الرئيسية | قضايا و آراء | حرية التعبير والإساءة والتجديف

حرية التعبير والإساءة والتجديف

أ. عبد القادر قلاتي /

منذ سنوات قليلة صدر كتاب لمجموعة من الانثروبولوجيين الغربيين وعلى رأسهم الانثروبولوجي المسلم طلال أسد وتلميذته الباكستانية صبا محمود، تمحور حول سؤال جوهري ومهم وهو: هل النقد علماني؟ وحمل الكتاب الذي ضمّ مجموعة من المقالات السؤال نفسه «هل النقد علماني؟ التجديف والإساءة وحرية التعبير» واتخذت مقالات الكتاب قضية الرسوم الدنمركية المسيئة للرسول –صلى الله عليه وسلم- وردّة الفعل التي قام بها المسلمون في العالم نقطة انطلاق لها، لكن جوهر الكتاب كان يدور حول فكرة حرية التعبير وقيودها، والعلاقة التي تجمع بين النّقد والدين، والعلمانية كمرجعية فكرية للدولة والمجتمع في الغرب، والتجديف كما هو معروف هو السخرية من كلام الله وآياته، والاستهزاء برسله وخاتمهم رسولنا الكريم -صلى الله عليه وسلم – وإهانة الملائكة أو إنكار نبوة أحد الأنبياء.
والسؤال الذي حاول الكتاب الإجابة عنه، إذا كان النقد أحد أدوات العلمانية كما يصرح دائماً منظروها، لماذا يتحول من وظيفته عندما يتعلق الأمر بالأديان وخصوصا الإسلام؟، فيكون التجديف حرية رأي، بينما مجرد النّقد لبعض المظاهر الحداثية، وما أفرزته من سلوكات مخالفة للفطرة الإنسانية إساءة توجب تدخل القانون لممارسة الردع في بعض الأحيان والقمع الذي يفضي إلى المحاكمات والسجن في أغلب الأحيان.
في الأسبوع الماضي وفي مؤتمر صحفي من العاصمة اللبنانية، بيروت، دافع الرئيس الفرنسي بشدة عن حرية مجلة «شارلي إبيدو» في إعادة نشر الرسوم الساخرة لسيّد الخلق محمد -صلى الله عليه وسلم –وقال: «في فرنسا هناك أيضا حرية التجديف، وعليه ومن حيث أقف، يتوجب علي حماية كلّ هذه الحريات، وعليه لا أعلق على خيار صحفي، علي أن أقول فقط إنّ الشخص في فرنسا بإمكانه انتقاد من يحكم وآخر يمكنه التجديف»، جاء هذا التصريح في وقت كانت محكمة أمريكية قد حكمت بخمسة عشر سنة على شخص قام بتمزيق علم للمثليين، لأنّه تعد واضح على حرية الآخرين، فبهذا الميزان تقوم الرؤية الغربية المستندة للعقلانية والتنوير، فتقرّ حرية التعبير في مجالها التداولي الغربي، وترفضها في حق الآخرين المختلفين حضاريا، وعليك أن تقبل هذه الرؤية لأنّها تمثل المركزية الغربية المهيمنة ثقافيا وحضاريا، منذ فرضت الامبريالية المعرفية نموذجها الابستمولوجي، القائم على المغامرة الاستدمارية للقيم الإنسانية ومجمل المنظومات الدينية، وإذا كان الإسلام اليوم يقابل بالتجديف والإساءة، فلأنه لم يخضع للترويض الذي مارسته الابستمولوجيا الغربية على الأديان الأخرى (اليهودية والمسيحية)، حتى حوّلته إلى مادة فاقدة للخصوصية الروحية، وجعلت منها مجرد امتداد لمسيرتها المعرفية الاستدمارية، وبقي الإسلام هو الدين الوحيد، الذي حافظ على نقائه الروحي من خلال نصوصه التأسيسية التي مازلت حية لغة ومدلولاً وسنداً منذ تفجر الوحي مع البعثة المحمدية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

إن لم نتجدد نتبدد…

مداني حديبي/ زيارة المكتبات ومتابعة جديدها بين الفينة والأخرى تمنحك التطوير والتجديد في كتاباتك ومحاضراتك …