الرئيسية | سلسلة سراج ومعراج | بيـــت الـمقـــدس عاصمـــة التحـــول الحضـــــاري (8) سيدنا موسى… مراحل مشروع التحرير من الاهتداء إلى الاصطفاء

بيـــت الـمقـــدس عاصمـــة التحـــول الحضـــــاري (8) سيدنا موسى… مراحل مشروع التحرير من الاهتداء إلى الاصطفاء

د.كدير مراد /

انطلق سيدنا موسى عليه السلام ببني اسرائيل على طريق تحرير بيت المقدس، موجها البوصلة نحو استعادة الأرض المقدسة مثبتا ذلك كمقصد لتحول الاسلام من مرحلة الابتلاء إلى مرحلة الاصطفاء كأمة قائدة رائدة. لم تكن أبدا رسالة سيدنا موسى متوقفة عند دعوة فرعون وإصلاح نظام حكمه كما أن الخروج ببني اسرائيل لم يكن كذلك نتيجة للاستضعاف الذي لقيه موسى والفئة المؤمنة معه بل كان حتمية ضرورية للانتقال بالأمة المؤمنة نحو إعادة مجدها من بيت المقدس عاصمة القيادة والسيادة والريادة.
لقد نجى الله سيدنا موسى وقومه من الفساد والعلو الفرعوني وجعله عبرة للعالمين. لم يكن عمل سيدنا موسى طوال الفترة المصرية موجها مقصد رسالته إصلاح المجتمع وبناء أمة في فترة سيطر التدافع الفكري العقدي والسياسي الشرس مع أركان الفساد الفرعوني على المشهد العام. بالرغم من كون الايات الربانية العديدة التي خص الله بها سيدنا موسى والعذاب الذي أنزله (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ءَايَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِين) لم تكن موجهة فقط لفرعون وجنوده بل كان من صميم دورها تمكين الايمان في قلوب بني اسرائيل الذين بقي جزء منهم على الايمان والتوحيد تحقيقا لوعد جدهم يعقوب عندما حضره الموت (أمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ). في حين ابتعد أغلبهم عن العقيدة الصحيحة السليمة.
عندما خرج سيدنا موسى ببني اسرائيل وهو ينشد تحقيق غاية تحرير الأرض المقدسة لم يكن يحمل صفة قائد أمة مؤمنة بمشروع التحرير ومقاصده العليا بل قائدا ربانيا عظيما لتجمع بشري لم يكن يؤمن جلهم بغايات خلق الله سبحانه وتعالى للإنسان بل لم يكن يؤمن بوجود الله رغم دلائل قدرته وعظمته التي أراهم إياها. ووصل بهم الفساد العقدي إلى طلب رؤية الله كشرط للإيمان في صورة جد متقدمة من سوء الأدب مع الله ( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). تشكل التجمع البشري الخارج مع سيدنا موسى من قلة شبابية مؤمنة صادقة (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ) في حين كانت الأغلبية الباقية من الصنف الأول القاسية قلوبهم. لكل ذللك لم يكن موسى إلا قائدا لتجمع بشري جزء منه خرج هربا من الابتلاء والقمع كحال الشعوب التي تتبع المصالح لا المقاصد وتسعى وراء السلامة لا الاستقامة.
لم يصل التجمع البشري الذي خرج مع سيدنا موسى مقام الأمة المؤمنة بمشروع التحرير فلذلك لم يكن ليتحقق تحرير الأرض المقدسة إلا بميلاد الأمة ومجتمع التحرير عبر تأهيل الفرد الميت (تعريف الحياة كما سبق وذكرنا أنه تحقيق غاية الوجود وهو إفراد العبودية لله على مستويات الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والأمة والبشرية) ليولد من جديد إنسانا مؤهلا محققا لغاية وجوده فالإنسان المؤهل كما يقول مالك بن نبي هو الحجرة الأساس لميلاد المجتمع وقائد النقلة من التجمع البشري البهيمي الذي هو غريزة طبيعية إلى المجتمع الحامل لمشروع التحرير المستحق لشرف التمكين والمحقق لمقصد الإمامة والاستخلاف كسنة ربانية.
