الرئيسية | الحـــق الـمر | هل بعد هذا الشر من خير؟

هل بعد هذا الشر من خير؟

يكتبه د. محمّد قماري /

كل من يتتبع حركة التاريخ الإسلامي عبر القرون الطويلة، يخرج بانطباع ثابت مفاده أن تلك الحركة ليست خطًا مستقيمًا، فطبيعة الخط المستقيم هو السير باتجاه محدد، سواء باتجاه الانحدار الذي ينتهي إلى قاع تتلاشى فيه كل معالم البدايات، والوقوع في الاضمحلال التام أو الموت الحضاري، أو باتجاه الصعود والارتقاء، أو السير المستقيم أفقيا…
والحقيقة أن هذا النمط من السير المستقيم يتنافى مع طبيعة حركة البشر عبر الزمن، فإذا كان الإنسان الفرد يتقلب في أحواله مع مرور السنين بين القوة والضعف، والرخاء والشدة، والغنى والفقر…فإن أحوال المجتمعات وتعاقب الأجيال فيها أولى بتلك التقلبات والتموجات في السير…
إن تاريخ المسلمين أشبه بالخط المنكسر، حيث نقاط علو ورفعة تتلوها انحدارات إلى منخفضات سحيقة، لكن مع ذلك فإن ميزة هذا التاريخ تكمن في مداه الزمني، فعبر أربعة عشر قرنا ونصف القرن وهذه الأمة صامدة، وحاضرة تقلق أعداءها حتى في أشد لحظات تاريخها ضعفا وانكسارًا، ففي هذا العصر الذي تبدو فيه الأمة مغلوبة، يتحدث (هنتغتون) في كتابه (صراع الحضارات) الذي صدر في أعقاب انهيار جدار برلين عن خطر (الحضارة الخضراء) أي الحضارة الإسلامية من بين سبع حضارات قادرة على الانبعاث والمنافسة…
ولعل المؤرخ الأمريكي اللبناني (فيليب حتي) قد سبق هنتنغتون في رصد هذا الملمح، أي القدرة على النهوض والانبعاث، في كتابه (تاريخ العرب) وهو يرصد حال تفكك دولة المسلمين وتداعي أعدائها عليها من الشرق (غارات المغول) ومن الغرب (الحملات الصليبية) وسقوط بغداد عاصمة الخلافة وما رافقها من تخريب ومجازر جعلت (ابن كثير) يقول في تاريخه (البداية والنهاية): “فيا ليت أمي لم تلدني ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا”، وكدنا نقرر أن لا بقاء لتلك الحضارة، يقول فيليب حتي، لكن ظهور صلاح الدين الأيوبي على مسرح التاريخ، وما حققه من منجزات مبهرة، جعلتنا نقول أي قوة بإمكانها صد رجعة المسلمين؟
وهنالك حقيقة أخرى، يجب أن لا تغيب عن الأذهان ونحن نرصد تاريخنا، فتاريخ الحضارة الإسلامية ليس كله (سير أعلام النبلاء)، حيث الانقطاع للتنسك والعبادات، أو هو مجتمع المدينة الفاضلة، ثم أن هذه الحضارة لا يمكن رصدها من خلال قصور الحكام والساسة، فهم في غالب ساعات التاريخ كانوا سببا في حدوث القلاقل والانكسارات، لكن الذي ضمن ديمومة حركة الأمد عبر هذه القرون، وإحداث نقلات فيها تنتشلها من وهاد الهوان والتخلف إلى الظهور مجددا على مسرح التاريخ، هم أولئك العلماء والمؤسسات الحيّة التي تدعو الناس للقيام بواجباتهم، والانصراف عن الانخراط في العواء والصياح الذي نهاهم عنه الرسول، صلى الله عليه وسلم: “من قال هلك الناس فهو أهلكُهم أو أهلكَهم” (رواه البخاري).
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الأمم هو أن يكثر فيها النواح والعويل بسب الواقع البائس، وتقل فيها العقول والسواعد التي تنخرط في الإنجاز وإشعال شموع الأمل، لأن كثيرا من النائحين النادبين على هلاك الناس وفساد الواقع هم مساهمون في ديمومة ذلك الواقع، فالتغيير لا يحدث إلا عندما يقوم مجموع الأفراد بواجباتهم، ومحاصرة الفساد لا تتم إلا عبر (الأعمال الصالحة) التي تنجزها السواعد المؤمنة…
لقد كان الصحابي النابه حذيفة بن اليمان، رضي الله عنه، يفهم خطورة (الوقاية من الشر)، فكان يسأل النبي، صلى الله عليه وسلم، عن ملابساته، وكان النبي المعلم يغرس فيه مفهوم الرؤية الواقعية لحركة التاريخ، وأنه صعود وانحدار، وأن الأمة لم تأخذ من الله صكا على بياض بالتمكين والنصر، فكلما فقدت مناعتها الحضارية أو قصرت في القيام بواجباتها، سلط الله عليها سيف القدر، فتفقد عزتها والنعم التي بين أيديها وفقا لسنن لا تحابي:{ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}[الأنفال/53]، ويُلح الصحابي الجليل حذيفة في آخر الحديث: (وهل بعد ذلك الشر من خير؟).
ويبقى صاحب الرسالة مستمرا في تعليمه لأدوار التقلبات التي يمكن أن تحدث بما كسبت أيدي الناس، لكن في كل دور من تلك الأدوار يبقى الأمل يهدي حركة المسلم، فكلما نهضت الأمة بواجباتها، وأحسنت في تنفيذ تلك الواجبات إلا راكمت خطواتها نحو العزة والرقي، وارتقت إلى مستوى الوعد بالتمكين:{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا}[النور/55].

عن المحرر