الرئيسية | في رحاب الشريعة | معالجات إسلامية | جــوائـز نبـويــة… للصحابــة الكــرام

جــوائـز نبـويــة… للصحابــة الكــرام

د. يوسف جمعة سلامة* /

لقد حرص رسولنا –صلى الله عليه وسلم – على تكريم صحابته الكرام -رضي الله عنهم أجمعين-، وإعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه، هؤلاء الصحابة الكرام الذين تَرَبَّوا في مدرسة النّبوّة نشروا الإسلام عقيدة وشريعة، وحملوا لواء الدعوة الإسلامية، فدخل الناس في دين الله أفواجا، واستطاعوا خلال فترة وجيزة أن يهزموا أعظم إمبراطوريتين، فكانت القادسية وفيها الانتصار على الأكاسرة، وكانت اليرموك وفيها الانتصار على القياصرة،ومن المعلوم أن رسولنا –صلى الله عليه وسلم – كان يحرص على تحفيز الصحابة الكرام –رضي الله عنهم أجمعين – وتشجيعهم.
لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلاً يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ –رضي الله عنه – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: (لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلاً يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا أَحْبَبْتُ الإِمَارَةَ إِلاّ يَوْمَئِذٍ –قَالَ – فَتَسَاوَرْتُ لَهَا رَجَاءَ أَنْ أُدْعَى لَهَا -قَالَ – فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، وَقَالَ : امْشِ ، وَلا تَلْتَفِتْ، حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ ، قَالَ: فَسَارَ عَلِيٌّ شَيْئًا ثُمَّ وَقَفَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ، فَصَرَخَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: عَلَى مَاذَا أُقَاتِلُ النَّاسَ؟ قَالَ: قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ مَنَعُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ).
وقد جاء في كتاب (دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين): [(لأعطينَّ هذه الراية رجلاً يفتح الله على يديه) وهذه بشرى نبويّة طيِّبة، وقوله: (يحبُّ الله ورسوله)، وفي روية لمسلم أيضاً: (ويحبّه الله ورسوله)، اجتمع له هذا وهذا، محبّة الله -عزَّ وجلَّ- له، وشهدَ له النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- بمحبّته لله -تبارك وتعالى-، ومن الذي يصل إلى هذا القدر والمنزلة؟، والإنسان قد يَدَّعي شيئاً من ذلك، ولكن قد تكون حاله بمنأى عنه، ولكن حين يشهد النّبيّ -صلى الله عليه وسلم – لأحدٍ من الناس بمثل هذه الشهادة العظيمة فلا شكَّ أن هذه منقبة لا تُدانيها منقبة].
لَصَوْتُ أبي طلحةَ في الجيشِ خيرٌ مِنْ ألفِ رجلٍ
أبو طلحة الأنصاريّ –رضي الله عنه – صحابيّ جليل وفارس شجاع كما رُوي عَنْ أَنَس -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ: (لَصَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ فِي الْجَيْشِ أَشَدُّ على المشركين مِنْ فِئَةٍ)، وَرُوي عنه أيضاً أنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (لَصوْتُ أبي طلحةَ في الجيشِ خيرٌ مِنْ ألفِ رجلٍ ).
لقد أراد رسول الله –صلى الله عليه وسلم – أن يُكرم أبا طلحة الأنصاريّ –رضي الله عنه – لشجاعته ومواقفه البطولية؛ تقديراً منه –صلى الله عليه وسلم – لهذا الصحابيّ الجليل، كما جاء في الحديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ- رضي الله عنه- قَالَ: (لَمَّا رَمَى رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-الْجَمْرَةَ وَنَحَرَ نُسُكَهُ وَحَلَقَ، نَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الأَنْصَارِيَّ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الشِّقَّ الأَيْسَرَ ، فَقَالَ: احْلِقْ، فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ: اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ).
كعب بن زهير… وَبُرْدة رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