لقد نجى الله سبحانه وتعالى تلك الفئة المؤمنة الصادقة المستضعفة من علو فرعون وفساده وواعد موسى والتجمع البشري الخارج معه من بني اسرائيل ميعادا معلوما بجانب الطور الأيمن، بهدف استلام الشريعة والكتاب اذ يقول تعالى (يَبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ) وقد يسر الله لبني اسرائيل -على كفرهم- بعد إزالة الضرر (الفساد الفرعوني) بلوغ الميعاد والموعد عند جانب الطور الايمن عبر تظليل الغمام وإرسال المن والسلوى ترغيبا في الايمان وفتحا للقلوب وامتحانا لها بالنعمة والفضل والعطاء يقول تعالى (وظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)، لم تنجح بني اسرائيل في الاختبار الأول اختبار النعمة وبلوغ الميعاد رغم التيسير الرباني بل عملت على المماطلة والتأخير في الوقت الذي كان سيدنا موسى يسرع بالركب لبلوغ ميعاد الطور الايمن مكانا وزمانا. كان المسير نحو الشمال الشرقي عبر البحر الأحمر مبتعدا عن مناطق السيطرة الفرعونية متجها قبل الأرض المقدسة من شرق نهر الاردن.
ولعل تحديد جغرافية الطور الأيمن تحتاج دراسة تفصيلية كاملة عبر جمع القرائن التاريخية والنقوش الاثرية ومطابقتها مع النص القراني لكننا قد نذكر بعضها سريعا لتحديد جغرافية الميعاد والموعد الرباني . رأى في الماضي جملة من الباحثين وقوع جبل الطور في منطقة صحراء سيناء معتمدين التسمية الحالية لشبه الجزيرة الممتدة بين قارتي إفريقيا وآسيا، لكن بالعودة لجملة من البحوث الذي لم تقبل بهذه الفرضية يتبين أن هذه المنطقة لم تكن تسمى بتسمية صحراء سيناء إلا في وقت متأخر، إذ سميت في النقوش الهيروغليفية باسم «بياوو» أي المناجم وسميت بعد ذلك في وقت متأخر في المصادر المصرية الحديثة ب «خاست فكات» أو «بدومفكات» التي تعني مدرجات الفيروز… في حين ان التسمية المذكورة في العهد القديم (التوراة) هي «حوريب» اي الأرض الجرداء. وبما أن صحراء سيناء معروفة بطبيعتها الصحراوية الجرداء في حين أن الوصف القراني لجبل الطور يصورها كونها منطقة خضراء تتمتع بتنوع أشجارها وتعرف بخصوصية نوعين من الشجر أقسم الله بهما عند ربطه بين أرض البلد الأمين وطور سينين وهي التين والزيتون، وبالعودة للأصل اللغوي لكلمة الطور التي تعني «الجبل» في اللغة الارامية والتي بها تسمت العديد من للمدن الشامية كطرطوس وطرابلس التي أصل تسميتها طور طوس وطور بوليس، وبما أن من عادة لغة أهل الشام القديمة قلب الطاء جيم فسميت ايضا مناطق بنفس التسمية كجورجس وجرابلس وجور سالم أي طور سالم التسمية القديمة للقدس، وبما أن القدس مبنية على جمل من الهضاب المحاطة بجبال أحدها يسمى جبل الطور فإن الأقرب أن الميعاد والموعد هو من الجانب الأيمن لطور القدس بالجمع بين صفة الجبل المميز بنمو التين والزيتون عليه، وبما أن أغلب المفسرين أكدوا أن كلمة الأيمن تعني عن يمين الجبل فإن مكان الميعاد هو يمين سير سيدنا موسى من مصر الى الأرض المقدسة خلال رحلتها نحو الشمال الشرقي على ضفاف نهر الأردن والبحر الميت.
