أخبار عاجلة
الرئيسية | شؤون اقتصادية | الدجـــل السياســــي باســـم الاقتصـــاد الإســـلامـــــي

الدجـــل السياســــي باســـم الاقتصـــاد الإســـلامـــــي

عز الدين مصطفى جلولي *

ليعلم أن الاقتصاد الإسلامي كالفريك لا يقبل الشريك، وليس الاستنجاد به بنافع إذا لم تتوافر النية الخالصة لتطبيقه والامتثال التام بتعاليمه.
عندما حدثت الخضات المالية العالمية في بدايات هذا القرن، تدارس علماء الاقتصاد الغربيون نماذج التعاملات المالية فوق البسيطة، فألفَوا في النظرة الإسلامية للمال معتصما من الانزلاقات الرأسمالية. ولأن الإنسان الغربي نفعي بطبعه، فقد درس فقه المعاملات عند المسلمين عن كثب وخصص له مقاعد في كبرى جامعاته، من دون أن يثير فضل الإسلام على غيره في هذا الميدان، استجابة لما يختزن من كفر بالملة وعداوة تاريخية دفينة لا تخطئها العين.
غير أن العقل الغربي أخذ مجتزئا من الاقتصاد الإسلامي بعض مبادئه وأدرجها في كليات علم الاقتصاد الغربي وجزئياته، مدفوعا بحكم الضرورة لا غير. ولا أحسبه موفقا في عصمة معاملاته المالية من هزات قادمة لا محالة؛ لأن مَعلمين أساسيين في التعاملات المالية الإسلامية غائبان في النظام المالي الغربي الجديد، هما ارتباط المال بخالقه، وما يترتب على ذلك من تسليم بتعاليم منزلة في التعامل مع المال هي من مقتضيات الإيمان بالله والرسول عند المسلمين، تشكل وقيم الغرب مفترق طرق، لا يسع الغرب الالتفاف فيها عما يؤمن وإلا فقد أسلم أمره لله.
أما المعلم الثاني فحرمة العدوان والاستغلال في المعاملات المالية، والربا صورة من أبشع صور هذا التعدي، لا ينفصم عنه مفهوم المعاملة المالية في الفكر الاقتصادي الغربي، كما لا يمكن فك التلازم فيه بينه وبين الاستثمار وإلا فقد تم القضاء على خصوصية الرأسمالية ابتداء، ومن ثم ستتداعى باقي المفاهيم الغربية للمال لتصير تلك المجتمعات في مهب الفوضى، عارية أمام العالم الشرقي بشتى قيمه المتباينة، ما يحيله عرضة للانخساف إلى هذا الفلك أو ذاك، سيكون أقواها جذبا الإسلام بلا ريب؛ وساعتذاك ستحوم بشائر السعد على الغرب، وسيحلّ على أزماته الاقتصادية التي تترى الفرج القريب، وذلك رجاء ليس على الله بعزيز.
أصيبت الجزائر وكثير من دول الشرق المسلمة بالبوار، فأنظمتهم السياسية تدرك أهمية الإسلام في حياة الشعوب التي تحكمها، لكنها تنكفئ عنه وجلا من زوال السلطة عنها، لكونها تفتقد الشرعية والمشروعية معا. وقد أضحت محرجة من شعوبها وهي تبصر كيف استلهم الغرب، وهو مثلها الأعلى، من دينها ركائز ابتغاها لنظامه المالي كانت هي أحرى بها. فلا الغرب إذن أخذ بالنظام المالي الإسلامي كله فدخل به في الإسلام، ولا قادة المسلمين استمتعوا بعدالة النظام المالي في الإسلام وأمتعوا شعوبهم به؛ فبقي الجميع شرقا وغربا في منزلة بين المنزلتين، لا يعلم أحد كيف ستتصرف الأقدار في كلا الفسطاطين، إلا بما أخبرنا الله عز وجل به من ضنك في العيش سيصيب هؤلاء وأولئك، جراء ما في قلوبهم من توجس وكفر بما نصت عليه الرسالة المنزلة من براءة في آخر خطاب إلاهي للإنسانية.
يتداول مسوقو السياسات الراهنة في الجزائر أهمية الاقتصاد الإسلامي في «استرجاع» أموال تقدر بالمليارات يتداولها الشعب خارج المعاملات الرسمية، كفيلة بحفظ التوازن في موازنة الحكومة. ويزعم هؤلاء أن فتح نوافذ في البنوك الرسمية الربوية ستشجع الجزائريين على إيداع ما يمتلكون في تلك المؤسسات على صورة ادخار أو وديعة أو غير ذلك، بدلا من استبقائها مكتنزة في الجيوب محرومة من الاستثمار. بالإضافة إلى كون المعاملات المصرفية الإسلامية آمنة بالمقارنة مع غيرها في زمن الأزمات والجوائح، وما إلى ذلك من حجج ظاهرها حق وباطنها خلاف ذلك.
مقولة استرداد أموال غير مصرح بها فيها ظلم وتجن، فالمال العام والخاص كله ملك لله في يد الشعب، ولا يعني عدم التصريح به أنه غير مشروع وبالتالي يحق للسلطة استرجاعه للخزينة العمومية بهذه الطريقة أو تلك. ولحكمة ما تمنّع الشعب الجزائري من التصريح بما لديه من منقولات وعقارات ونقود خوفا من استحواذ سلطته عليها في منعرج من المنعرجات المعروفة عنها. كما أن الشعب الجزائري ينكر على السلطة استفرادها بالاحتياطي النقدي المتهاوي وينقم عنها تصرفها فيه كما تريد وترغب، نأيا بهذا المال عن مستحقيه الحقيقيين الذي يدركون إدراكا واعيا سبل استثماره في الداخل أفضل من إيداعه في الخارج لدى بنوك أمريكية مرابية، لقاء حاجة في نفس النظام يروم قضاءها، تكشّفت إبان الحراك الجاري، كانت عناوينها البارزة النهب والتبذير والارتشاء لضمان البقاء في الحكم.
إن المزاوجة في السوق المالية بين ما هو مشروع وبين ما هو غير مشروع، كطريقة فتح نوافذ للمعاملات المصرفية الإسلامية داخل البنوك الربوية، يعد استهزاء بالإسلام واستخداما له في أغراض دنيوية نفعية، لا تراعي طهارة المعاملة المالية في الدين ونجاسة المعاملة الرديفة في غيره؛ وهذا إن طبق سيكون تشويها للنظامين الماليين معا لا تنويعا. ناهيكم أن الدوافع من وراء هذه الإجراءات المنوي اتخاذها غير نابعة من عقلية متعبدة، مذعنة لأوامر المعبود ومنتهية عن محارمه، مراعية لطبيعة المال، الذي هو بالنهاية مخلوق من مخلوقات الله، إن لم تحترم خصائصه الفطرية فلن يستجيب للنماء بقوة ما استودع فيه خالقه من بركة؛ وبالتالي افتقد القائمون على السياسة الاقتصادية في خططهم كلها شرطي الإخلاص لله تعالى والامتثال التام لتعاليمه؛ وذلك هو الرهان المصيري، ما انفكت الرسالات السماوية تذكر به البشرية قاطبة، وتنذرها مغبة الاستهتار به، وإلا فقد خلت في قصص الحضارات الغابرة كثير من المثلات.
* أستاذ جامعي – بجاية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

صـــيـــغ الــتمـويـــل فـــي بنــك الســـلام الجــزائــــر

1/ المرابحة للواعد بالشراء هي عملية شراء المصرف لأصول منقولة أو غير منقولة بمواصفات محددة …