* كعب بن زهير، أبوه زهير بن أبي سلمى الشاعر الجاهلي الكبير، ولقد كان طبيعياً أن تكون نشأة كعب في أحضان والده الشاعر الكبير ووسط أسرة تقرض جميعها الشعر سبباً في أن ينظم الشعر وهو صغير، فقد ورث موهبة الشعر عن والده فهو شاعر موهوب، أجمع النّقاد والأدباء على أنه من أعظم شعراء عصره، كما أثّرت هذه النشأة في أخيه «بُجَيْر» الذي أخذ الشعر أيضا عن أبيه.
ولإسلام كعب قصة ترويها كتب السيرة والتاريخ، فعندما جاء الإسلام أسلم أخوه «بُجَيْر»، وبقي كعب على وثنيته، ووقف في الجبهة المعادية للرسول-صلى الله عليه وسلم – ولرسالته وللمؤمنين به، ولم ينجُ بُجَيْر بسبب إسلامه من لسان كعب، فهجاه لخروجه على دين آبائه وأجداده، وردَّ عليه بُجَيْر وطالبه باتباع طريق الهدى لينجو بنفسه من نار جهنّم، لكنَّ كعباً عانَدَ وظلَّ على وثنيته إلى أن فُتحَتْ مكة، [فكتب بُجَيْر بن زُهير إلى أخيه كعب يخبره: أن رسول الله –صلى الله عليه- وسلم قتل رجالاً بمكة، مِمَّن كان يهجُوه ويُؤْذِيه، وأنَّ مَنْ بَقِيَ مِنْ شعراء قريش: ابنَ الزَّبَعْرَى وهُبَيرة بن أبي وهب: قد هربوا في كل وجه ، فإن كانت لك في نفسك حاجة فَطِرْ إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم -، فإنه لا يقتل أحدًا جاءه تائباً مسلماً، وإن أنتَ لم تفعل فانْجُ إلى نجاتك.
فلما بلغ كعباً الكتابُ ضاقت به الأرض، وأشفق على نفسه، وأرجف به مَنْ كان في حاضره من عدوه، فقال: هو مقتول، فلمّا لم يجد من شيء بُدًّا، قال: قصيدته التي يمدح فيها رسول الله –صلى الله عليه وسلم – ويذكر خوفه وإرْجَافَ الوُشَاةِ به من عدوه، ثم خرج حتى قدم المدينة، فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جُهينة، فَغَدا به إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم – حين صلّى الصبح، فصلّى مع رسول الله، ثم أشار إلى رسول الله، فقال: هذا رسول الله، فقُمْ إليه فاسْتَأْمِنْه، فقام إلى رسول الله ، حتى جلس إليه، فوضع يده في يده، وكان رسول الله لا يعرفه، فقال: «يا رسول الله، إنَّ كعب بن زهير قد جاء ليستأمنك تائباً مسلماً، فهل أنت قابل منه، إِنْ أنا جئتُك به؟ قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: نعم، قال: أنا، يا رسول الله كعب بن زهير».
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قَتادة: «أنه وَثَب عليه رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله، دَعْنِى وعَدُوَّ الله أضرب عُنُقه، فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم -: دعْهُ عنك ، فقد جاء تائباً ، نازعاً عمَّا كان عليه «] وبين يدي الرسول- صلى الله عليه وسلم – وقف كعب ينشد قصيدة من أروع ما قيل في الاعتذار وطلب الصّفْح، حتى وصل إلى مدح الرسول –صلى الله عليه وسلم – فيها بقوله:
إنّ الرَّسُـولَ لَنُــورٌ يُسْتَضَــاءُ بِهِ مُهَنَّدٌ منْ سيـوفِ اللهِ مَسْلُـولُ
فَأُعِجْبَ الرسول –صلى الله عليه وسلم – بهذه القصيدة، «ورمى عليه-صلى الله عليه وسلم – بردة كانت عليه، وإنّ معاوية بذل له فيها عشرة آلاف، فقال: ما كنتُ لأوثر بثوب رسول الله –صلى الله عليه وسلم – أحداً، فلما مات كعب بعث معاوية إلى ورثته بعشرين ألفاً وأخذها منهم، وهي البردة التي عند السلاطين إلى اليوم».
عبد الله بن أُنيس… وعصا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –

كان –صلى الله عليه وسلم – جالساً مع أصحابه –رضي الله عنهم أجمعين – وفي ذلك الوقت كان أحد رجالات الجاهلية وهو خالد بن سفيان الهُذَليّ يجمع المقاتلين كي يقضي على الدولة الإسلامية الفتية في المدينة المنورة،ووضع –صلى الله عليه وسلم – جائزة قَيّمة لمن يقتل خالداً الهُذَليّ، فكانت الجائزة من نصيب الصحابي عبد الله بن أُنيس، كما جاء في الحديث:(عن عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُنَيْسٍ –رضي الله عنه- قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ خَالِدَ بنَ سُفْيَانَ بنِ نُبَيْحٍ الهُذَلِيِّ يَجْمَعُ لِيَ النَّاسَ لِيَغْزُوَنِي وَهُوَ بعُرَنَةَ، فَأْتِهِ فَاقْتُلْهُ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْعَتْهُ لِي حَتَّى أَعْرِفَهُ، قَالَ: إِذَا رَأَيْتَهُ وَجَدْتَ لَهُ أُقْشَعْرِيَرَةً، قَالَ: فَخَرَجْتُ مُتَوَشِّحًا بِسَيْفِي حَتَّى وَقَعْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ بعُرَنَةَ، مَعَ ظُعُنٍ يَرْتَادُ لَهُنَّ مَنْزِلاً، وَحِينَ كَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ وَجَدْتُ مَا وَصَفَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -مِنَ الأُقْشَعْرِيرَةِ، فَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُ وَخَشِيتُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مُحَاوَلَةٌ تَشْغَلُنِي عَنِ الصَّلاةِ، فَصَلَّيْتُ وَأَنَا أَمْشِي نَحْوَهُ أُومِئُ بِرَأْسِي الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، قَالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ سَمِعَ بِكَ وَبِجَمْعِكَ لِهَذَا الرَّجُلِ، فَجَاءَكَ لِهَذَا، قَالَ: أَجَلْ، أَنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ شَيْئًا حَتَّى إِذَا أَمْكَنَنِي حَمَلْتُ عَلَيْهِ السَّيْفَ حَتَّى قَتَلْتُهُ، ثُمَّ خَرَجْتُ وَتَرَكْتُ ظَعَائِنَهُ مُكِبَّاتٍ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَرَآنِي، فَقَالَ: أَفْلَحَ الْوَجْهُ، قَالَ:قُلْتُ: قَتَلْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: ثُمَّ قَامَ مَعِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَدَخَلَ فِي بَيْتِهِ فَأَعْطَانِي عَصًا، فَقَالَ: أَمْسِكْ هَذِهِ عِنْدَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بنَ أُنَيْسٍ، قَالَ: فَخَرَجْتُ بِهَا عَلَى النَّاسِ، فَقَالُوا: مَا هَذِهِ الْعَصَا؟ قَالَ: قُلْتُ: أَعْطَانِيهَا رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَمَرَنِي أَنْ أمْسِكَهَا، قَالُوا: أَوَلا تَرْجِعُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَتَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ أَعْطَيْتَنِي هَذِهِ الْعَصَا؟ قَالَ:آيَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ أَقَلَّ النَّاسِ الْمُتَخَصِّرُونَ يَوْمَئِذٍ، قال: فَقَرَنَهَا عَبْدُ اللَّهِ بِسَيْفِهِ، فَلَمْ تَزَلْ مَعَهُ حَتَّى إِذَا مَاتَ أَمَرَ بِهَا فَضُمَّتْ مَعَهُ فِي كَفَنِهِ، ثُمَّ دُفِنَا جَمِيعًا ).
هذه بعض الجوائز التي قدّمها –صلى الله عليه وسلم – لأصحابه، فرسولنا –صلى الله عليه وسلم – لم يُمَنِّ صحابته الكرام بشيء من متاع الدنيا، إنما مَنَّاهم بجنّة عرضها السموات والأرض.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا والمسلمين الجنّة ونعيمها وما يقرّب إليها من قولٍ أو عمل.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 

* خطيب المسـجد الأقصى المبـارك
وزير الأوقاف والشئون الدينية السابق
www.yousefsalama.com

عن المحرر

شاهد أيضاً

كلنا فداك يا رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم –

د. يوسف جمعة سلامة* / يقول الله سبحانه وتعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ …