الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | ليس هذا من إسلامنا/ محمد الصالح الصديق

ليس هذا من إسلامنا/ محمد الصالح الصديق

كنا في جولة في منطقة القبائل في الصائفة الماضية، وكان رفيقي فيها الأستاذ المحامي الجامعي الذي اعتاد مرافقتي مشكورا في أغلب الأحيان: علي بن غانم، فمر بنا شيخ ذو ثياب خلقة وسخة، تتقزز النفس من رؤيته، ونحن إزاء عين باردة بين أشجار وارفة، وحولها صخور ونباتات نضرة طرية، والناس من حولها يتراطنون بفضول الكلام، وغث الحديث، وبعضهم يتحدث بالفرنسية حتى لا يتهم بأنه جزائري، أو أنه مسلم يؤمن بالله ورسله والحساب والعقاب، فقال أحدهم وهو يتابع الشيخ ببصره إنه ناسك متعبد، من قريتنا، هكذا عرفته بهذه الثياب منذ سنوات، وأضاف: إن من يراه على تلك الهيئة يظنه فقيرا فقرا مدقعا، والواقع أن حاله ميسورة، وأن له أبناء يعملون في المؤسسات الوطنية ولكنه يريد أن يمثل الإسلام في يسره وبساطته ليس إلا.

فنظر إلي الأستاذ المحامي وقال في صوت خافت لا يسمعه غيري، ليس هذا تمثيلا للإسلام وإنما هو تشويه له، وبعد عن روحه وحقيقته، ووضعه له موضع السخرية والازدراء عند أعدائه؟

ولما امتطينا السيارة وانطلقت بنا في طريق وسط الغابة، عدت إلى موضوع الشيخ، وقلت للأخ علي أن النسك ليس من القذارة والوسخ ولبس الخلق من الثياب، إنما هو نقاء البدن والثياب، فإن الله تعالى نظيف يحب النظافة، وجميل يحب الجمال، ويحب أن يرى على عبده نعمه الظاهرة، والباطنة، فالظاهرة في الجمال الظاهري، والباطنة في الجمال الباطني من التقوى والإخلاص والنزاهة، وقال صلى الله عليه وسلم: “إن الله تعالى يحب الناسك النظيف“.

قال في المواهب: “الجمال في اللباس والهيئة ثلاثة: نوع يحمد، ونوع يذم، ونوع لا ولا”.

فالمحمود ما كان لله تعالى وأعان على طاعته كالمضمن غيظ عدوه، وإعلاء كلمته، ومنه التجمل للوفود، ولهذا كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يتجمل للوفود، والمذموم ما كان فيه فخر وخيلاء، وما عدا ذلك مباح لتجرده عن قصد مذموم شرعا؟

ومما يدخل في هذا المضمار ما قيل من أن بعضهم كتب إلى ملك: بلغني أنك تأكل الرفاق، وتلبس الرقاق، فأجابه:

حسّن ثيابك ما استطعت فإنها    زين الرجال بها تعز وتُكرم

ودع التواضع في الثياب تخشنا     فالله يعلم ما تُسر وتكتُم

فرثاثُ ثوبك لا يزيدك رفعة      عند الإله وأنت عبد مجرم

وجديد ثوبك لا يضرك بعد أن    تخشى الإله وتتقي ما يحرُم

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

حادثة لا تنسى/ محمد الصالح الصديق

أقيم حفل بمدينة آزفون أواخر الستينيات لتدشين مسجد بناه أحد المحسنين في المنطقة، وممن حضروا …