الرئيسية | وراء الأحداث | هل تخلت الجامعة العربية عن مبادرة السلام العربية؟

هل تخلت الجامعة العربية عن مبادرة السلام العربية؟

أ. عبد الحميد عبدوس /

رفضت الجامعة العربية يوم الأربعاء الماضي (9 سبتمبر 2020) في دورتها الـ 154 لمجلس وزراء الخارجية، تمرير مشروع قرار فلسطيني يُدين الاتفاق الثلاثي الإماراتي الإسرائيلي الأمريكي لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات، وهذا قد يكون مؤشرا مقلقا على فتح الباب أمام تراجع العرب عن مبادرة السلام التي اتفقوا عليها في قمة الجامعة العربية ببيروت سنة 2002، وكان الأمين العام لجامعة الدول العربية المصري أحمد أبو الغيط قد رفض في شهر أوت الماضي طلبا فلسطينيا لعقد اجتماع طارئ للجامعة، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 13 أوت الماضي (2020) عن توصل الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل إلى اتفاق سلام وصفه بـ «التاريخي».
ويفاخر ترامب بأنه حقق بتوقيع اتفاقية التطبيع الإسرائيلية الإماراتية ما لم يكن متوقعا وسيتم ترسيم اتفاق التطبيع رسميا في واشنطن يوم الثلاثاء المقبل (15سبتمبر). غير أنه من المقرف والمثير للدهشة أن تتحول «البلطجة» السياسية التي يمارسها ترامب ضد القضية الفلسطينية إلى عمل يجد من يعجب بها ويمجده على غرار ما فعله نائب نرويجي بترشيحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لنيل جائزة نوبل للسلام بسبب اتفاقية التطبيع بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة.
ليس سرا أن الانحياز الأمريكي للكيان الصهيوني المحتل ليس جديدا في السياسة الخارجية الأمريكية سواء كانت تحت حكم الديمقراطيين أو الجمهوريين، ولكن هوس الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب تجاوز كل مظاهر التحيز والتعصب لحكومة الاحتلال الإسرائيلي وخصوصا في اتجاهها اليميني الصهيوني المتطرف بقيادة الليكود، وتوظيف القدرات الهائلة للولايات المتحدة للعبث بمقررات الشرعية الأممية والدوس على القانون الدولي للتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني. ويبدو أن الرئيس الأمريكي يراهن على «إنجازاته» في خدمة الاحتلال الإسرائيلي والتلاعب بالقضية الفلسطينية لتحسين حظوظه الانتخابية، وهذا ما أشار إليه أمين سرّ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات عندما قال: «إن فلسطين باتت ضحية الطموحات الانتخابية للرئيس الأميركي دونالد ترامب» وجاء هذا التصريح تعقيبا على إعلان دونالد ترامب يوم 4 سبتمبر 2020 أن كوسوفو(الدولة الأغلبية المسلمة التي انفصلت عن صربيا في سنة 1999) وإسرائيل اتفقتا على تطبيع العلاقات بينهما وإقامة علاقات دبلوماسية، معلنا أن كوسوفو وصربيا ستفتحان سفارتيهما لدى إسرائيل بالقدس.
تطبيع العلاقات بين كوسوفو وإسرائيل، وتعهد صربيا نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس يعتبرها ترامب من الانجازات التي تعزز حظوظه في الفوز بعهدة رئاسية ثانية، متغاضيا عن الخيبات والأزمات التي ميزت عهدته الرئاسية الأولى خصوصا فشله الكارثي في تسيير جائحة كوفيد 19 التي وضعت الولايات المتحدة الأمريكية في صدارة دول العالم قاطبة من حيث عدد الإصابات والوفيات، وكذا تصاعد الاحتجاجات الشعبية ضد سياسته العنصرية الفاضحة التي أصبحت تهدد انسجام المجتمع الأمريكي ووحدته، وارتفاع مستوى البطالة بعد الغلق الاقتصادي بسبب جائحة كورونا، إضافة إلى حجم الفضائح الأخلاقية والسياسية المرتبطة بشخص دونالد ترامب، وهي كلها عوامل جعلت منافسه الديمقراطي، السيناتور جو بايدن يتفوق عليه بشكل كاسح في استطلاعات الرأي عن نوايا تصويت الناخبين الأمريكيين في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في شهر نوفمبر المقبل، ورغم ذلك لا يتحرج دونالد ترامب من التصريح بأن عدم فوزه في الانتخابات الرئاسية سيكون نتيجة مؤامرة ضده ولعل لأول مرة يلوح رئيس أمريكي بعدم قبوله نتيجة التصويت إن لم تكن في صالحه، ففي شهر جوان 2020 قال ترامب في مقابلة تلفزيونية مع قناة (فوكس نيوز): «إذا لم أفز فإنني سأمضي قدما وأفعل أمورا أخرى»، وذلك بعدما قال خصمه الديمقراطي جو بايدن إن الرئيس الجمهوري قد يغش ويرفض مغادرة البيت الأبيض، وفي نهاية شهر جويلية الماضي (2020) وبسبب عدم تحسن نتائج استطلاعات الرأي لصالحه طالب بتأجيل الانتخابات الرئاسية وكتب على حسابه في تويتر قائلا: «إن تأجيل الانتخابات سيمكن الناس من التصويت بشكل صحيح وآمن».
ورغم ذلك يظل الرئيس دونالد ترامب «مهوسا بإعادة انتخابه حتى لو كان ذلك يتضمن احتمال تعريض البلاد للخطر»، حسب ما أكده مساعده السابق جون بولتون الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي في كتاب (الغرفة حيث وقع الحدث) الصادر في شهر جوان 2020.
قبل أكثر من سنتين وبالضبط في شهر أفريل 2018 صرح جيمس كومي، المدير السابق لمكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي) قائلا: «إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتبع سلوكا شبيها بـزعماء العصابات الذين كان يحقق في شأنهم في شبابه».
لقد كشفت أربع سنوات من تنصيب ترامب رسميا في منصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أن خطبه النرجسية، وتصريحاته المتناقضة، وتصرفاته الاستفزازية، وطلباته الابتزازية وقراراته المفاجئة، ليست مجرد زلات عابرة أو خرجات منعزلة ولكنها طريقة حكم خاصة وأسلوب متبع في توجيه السياسة الأمريكية، ومع توغل دونالد ترامب في ممارسة الحكم، لا يبدو أن صورته قد تحسنت في عيون المقربين منه والعارفين به، بل ازدادت سوءا وسلبية، فهذا مايكل كوهين، المحامي السابق للرئيس الأمريكي الذي كان يعتبر بمثابة «الصندوق الأسود» لدونالد ترامب، وصفه في كتابة الجديد (خائن: مذكرات) الصادر في سبتمبر 2020 بأنه: «غشاش، كاذب، محتال، متنمر، عنصري، لص، مخادع، ومعجب كبير بالطريقة التي يدير بها بوتين روسيا»، وصفت أم ابنة شقيقه ماري ترامب فقد وصفت عمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في كتابها (أكثر مما ينبغي وغير كاف أبدا.. كيف صنعت عائلتي أخطر رجل في العالم؟) الصادر في جويلية 2020بـ «العجرفة والجهل المتعمد منذ صغره»، وأن «الغش أسلوب حياة بالنسبة له».
ولهذا لا يجد دونالد ترامب ما يقدمه في حملاته الانتخابية لجذب الناخبين الأمريكيين إلى صفه سوى التمسك بخطابه العنصري الذي يدغدغ مشاعر قاعدته الانتخابية المتكونة من جماعات اليمين الأمريكي المتطرف المتشبع بإيديولوجية تفوق العرق الأبيض، والانجيليين الصهيونيين الذين يدّعون أن الله أرسل ترامب لإنقاذ أمريكا المسيحية، والمحافظين الجدد المولعين بشعار «أمريكا أولا». هذه القاعدة الانتخابية الوفية لدونالد ترامب تشاركه في التحيز والولاء الاستثنائي للصهيونية ومناصرة دولة الاحتلال الإسرائيلي، ولهذا لقد تحول دونالد ترامب وهره اليهودي جاريد كوشنر إلى مجرد مكلفين بمهمة حشد الاعتراف والتطبيع الدولي مع إسرائيل. وقد وصل الأمر بدونالد ترامب بعد اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل إلى تهديد الدول بشتى أنواع العقوبات إذا عارضت القرار في الأمم المتحدة. والأمل معقود على تغير محتمل في سياسة البيت الأبيض وقد يشهد العالم بعد أقل من شهرين سقوط سياسة التنمر والبلطجة السياسية المفتوحة لدونالد ترامب وفريقه اليهودي ضد الحقوق الفلسطينية المشروعة، وبداية العودة إلى طريق حل الدولتين الذي تؤيده غالبية الدول.

عن المحرر

شاهد أيضاً

إلى متى ستظل فرنسا تكيل بمكيالين ؟

أ. عبد الحميد عبدوس/ هستيريا سياسية استبدت بالطبقة السياسية في فرنسا التي توافقت على استلال …