أخبار عاجلة
الرئيسية | غير مصنف | من ذكرياتي التاريخية في الثانوية الإبراهيمية في القدس الشريف

من ذكرياتي التاريخية في الثانوية الإبراهيمية في القدس الشريف

باريس/سعدي بزيان /

 

شاءت لي الظروف أن أقضي العام الدراسي 1961 – 1962 في القدس الشريف في الثانوية الإبراهيمية صحبة 3 زملاء : محمد الصالح ملوح ضابط سابق في جيش التحرير وعمار نزار، ورشيد عدنان كانا قد درسا في ثانوية الشويخ بالكويت، والتحقا بالقدس لإنهاء التعليم الثانوي في الثانوية الإبراهيمية بالقدس وكنا نسكن في بيت حنينا بعيدا عن القدس الشريف بحوالي 9 كيلومتر، وقد تكفل صاحب شركة النقل بنقلنا مجانا طيلة وجودنا في الأردن تقديرا للجزائر وثورتها، وكانت لنا فرصة خلال وجودنا في القدس أن نزور كل مدن الضفة الغربية : قلقيلية، طولكرم، نابلس، الخليل، بيت لحم، كنيسة المهد حيث ولد المسيح وأريحا بالإضافة إلى عمان عاصمة المملكة الأردنية، وكانت الضفة الغربية في ذلك التاريخ جزءا من المملكة الأردنية، وكان ممثل الجزائر في عمان المناضل والشخصية التاريخية عبد الرحمن بلعقون وكان لنا رحمه الله بمثابة الأب، وحرمه مثل الأم لجميع الطلبة الجزائريين في المملكة المدنيين والعسكريين منهم، وكان زملاؤنا في الثانوية الإبراهيمية من الأردنيين والفلسطينيين بمثابة إِخْوَة، وإِذا كنت قد قضيت 3 سنوات في دمشق قبل حضوري إِلى القدس فإِن سنة القدس تحتل في نفسي مكانة خاصة فلطالما صليت في المسجد الأقصى وخاصة أيام الجمعة، وصلاة العصر بعد خروجي من الثانوية وأذكر أنه حصل في يوم من الأيام، وكنا نحن الطلبة الأربعة نتجول في القدس ونتحدث مع بعضنا بلهجتنا الجزائرية، وسمع شخص وقف أمام محله وهومحل للتصوير، ولم يفهم ماكنا نقول – وبادرنا بالسؤال من أنتم؟ قلنا نحن جزائريون، أقسم بأغلظ الإيمان أنه لن يتركنا نواصل سيرنا حتى يأخذ لنا صورة تذكارية، وأقسم أنه لأول مرة في حياته وعلى قدر ما قرأ وسمع عن الجزائر أن يلتقي بالجزائريين وجها لوجه – وقد علق هذه الصورة في واجهة المحل تقديرا للثورة الجزائرية، والحق أقول – أنهم وقد بالغوا في إِكرامنا تقديرا للثورة الجزائرية، كما دعانا شخص من أصل جزائري ومن منطقة القبائل لزيارته في بيت لحم حيث كنيسة المهد أين ولد المسيح عليه الصلاة والسلام، قصة هذا الشخص غريبة، فهوقد تربى في بيئة مسيحية فتمسح وتزوج بامرأة مسيحية، وله أبناء وبنات مسيحيات وبعد قيام الثورة الجزائرية أدرك بحكم ثقافته العربية والإنجليزية حيث كان مديرا لثانوية إنجليزية أن الجزائر سكانها مسلمون، ولابد أن يعود إِلى أصله كجزائري مسلم، ولكن كيف، وما مصير أولاده؟ وعندما كنا في ضيافته فاتح زوجه في شأن تزويج أحد بناته لواحد من الشباب الجزائري الموجود في المملكة الأردنية فكان جوابها :
الرفض التام، وبقيت على دينها المسيحي أما هوفقد أكد لي أنه يقرأ القرآن سرا دون أن تراه زوجته المتعصبة، وأعترف بأن أهم سنة قضيتها في حياتي في الشرق العربي تلك التي قضيتها مع زملائي الطلبة الفلسطينيين في القدس، أو في عمان التي كانت هناك دارا للجزائريين يأوي إليها الطلبة عند زيارتهم لعمان العاصمة، وكانت عائلة الشيخ سي عبد الرحمن بلعقون بمثابة أم لهم، كما كان الشيخ سي عبد الرحمن أبا للجميع كما ذكرت وهومن أبرز وأخلص الشخصيات الوطنية الجزائرية.

