الرئيسية | القضية الفلسطينية | أمريـــكــــا تــتــــأوه

أمريـــكــــا تــتــــأوه

أ. محمد الحسن أكيلال/

انكماش اقتصادي بنسبة 35 %
لقد بدأ الانهيار الاقتصادي في أمريكا منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي، في الحقيقة الانهيار طال النظام الرأسمالي في كل العالم، والغربي بصفة خاصة، ما جعل كبار المفكرين الاستراتيجيين المعروفين يفكرون في تأسيس الثلاثية للتدخل العاجل لإجراء عملية جراحية لتشبيت هذا النظام وإضافة مدة زمنية لعمره تتراوح ما بين نصف قرن وقرن إن أمكن.
هؤلاء الثلاثة، سبق لي أن تحدثت في مقالات عديدة سابقة حول جهودهم، بل ونجاحهم النسبي في وضع استراتيجية جديدة لإنقاذ هذا النظام الجائر المفلس والمفلس لكثير من الدول الذي فرض عليها شروط مؤسساته المالية كصندوق النقد الدولي والبنك العالمي.
ولأن المرض مزمن والعجز مس كلّ أعضاء الجسم، لأنّ الانهيار هيكلي قبل كلّ شيء له أسبابه وعوامله العديدة التي لا يسع المقال لحصرها، فقد مدد العمر بالقوة الغاشمة بما لسلطة الدولار من نفوذ وتأثير على دول العالم التي رضخت لابتزازه واحتياله لكن ما بني على باطل فهو باطل، إذ سرعان انكشف كلّ شيء حين حاصر وباء كوفيد 19 الولايات المتحدة الأمريكية فأوقف فيها كلّ حركة في البر والبحر والجو، وأغلق المصانع وسرح العمال ورفع نسبة البطالة والفقر فأوصل الكساد إلى أعلى نسبة في تاريخ النظام الرأسمالي حتى سمي الكساد الأكبر.
بقي من الثلاثة الذين أسسوا الثلاثية الصهيوني من الأصل الألماني “هنري كيسنجر” بعد رحيل كل من “بريزنسكي” و”روكفيلر” وهو عن كبر سنه ما زال متعنتا لا يقبل أن تنتقد إدارة بلاده ولو كان الذي يرأسها رجل مثل “ترمب” المعروف لدى النخبة الأمريكية أنه أمي لا يفهم شيئا من تلك الاستراتيجية التي صاغها مع رفيقيه لإنقاذ أمريكا والنظام الرأسمالي.
أما الآن وقد صلت الأوضاع إلى ما وصلت إليه اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، حيث باتت أمريكا منذ تولي “ترمب” الرئاسة تعزل حتى من طرف حلفاءها التاريخيين بسبب طيشه وتهوره وانتصاره لآرائه حتى ولو كانت ضد مصالح بلاده الحيوية والاستراتيجية، المهم عنده هو تأمين الدولة العبرية ولو على حساب تأمين شعبه ووطنه ضد وباء الكورونا الذي أصبح يحصد الأرواح بالآلاف ويصيب بالعدوى مئات الآلاف، والشوارع ضاقت بالمتظاهرين الذين يطالبون بتغيير النظام العنصري الصهيوني وعدم تمكين “ترمب” من الفوز في الانتخابات الرئاسية القادمة.
الخيانة العربية لإنجاح “ترمب” في الانتخابات
بعد اتضاح الصورة لدى المجتمع الأمريكي وارتفاع منسوب الحظ لصالح المنافس لـــ “ترمب” “جون بايدن” مرشح الحزب الديمقراطي المناهض للعنصرية والمؤيد لاتفاق إيران النووي و إقامة الدولة الفلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967، ها هو الرئيس “ترمب” ومن ورائه حزبه الجمهوري والصهاينة والإنجيليون يصعدون الحملة ولو على حساب الديمقراطية واحترام القانون والدستور، حيث كلف وزير الخارجية “بومبيو” بزيارة إلى منطقة الشرق الأوسط بدأها بالقدس الغربية لإقناع “نتانياهو” بقبول الشرط الإماراتي المتمثل في شرائها لطائرات “ف 35” التي ترفض دولة الكيان الصهيوني بيعها لغيرها وخاصة الدول العربية، وقد طمأن “بومبيو” مضيفه بالتأكيد على أن الدولة الأمريكية ستبقي وتحافظ على التفوق العسكري لكيانه إلى الأبد.
“بومبيو” بعد “تل أبيب” قرر الطيران إلى الخرطوم ّلإقناع حكامها باتباع الإمارات في التطبيع لتحذو حذوها دول عربية أخرى، كل هذا لتستعمل هذه الزيارة في الحملة الانتخابية للرئيس “ترمب”، إنه قمة الاستهانة بالرأي العام الأمريكي والعالمي، بحيث تستعمل أموال الخزينة في هذه الحملة، أكثر من هذا وهو رئيس للجمهورية يقوم يوميا بحملته الانتخابية باستعمال وسائل الإعلام العمومية و منصبه الرئاسي ويصرح مسبقا بأنه إذا لم يفز فإن ذلك سببه التدخل الصيني والروسي والإيراني لتزوير الانتخابات.
أهم أوراق القوة التي بين يدي “ترمب” قرار الإمارات التطبيع مع إسرائيل ومساومة ولي العهد السعودي بضمان تولي العرش والسودان بمساعدات مالية لتسهل العملية على البحرين و سلطنة عمان والمغرب الأقصى.
إنّ الخيانة العربية للقضية الفلسطينية أغلى هدية منهم لكل من “ترمب” و”نتانياهو” لفوزهما في الانتخابات وإنقاذهما من المحاكمة، والغريب أن هذا الأخير لا يكتفي بهذا بل تعداه إلى تشديد الحصار البحري ومنع صيادي غزة من الصيد والقيام بغارات جوية وقصف المنشآت القاعدية الباقية في القطاع وإغلاق معبر أبو سالم التجاري وقطع الكهرباء بعد منع نقل الوقود إلى القطاع رغم حاجة السكان في ظروف جائحة كورونا للكهرباء في المستشفيات.
فليفعل “ترمب” وحزبه ما يشاء، يمكن له إنقاذ نفسه في الانتخابات بالوسائل والطرق التي لم تكن جديدة في الإدارة الأمريكية تحت قيادة الحزب الجمهوري اليميني، لكنه لن يستطيع أن ينقذ بلاده مما هي فيه من كارثة اقتصادية ما انفكت تتفاعل وتزداد باطراد على مر الأيام تحت ضغط كارثة أخرى أشد إيلاما تتمثل في وباء كوفيد 19 لتتظافر الكارثتان لتأزيم الوضع السياسي والاجتماعي الذين ينذران بانفجار حرب أهلية وشيكة.
أمريكا الآن تتأوه من شدة الآلام، لكن لم تمتد إليها حتى الآن أية أيد لأطباء مهرة لإنقاذها لأنهم ببساطة لا يوجدون حاليا.

عن المحرر

شاهد أيضاً

أكثر من مليون توقيع خلال ساعات على «ميثاق فلسطين» الرافض للتطبيع

فيما تتواصل ردود الأفعال الرافضة لاتفاقيتي التطبيع بين أبو ظبي والمنامة ودولة الاحتلال لاسيما في …