تخلفت بنو اسرائيل عن الميعاد فتعجل سيدنا موسى للقاء ربه تلبية للوعد والميعاد وإرضاء لله عز وجل تاركا سيدنا هارون خليفة له على قومه وقد سأل الله موسى سبب الاستعجال (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَمُوسَى * قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) وفي ذلك دلالة أن الموعد لا يرتبط بشخص سيدنا موسى بل بجملة قومه بهدف تسليم الرسالة والشريعة والكتاب (التوراة) وعقد الميثاق وحفظ الوعد. لكنهم بتخلفهم فشلوا في الاختبار فحرم الله عليهم شرف اللقاء وتسلم الامانة (تحرير الارض المقدسة) . تسلم سيدنا موسى الألواح(التوراة) التي كانت موعظة تهدف لتنظيم الأمة وتسديد سيرها ومسيرها الى الارض المقدسة وتحقيق غاية الخلق العبودية لله كضرورة لميلاد الأمة المؤمنة الحاملة لمشروع شهود الاسلام (التسليم لرب العالمين) وظهور الحق (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ.
فشل بنو اسرائيل في اختبار النعمة وبعدها في اختبار الفتنة (عجل السامري) (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ) فأعطى الله لهم الفرصة بانتقاء سبعين رجلا بهدف طلب المغفرة والتوبة عنده عزوجل وتجديد فرصة تسلم مهام فتح الأرض المقدسة التي خرجوا من أجلها اذ يقول تعالى واصفا ذلك (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ) مع ذلك فشل السبعين رجلا في اختبار التوبة (إِذْ أَخَذْنَا ميثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ)
استبدل الله السبعين وانتقى 12 نقيبا كآخر فرصة على سبيل التحرير فجمع النقباء (الذين يسمون بالقضاة في المصادر التوراتية اليهودية) وأخذ منهم الميثاق بالسمع والطاعة وإقامة الشعائر ( لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيل).
فشل التجمع البشري لبني اسرائيل فشلا ذريعا في اختبار النعمة والفتنة والتوبة والميثاق والوعد وفشل بعد ذلك عندما خصهم الله على طريق دخول الأرض المقدسة بفترة راحة وإعداد واستعداد عبر دخول القرية والتمتع بما رزقهم الله إياه بوجوب التذلل لله والاستغفار له عند دخول القرية كشرط للمغفرة والتوبة. لم تكن القرية مستقرا فقد وصفها الله بوصف رغدا الذي يذكرنا بنفس قول تعالى لادم عند دخوله الجنة (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ)… فكانت القرية أيضا محطة اختبار سبقت الاختبار الأعظم قبل تنفيذ أمر دخول الأرض المقدسة.
لقد استبدل الله بني اسرائيل استبدالا داخليا تاما كاملا بعد محطة الاستبدالات المتكررة الجزئية من أمة إلى 70 رجلا إلى 12 نقيبا فلم يكن لا القوم ولا نقباؤهم على قدر عظم مسؤولية فتح بيت المقدس ونيل شرف التحرير الأول للمسجد الأقصى المبارك فكان الاستبدال التام والحرمان التام بالضياع والتيه، تيه وضياع جغرافي في الصحراء وتيه وضياع روحي ومعرفي وحضاري تأخر فيه فتح بيت المقدس سنوات أخرى عديدة كانوا هم فيها السبب، لكنها كانت فرصة كاملة لميلاد أمة جديدة مؤمنة تنال شرف التمكين والفتح والتحرير فلا يمكن للتجمع البشري البهيمي أن يحقق وعدا ربانيا ….
يتبع
والله أعلم بمراده

عن المحرر

شاهد أيضاً

سلسلة سراج ومعراج (18)/ بيـــت الـمقـــدس عاصمـــة التحـــول الحضـــــاري (9) من موسى إلى داود عليهما السلام… الطريق إلى تحرير بيت المقدس

د.كدير مراد / تحققت سنة الاستبدال على جيل كامل من بني اسرائيل من المتساقطين في …