الرئيسية | بالمختصر المفيد | المعركة مستمرة…/كمال أبو سنة

المعركة مستمرة…/كمال أبو سنة

إن الماضي الاستعماري البغيض الذي صنعته فرنسا العجوز بقتل الملايين من الجزائريين الأبرياء، ونهب ثروات الجزائر طيلة قرن وثلاثين سنة ما نزال نتجرع مرارته إلى يوم الناس هذا، والأخطر من هذا وذاك كله أنها سعت لفصل الجزائر عن هويتها العربية الإسلامية بكل الوسائل الشيطانية، فلوثت اللسان والعقل، ثم خرجت من أرض الجزائر الطاهرة مرغمة بعد محاولات يائسة للبقاء بسبب ضربات المجاهدين المؤمنين الموجعة، إلا أنها كعادة الأبالسة الماكرين لم تخرج حتى تركت من خلفِها “شبه جزائريين”…! يتكلمون بلسانها، ويفكرون بعقلها، ويحبونها كـ”حب الله أو أشد”، عملوا على إتمام مسيرة فرنسا ورسالتها بإخلاص وإتقان، فحققوا لها في”الاستقلال” ما عجزت هي عن تحقيقه أيام الاستدمار، فأي الفريقين أكثر إجراما في حق الجزائر وشعبها؟!

إنها استراتيجية الجنرال “ديغول” التي وضعها قبل الانحناء للثورة المؤمنة، ليستمر وجود فرنسا بعد الاستقلال من خلال أجساد جزائرية تحمل روحَ فرنسا، أو مسكونة بعفريت من الشياطين يُسمى فرنسا، فقال كما جاء في مذكراته (الأمل):

“…هل يعني هذا أننا إذا تركناهم يحكمون أنفسهم يتحتم علينا التخلي عنهم بعيدين عن أعيننا وقلوبنا!؟ قطعا لا! فالواجب يقتضي منا مساعدتهم لأنهم يتكلمون لغتنا، ويتقاسمون معنا ثقافتنا“…

ثم يقول في مكان آخر من مذكراته:

ستبقى الجزائر فرنسية من عدة أوجه، وستحافظ على الطابع الذي اكتسبته مثلما احتفظت فرنسا بالطابع الروماني…تلك هي إستراتيجيتي التي انتهجتُها في سياستي“.

وهذا ما تفطن له بعض كبار قادة الثورة أيام الجهاد المبارك، فحاولوا ما استطاعوا أن يعدُّوا للجزائر رجالا يخوضون بعد الاستقلال معركة التصدي للغزو الثقافي والخيانة الفكرية التي تولى كبرها رجال فرنسا في الجزائر المستقلة…

روى شيخنا محمد الصالح الصديق-أطال الله عمره- في كتابه عن المجاهد البطل الشهيد العقيد عميروش أنه قال له مرة وهو يودعه الوداع الأخير:(” إن الجزائر ستستقل بحول الله، واستقلالها هو هدف الجميع الذي يجب أن نبذل من أجله كل ما نملك من غال ونفيس، ولا يجوز أن يشغلنا عنه أي شاغل سواء أكان داخل الجزائر أم خارجها”.

ثم أخرج ساعة من جيبه فضبطها على ساعته فأهداها إليَّ قائلا:” خذها لتعدّ بها أيام الاستعمار الباقية في الجزائر وهي قليلة، وبعد الاستقلال سنخوض معركة أخرى من أجل قيمنا وإسلامنا ولغتنا العربية، فذلك هو الجهاد الأكبر”).

يقول المفكر المؤمن مالك بن نبي –رحمه الله- في كتابه (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي):

لقد أحدث الاستعمار العديد من الظواهر، ومن بينها ظاهرة خاصة نتيجة للظواهر السابقة وهي ظاهرة الازدواج اللغوي التي ترك أثرها ومفعولها المباشر على الظواهر الثقافية في البلاد، ونذكر نموذجين للازدواج اللغوي تركه الاستعمار وما يزال قويا إلى الآن (1970) وأول هذه البلدان مصر: حيث اللغة الإنجليزية تؤثر وتستحوذ على ميدان حي من العمل الفكري في المجال الجامعي حيث التدريس من المواد العلمية بها.

غير أن هذه الازدواجية لا نجد لها أثرا إلا في المجال الفكري العالي والثقافة الراقية لطبقة عليا في المجتمع…والبلد الثاني الذي يعيش الآن ازدواجية لا مثيل لها في العالم هو الجزائر، حيث إنها لم تتوقف عند حد المجال الفكري الجامعي، وإنما امتدت إلى كل المجالات الحيوية الأخرى والحياة اليومية للمجتمع، والازدواج هنا أخطر بكثير لأنه ازدواج شعبي على مستوى القاعدة العريضة للمجتمع!).

إن الجزائر التي ضحى من أجلها الملايين من الشهداء لن تقف الند للند ضد فرنسا كما كانوا يحلمون إلا حينما تتطهر أرضها من بَـيْضِ فرنسا الذي تركته في الجزائر قبل فرارها منها مدحورة، ولن يكون ذلك إلا بجهاد فكري وثقافي من رجال مخلصين يتبنون الوطنية مع الإسلام عقيدة يواصلون مسيرة التنوير بعد التحرير، لينتصروا في معركة الهوية، ويحق لنا أن نغني بعد ذلك:” يا محمد مبروك عليك الجزاير رجعت ليك”.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

لكم الله أيها الفلسطينيون…/كمال أبوسنة

إن مأساة الشعب الفلسطيني التي تزداد تفاقما كل يوم، دليل على موت الإنسان في أنفس …