الرئيسية | المرأة و الأسرة | الثقافة الاستهلاكية قضاء على الذات وهدم للحياة

الثقافة الاستهلاكية قضاء على الذات وهدم للحياة

أ. أمال السائحي /

الثَّقَافَةُ لُغَةً: يعرف العلماء الثَّقافة في اللُّغة العربيَّة على أنها لفظ مشتق من الفعل الثلاثي (ثقف) بضمِّ القاف وكسرها. وتُطلق في اللُّغة على معانٍ عدَّة، فهي تعني: الحذق، والفطنة، والذَّكاء، وسرعة التَّعلم، وتسوية الشَّيء، وإقامة اعوجاجه، والتَّأديب، والتَّهذيب، والعلم، والمعارف، والتَّعليم، والفنون. قال ابن فارس: «(ثقف) الثَّاء، والقاف، والفاء كلمة واحدة إليها يرجع الفروع، وهو إقامة الشَّيء.
قال الله تعالى: ﴿ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُون﴾[الأنفال: 57].، وثقف الرَّجل ثقافة أي: صار حاذقًا خفيفًا مثل ضخم، فهو ضخم، ومنه المثاقفة، وثقف أي: صار ثقفًا مثل تعب تعبًا أي: صار حاذقًا فطنًا، وهو غلام لقن ثقف أي: ذو فطنة وذكاء، والمراد أنَّه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه». فالثَّقافة في اللُّغة هي: الفهم، وسرعة التَّعلم، وضبط المعرفة المكتسبة في مهارة، وحذق، وفطنة.
أما الثَّقَافَةُ اصْطِلَاحًا فقِيل: هي «الرُّقي في الأفكار النَّظريَّة، وذلك يشمل الرُّقي في القانون، والسِّياسة، والإحاطة بقضايا التَّاريخ المهمَّة، والرُّقي كذلك في الأخلاق، أو السُّلوك، وأمثال ذلك من الاتِّجاهات النَّظريَّة». وقيل: «جملة العلوم، والمعارف، والفنون الَّتي يطلب الحذق بها». فالمقصود من الثَّقافة مصطلحًا يعني:(العلم الَّذي يبحث كلِّيَّات الدِّين في مختلف شئون الحياة)، فإذا وصفت بدين معين اختصَّت بكلِّيَّات ذلك الدِّين، فالثَّقافة الإسلاميَّة هي(علم كلِّيَّات الإسلام في نظم الحياة كلِّها بترابطها)
أما موضوعنا اليوم فيتحدث عن الثقافة الاستهلاكية التي تعني أن يكون المرء تابعا لغيره يقلده في كل ما يأتي ويدع، فهو لا يعمل برأيه المستقل، ولا يحتكم إلى اختياراته هو، وإنما يتبع الآخرين، ويقلدهم في مأكلهم ومشربهم وملبسهم ومسكنهم ومركبهم، وهذا الضرب من الثقافة فُرض على دنيانا هذه، عن طريق الدعاية التجارية، التي لجأت إلى استجلاب المشاهير في الرياضة والتمثيل، والتعاقد معهم لعرض مختلف منتجات شركات معينة، وإبرازها على أنها المفضلة لديهم، حتى يلتفت إليها الآخرون ممن يعجبون بهم فيقتنونها بدورهم وبذلك تضمن الرواج لسلع بذاتها.
ولعل من أخطر ما ساهمت هذه الثقافة الاستهلاكية في الترويج له، هو التمادي في تقليد الآخر إلى درجة إلغاء الذات، والاندفاع في تقليد الآخر في كل اختياراته وأنماط تفكيره وأساليب عيشه، وبذلك أصبح عالمنا يضج بكائنات غريبة عن وسطها وبيئتها وثقافاتها، كائنات مسكونة موجهة ومسيرة من قبل الغير، فهي تعيش في مكان وتتبنى ثقافة مكان آخر يبعد عنه آلاف الأميال.
وقد امتد تأثير هذه الثقافة الاستهلاكية إلى عالم الكتاب والقراءة، حيث تدخلت الدعاية التجارية لتفرض علينا الاهتمام بكتب بذاتها، والقراءة لكُتاب بعينهم، والرضوخ لهذه الدعاية التي تفرض علينا ثقافتها الاستهلاكية هذه، من شأنه أن يقضي على طول المدى على التنوع في الرؤى والأفكار والأساليب، ويصب الإنسانية في قالب واحد، وتزول معه الفوارق بين الناس وتنعدم، وهذا ليس في صالح الإنسانية واستمرارها في شيء، حيث تحتاج الحياة الاجتماعية لكي تستمر وتنمو وتتطور إلى التنوع ليصبح الإبداع ممكنا عن طريق الاقتباس والتوليد والإضافة، ولا سبيل للتقدم والتطور والرقي في مدارج الحضارة الإنسانية إلا بفضل الإبداع، وهذه هي الحقيقة التي تقف وراء كراهية الناس للنظم الاستبدادية والشمولية لكونها تسعى وتصر إلى صب الناس في قالب واحد.
وهذا ما يدعونا إلى الوقوف في وجه الثقافة الاستهلاكية بحزم وإصرار، لكونها تعارض ثقافة الاختلاف التي تشكل القاعدة الأساسية للتطور والرقي الحضاري، ونحن كمسلمين ملزمين للتمكين لثقافة الاختلاف لأن الإسلام يقرها ويدعو لاحترامها بدليل قوله تعالى:{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}[يونس/99].
ثم إن من أسوء ما تتسبب فيه هذه الثقافة الاستهلاكية أنها تحرم الإنسانية من ذلك الثراء الفكري والثقافي الذي يتولد عن التنوع الذي لولاه لما قامت للإنسان حضارة تشهد له على مر التاريخ بالعطاء الوفير، والإنتاج الغزير…

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحجاب رسالة حضارية 

الدكتورة ليلى بلخير / الحجاب الإسلامي أكبر رسالة حضارية عابرة للقارات بكل قوة وتأثير، إنّه …