات والإشكاليات الحقيقية المطروحة في عصرنا، اللهم إلا تلك الإجابات المنهوبة من تراث أمة قد خلت: لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون.
ومع كل ذلك فيمكننا القول: إن الصريح هو العامل المشترك بين الأجيال المتعاقبة وأما المستنبط فهو من خصوصياتها التي أفرزت لنا تراثا عريضا وغنيا بكل إيجابياته وسلبياته والذي هو محصلة تفاعل الأجيال المسلمة مع الوحي وما أنجزته تلك الأجيال في مجالات المعرفة والثقافة والحضارة، فالوحي الإلهي المعصوم [كتابا وسنة] هو أصل الدين وأساسه، وتفاعل الأجيال المسلمة مع هذا الأصل مقاربات متواصلة تجمعها أصول مشتركة وصبغة موحدة صبغت الأمة الإسلامية في فترات صعودها وانتكاسها، عبر محاولات مستمرة لتحقيق المطابقة المطلوبة بين الأصول النظرية والواقع السلوكي العملي، فكانت مساحة تلك المطابقة تتسع وتضيق بحسب القرب أو البعد من مواصفات المجتمع الإسلامي المثالي الذي تحققت فيه المطابقة الكلية وذلك في العصر النبوي الذي عصمه الوحي الإلهي دون غيره، ثم الأقرب فالأقرب… والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
أستاذ بجامعة أم القرى/ مكة المكرمة

عن المحرر

شاهد أيضاً

الطروحات النظرية للنزعة البربرية الاستعمارية من خلال إرنست كاريت (1889 -1808)/ عبد اللطيف سيفاوي

النزعة البربرية من حيث الأسس النظرية التي تقوم عليها طرح مرتبط بالوجود الفرنسي بالجزائر، و …