الرئيسية | تراث | قصيدة مجهولة للشاعر الشعبي علي بن عبد الله مصباح

قصيدة مجهولة للشاعر الشعبي علي بن عبد الله مصباح

د. عبد الحق مواقي /

إنَّ التراث الشعبي الجزائري غني وثري في آن، إذ يحمل بين طياته الكثير من ملامح الفكر والثقافة والتراث والتاريخ، وبالرغم من كل هذا فإن الكثير منه لم يزل مجهولا وفي غير متناول المهتمين به والمتخصصين، بل إن أكثره قد ضاع مع مرور الزمن.
ويعتبر الشعر الشعبي شكلا من أشكال التعبير، وإبداعا فنيا، وهو مرآة صادقة للواقع المعاش، ويصور طقوس الحياة من كل جوانبها لأنه صادر من نفس صادقة وعاطفة جياشة بكلمات محلية بسيطة وعميقة حافلة بالموسيقى الداخلية.
الشعر الشعبي بمنطقة الطولقة
توارثت أجيال المنطقة عادات وتقاليد، كانت لها الدور الأكبر في تماسك وانسجام المجتمع المحلي، والحفاظ على خصوصياته وهويته، لما لهذه العادات والتقاليد من أبعاد دينية واجتماعية ونفسية.
وتعددت أشكال الموروث الشعبي بمنطقة طولقة من الأحاجي والأمثال والألغاز، إلى الألعاب كالسيق والخرقبة والفلجة والرشيقة، إلى اللباس كالبرنوس والحايك والجبة والشبرلة، إلى الطبخ كالشخشوخة والدشيشة والحسوة والبيصار…الخ.
ولم تشذ طولقة في هذا الزخم الكبير من الثقافة من وجود أسماء لامعة أنارت سماءها في الشعر الشعبي فكان للشاعر المدني رحمون (1908- 1989م) صولات وجولات في تخليد بطولات جيش التحرير، كمعركة جبل نسينيسة بنواحي بوسعادة التي كان الشاعر مشاركا فيها، كما كان الشاعر العرجاني فطناسي (1880- 1945م) صاحب قصيدة الشمعة المشهورة التي تغنى بها الكثير من المطربين وجها لامعا في سماء الشعر بالمنطقة، وغيرهما الكثير.
ويعد الشاعر علي مصباح أحد الأسماء التي خلدت الكثير من الأحداث بشعره، وبالرغم من ثراء إنتاجه وتنوعه، كما قال لنا حفيده، فإننا لم نتمكن من الحصول إلا على هذه القصيدة، إذ أن جل ما جادت به قريحة هذا الشاعر قد ضاع.
الإقلاب أو الإبدال في اللهجة “الطولقية”
الشائع في اللغة بين سكان بعض مناطق الزيبان، ما يسمى لغة بالإقلاب أو الإبدال وهو إبدال حرف مكان حرف آخر فهم يقلبون حرف الغين قافا في الكثير من الألفاظ مثل كلمة مغرف التي تنطق مقرف، وكلمة غابة التي تنطق قابة، وغرس التي تنطق قرس، وغدوة (أي غدا) التي تنطق قدوة…
وقد ذكرت هذا لأن القصيدة التي نقدمها للقارئ في هذا المقال، قد كتبها صاحبها باللهجة المحلية التي في ألفاظها إقلابا لحرف الغين إلى قاف، وهذا ليتسنى للقارئ الكريم فهم معاني كلماتها.
التعريف بالشاعر
ولد الشاعر علي بن عبد الله بن التونسي مصباح، سنه 1874م في منطقه تاشوده بضواحي العلمة من أسرة تعيش على الفلاحة، انتقل إلى مدينة مروانة سنة 1892م بعد أن ضرب الجفاف منطقة العلمة وأتى على المحاصيل الزراعية، وبمقامه الجديد امتهن علي مصباح خياطة البرانيس بعد أن تعلمها هناك وأتقنها، إلا أن المقام لم يطل به كثيرا، ليرحل إلى مدينة طولقة فنزل فيها، وعاش معظم حياته في خياطة البرنوس والقشبية لتحول إلى التجارة بعد أن حال ضعف البصر بينه وبين مهنة الخياطة.
