الرئيسية | مقاربات | القرآن مفتاح التغيير لجيل الصحابة ولسائر الأجيال2

القرآن مفتاح التغيير لجيل الصحابة ولسائر الأجيال2

أ.د. مسعود صحراوي /

وكان من مفردات تلك الحرب الخاسرة التي أعلنها ذلك الجند القرشيُّ المكابِر المهزوم صرفُ الناس عن سماع القرآن وحجبُهم عنه لأنهم خافوا قوته المعنوية وروحه اللطيف المتسلل إلى النفوس فخشوا أن يزلزل كيانهم المعرفي المهترئ ويُقوّض عقائدهم البالية… فقالوا: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ}! وعملوا على مقاطعته وصرف الناس عن سماعه وحجبهم عن نوره، ولكن إلى حين! لأن كلمة الله العليا قد قضت بغلبة نورانيته على ظلاميتهم {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}[التوبة: 32].
*******
ورب قائل يقول ما بال المسلمين اليوم وما بال حالهم الذي يبعث على الازدراء والرثاء!؟ إننا نرى القرآن الكريم ينبعث من كل مكان، من المحلات والسيارات ومن كل مكان، ونرى كثيرا من المتدينين، ونرى الحجاج والمعتمرين بالآلاف والملايين… ولكن الفساد يعم الجميع: في الشوارع والأسواق والجامعات ولم يغيرهم القرآن!…هل غيّر القرآنُ أصحابَ الفساد والمخدرات والربا والخمور؟ هل تاب التجار المحتكرون للسلع؟ والأساتذة والعمال والموظفون؟ هل تاب السياسيون والإعلاميون؟ لماذا لم يغيرهم القرآن؟ أين “نوره” و”كهرباؤه” و”روحه” المنبعث؟ هل خبا ذلك كله واندثر؟
والجواب عن هذا أن المادة الدراسية باقية على أصالتها (لأن الوحي محفوظ) وأن جهاز الإمداد بالطاقة ليس به عطب ولم يفقد صلاحيته، كل ما في الأمر أن مستمع اليوم فقد الذائقة وأن الجهاز لم يُشغَّل بالطريقة البيداغوجية الصحيحة كما بيّنها هو في تفاصيله، إنه يُشغَّل بطريقة أخرى غير طريقته الأصيلة، لذلك لا تنبعث منه إلا طاقة ضعيفة لا تؤثر ولا تغيّر لفقدان الذائقة التي كانت عند القوم. وطريقتُه الأصيلةُ تبدأ من كيفية النظر إليه، فمن نظر إليه أنه “وحيٌ” حيّ حيوي دينامي فاعل في حالة اشتغال دائم… كلمة الـ”وحي” هنا “مصدر” دال على حدث يحدث الآن، كأن القرآن يتنزل الآن، وليست “اسم ذات” تعبر عن جثة ساكنة خامدة هامدة، وبهذه الطريقة في التلقي يُؤتي القرآنُ ثمرتَه المرجوة: التغيير والتطهير (التزكية بتعبير القرآن ذاته)- وإنما يُرجى أن ينتفع بخيره ونوره من نظر إليه هكذا!
*******
وقد يأتي على الناس حينٌ من الدهر بل أحيانٌ يهجرون فيها هذا القرآن ويهمشونه ويتخذونه وراءهم ظهريا- باغترارهم بعلومهم وتقدُّم تقنياتهم، وظنهم أنهم قد استغنوا وهم لم يستغنوا حقيقة عن الله ولكنهم توهموا ذلك {…كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى}- وهذا لا يعني أن القرآن فقد بعض خصائصه وجوهر إشعاعه أو قد انتهت صلاحيته واستنفد أغراضه- فلا يزال القرآن- وسيبقى كما كان – رُوحا يُحيي، ونُورا يَهدي، وقوةً تَدفع وتستنهض، وسيبقى – كما كان- عقيدةً عاصمة، وشريعةً عادلة، وأخلاقا بانية، وضياءً هاديا، وأساسا رافدا وموجها لكل بناء حضاري إنساني سليم… إذا استجبنا له واهتدينا بهديه، وإذا ما اتُبِعت بيداغوجية مناسبة للجيل، ليطهر نفوسنا ويملأ فراغها ويُرمّم أعطاب عقولنا ويُعيد بناءها… بل قد تحدث الاستجابة الأولى للقرآن (القشعريرة) حتى عند بعض الذين لا يُتقنون اللغة العربية!… لكن بشرط، -وقد تحقق الشرط في أولئك الرعيل الأول بتوفيق الله- (وتحقق في كثير غيرهم في كل العصور): أنهم أقبَلوا عليه بانفتاح، وانتصروا على تحديات العصر، وبرِئوا من كل تعصب ديني طائفي (أهل الكتاب)، أو موانع واعتبارات قَبَلية (العرب)، أو هيمنة الاستكبار العالمي (الفرس والروم)، أو أمراض نفسية كالكبر والعلوّ والمكابرة (زعماء قريش)… لأن الرواسب القديمة قد تكون أقوى الحجب والموانع التي تحول بين الإنسان وبين مثل هذا التلقي ومثل هذا التفاعل مع القرآن الكريم والاستجابة له.
*******
وفي ختام هذه الكلمة نقول: إذا أردنا استقصاء أسباب استجابة الأولين للداعي الإسلامي الأول صلى الله عليه وسلم -وهذا مطلب يتجاوز بحثه حدود هذه الكلمة الموجزة – فإننا نقول بإيجاز إن وراء تلك الاستجابة أسبابا كثيرة منها أنه دين الفطرة، ومنها معاناة المستضعفين والرقيق في مكة ونشدانهم الحرية والكرامة… ومنها العلاقات الشخصية بين بعض المؤمنين الأوائل… ومنها علاقات القرابة …الخ… لكن أهمها سببان كبيران:
1- القرآن الكريم ونوره وإشعاعه وما يدعو إليه، وموافقته مطالب الفطرة الإنسانية.
2- شخصية الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام،
فهذان هما أكبر أسباب التحول الإيماني الكبير الذي حدث (خصوصا آنذاك)، وحيثما خبا إشعاع هذين المؤثرين الأساسيين- خصوصا في ذلك العصر(لأسباب داخلية وخارجية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ) – اضمحلَّ الإشعاعُ الديني… وفي عصرنا أيضا اضمحل الإشعاع القرآني لأسباب كثيرة: إما بسبب جهاز الاستقبال الرديء وإما البيداغوجية غير المناسبة للمتلقي، وإما مكر الآخر المناوئ للقرآن وخبثه… وفي كل الأحوال ليس بسبب مادة الدرس لأنها وحيٌ محفوظ في السماء ليس به خلل ولم يفقد صلاحيته… والله يهدي من يشاء، ولله الأمر أولا وأخيرا.
أستاذ بجامعة الأغواط
hammaboutaleb56@gmail.com

عن المحرر

شاهد أيضاً

القرآن السنة التراث:  تقاطعات منهجية في الفهم والاستنباط 1

د/خميس بن عاشور * لماذا نذهب بعيدا في عمليات التنظير لقضايا استثنائية؟ إن مبررات الواقع …