  • الطلبة الجزائريين الثلاثة

في القدس ورابعهم سعدي بزيان

 

 

وأذكر أن صاحب البنك العربي الذي يملكه رجل الأعمال الفلسطيني شومان عبد الحميد، وهناك اليوم مؤسسة تحمل اسمه، قد تولى تدريب اثنين من طلبتنا في دمشق في مصرفه ليكونوا ممثلين لمصرفه، غداة الإستقلال، وهما محمد مهدي رحمه الله، المحامي سابقا وعلي عمار لعور المحامي هو الآخر، أطال الله عمره وهو حاليا متقاعد، وقد حل مكانه ابنه وحاول صاحب البنك العربي فتح فرع له غداة استقلال الجزائر، عهد بن بلة، الذي تبنى النظام الاشتراكي وتشاء الأقدار أن يكون اليوم للبنك العربي فرعان في الجزائر أحدهما في ساحة الأمير عبد القادر بالجزائر العاصمة، وأذكر أنني في شهر رمضان، كثر ترددي على المسجد الأقصى ولطالما شاركت الشيخ عبد الرحمن بلعقون صلاة الجمعة في المسجد الأقصى وعندما أكون في عمان يأخذني معه في زيارته الرسمية، وكانت تربطني وإِياه علاقات حميمة وحتى عندما عاد إلى الجزائر زرته أكثر من مرة في منزله” بالغولف ” وهويعيش فريدا في منزله بعد أن فقد زوجته وتخلى عن ابنه الذي رباه وليس ابنه الحقيقي وكنا نسمي الشيخ سي عبد الرحمن أبوصلاح وقد خلف وراءه عده كتب ومذكراته ووهب داره لمدرسة قرآنية فرحمه الله وقد ذكره عيسى سعد في مذكراته، وأشاد بنضاله .
صوت جزائري في القدس الشريف
تعرفت وأنا طالب في الثانوية الإبراهيمية في القدس الشريف بالأستاذ مسعود مجاهد وزرته في مكتبه حيث يمارس المحاماة وهو فعلا ظاهرة جزائرية قلما تتكرر إِذ استطاع في فتره قصيرة أن ينسج علاقات قوية مع شخصيات في الحكم، وأن يتمتع بشهرة وسمعة طيبة لدى الأوساط السياسية في المملكة الأردنية وأن ينشر عدة كتب عن الثورة الجزائرية وساعده على ذلك تمكنه من اللغة الفرنسية وقد خصص 50 بالمائة من مبيعات كتبه لفائدة الثورة الجزائرية ويتولى شخصيا توزيع كتبه في الثانويات، ونالت إِقبالا واسعا بفضل سمعة الثوره الجزائرية وأذكر أنه في يوم من الأيام أوقفت وزارة التربية الأردنية منحة الطلبة الجزائريين الدارسين في المملكة ولا نعرف السبب وقام ممثل الجزائر المرحوم الشيخ عبد الرحمن بلعقون باتصالات مباشرة مع وزير التربية دون جدوى وما علينا إِلا الإتصال بالأستاذ مسعود مجاهد المحامي بالقدس وجاء إِلى عمان العاصمة، واقترح علينا أن نذهب معه كوفد مع مجموعة من الطلبة الجزائريين وتوجهنا مباشرة إِلى وزارة التربية ودخلنا معه إلى مكتب الوزير الذي تفاجئ بهذا الوفد المصحوب بالمحامي الأستاذ مسعود مجاهد ولم نخرج من مكتب الوزير إلا وتمت تسوية قضية المنحة مع إضافة بدلتين من القماش الإنجليزي الرفيع لكل طالب تبرعت بها وزارة التربية الأردنية لفائدة الطلبة الجزائريين بفضل مساعي مسعود مجاهد الذي التجأ إِلى الأردن بعد مدة قضاها كمترجم في مصلحة الإستعلامات المصرية في القاهرة حيث تولى ترجمة عدة كتب ودراسات عن الثورة الجزائرية بالإشتراك مع هيئة المترجمين في المصلحة، وغداة الإستقلال انقطعت العلاقات بيننا وبلغني أنه افتتح مكتبا للمحاماة في العاصمة كمدافع شرعي أمام المحاكم، وقد توفي بعد ذلك رحمه الله وأخبرني ذات يوم د. تابليت بأنه درس مع الجنرال مجاهد بن مسعود في الأردن، رحمه الله وجزاه على ما بدل من مجهود في سبيل الثورة والجزائر معا – فكان فعلا صوتا جزائريا في القدس ولطالما زرته في مكتبه وكان خير عون لطلبتنا في القدس رحمه الله.

عن المحرر

شاهد أيضاً

كلمة حق وعرفان ..

  حاتم غندير / أعرف أنكم تدركون وتقدرون ما تقوم بها الطواقم الطبية في مواجهة …