امتاز الشاعر على مصباح بخفة الدم والطرافة في الكلام، وقرض الشعر، إذ خلد معظم الأحداث التي كانت تجري في طولقة في قصائد ينتقل فيها بين الشعبي والفصيح، فكتب عن “عام الجراد” و “عام الأمطار”، و”عام الجرب”، و”عام التيفيس”، وكانت هذه القصائد تُحفظ عن ظهر قلب من الكثيرين من السكان وتلقى في المناسبات كالأعراس مثلا. وكان للشاعر علي مصباح العديد من السجالات والمنافسات مع الكثير من شعراء الشعبي في عصره ولعل أبرزها ما كان بينه وبين الشاعر “البار عمر”.
ومن المواقف الطريفة التي يتداولها الناس عن الشاعر علي مصباح أنه لما بلغ من العمر عتيا استعان بعكاز يستند عليه في المشي، إلا أن أحد اللصوص قام بسرقة العكاز، فجادت قريحة الشاعر بقصيدة هجائية في قالب استعطافي رددتها كل الألسن فما كان من اللص، إلا أن أعاد العكاز طالبا الصفح من صاحبه.
توفي علي مصباح سنه 1954 بطولقة، وترك العديد من القصائد في الشعر الشعبي والفصيح إلا أن معظمها قد ضاع لأنه لم يدون.
مناسبة القصيدة
كانت قصائد الشاعر علي مصباح مناسباتية حيث تقدم ارتجاليا حسب المكان والزمان والحادثة، وهذا ديدن كل الشعراء عادة. وكانت مناسبة نظم هذه القصيدة أن انفجارا كبيرا حدث بأحد دكاكين طولقة بالدشرة القديمة وهو “دكان الخيراني” وكانت من ميزات دكاكين تلك الفترة أنها ذات بضاعة متنوعة ومن كل الأصناف فمن أدوات الفلاحة إلى الأقمشة والألبسة إلى المواد الغذائية إلى المواد سريعة الالتهاب مثل “الكاز أو الكيروسين” الذي كان يستعمل في إشعال فتيل قنديل الإضاءة “الكانكي والكاربيل” بالإضافة إلى الكبريت والفحم الحجري والبارود الخ …
وكان صاحب الدكان يضع شمعة تظل مشتعلة تحت صهريج الزيت حتى لا يتجمد من شدة البرد في فصل الشتاء، وشاءت الأقدار أن تبقى الشمعة مشتعلة طوال الليل، فوقعت الكارثة حريق كبير بالدكان، فاقتحم مجموعة من الناس الذين كانوا متواجدين في تلك الساعة لإطفاء الحريق، فعقبه انفجار قوي أدى بحياة 6 أشخاص حسب الروايات المتداولة، فكانت هذه القصيدة التي تخلد للحادثة.
نص القصيدة
الله يا الدايم
يا لي خلقت الناس بهايم
من غير شكايم
حشاهم ناس اللي عارفاني.
انظر يا حاضر
هذا ما دار الخيراني.
في ذاك الڨربي من داخل مليان
داير مڨازه
كثرت فيها ذيك الزازا
من غير حزازه
مرشينوار شعل دخلاني
معبي القرطاص الحربي
بارود وصاشم
والزربوط بدا يتكلم
آطاك مسڨم بين روسي والماني
يرشڨ في ذيك الحيطاني.
الدحي العلوش
هارب وصدرو مفشوش
خايف من صهد النيراني.
المبروك تڨدم
ضرب ذاك الباب تهدم
خرجلو مشحم
طيبلو لحمو دخلاني
المبروك القالي
لحمو لبيض طاح صالي
المبروك النيه
داتو ذيك الفنطازيه
حضرت لمنيه
داتو لجنة الرضواني.
الخلاصة
إن الكثير من الشعر الشعبي بمنطقة طولقة والجزائر عموما لم ينل نصيبه من التدوين ومازال مجهولا وكثير منه ضاع لأن تواتره انتهى بموت صاحبه أو بموت حفظته من بعده، وهذا الضياع لا يشمل الشعر الشعبي فقط، بل يتعداه إلى كل مجالات التراث الشعبي، ومن هنا تتجلى ضرورة تدوين التراث الشعبي الشفهي، والنهوض به وإبراز دوره، لما له من قيمة فنية وجمالية في المجتمع.

عن المحرر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *