الرئيسية | اتجاهات | لـمســـــات إيمــــانيــــة

لـمســـــات إيمــــانيــــة

عبد العزيز كحيل /

تعالوا نؤمن بربنا ساعة، تعالوا نذكّر بعضنا بما يرقق قلوبنا وينفعنا بين يدي ربنا، تعالوا ننعتق قليلا من ربقة الدنيا وسلطان المادة، فما أحوجنا إلى التذكير والمحاسبة.
أين نحن من أنين المذنبين؟
ما بالنا نتصرف كأننا اجتزنا الصراط ونضحك كأننا ضمنا لأنفسنا الجنة ويطول أملنا في الدنيا كأن الموت لا يترقبنا؟ ما بالنا ننسى ذنوبنا ونحن لا نكاد نقلع عنها؟ هل نسينا قول الله {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا}؟ هل نبكي على أنفسنا وتفريطنا في جنب الله وقلة زادنا؟ هناك من يبكي على فريق خسر مباراة وعلى موت فنان وعلى فراق حبيب… لا بأس لكن البكاء على مصيرنا أولى من كل هذا… هل نعرف شيئا اسمُه أنين المذنبين؟ يقول ابن القيم:» أنين المذنبين التائبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المدلّين (أي المعجبين بعبادتهم)»، متى نتوب؟ هل يغفر الله لنا وقد فعلنا وفعلنا؟ ليت قدوتَنا أولئك الصالحون أصحاب الصدور المستعرة والدمع المنهمر والحنين والأنين الذين يتقربون إلى الله بالطاعات ويتساءلون: هل يغفر لنا؟ آه من طول الطريق ووحشته وقلة الزاد وكثرة الذنوب… ربنا حليم كريم، وهو شديد العقاب، هل من مشمر؟ المذنب ليس الآخر وإنما هو أنا وأنت… هل في قلوبنا أنّة تتلوها أنة وزفرة تتلوها زفرة ولوعة تعْقبها حُرقة؟ بِمَ نعمر أيامنا وبمَ نُسهر ليالينا؟ هل لله نصيب فيها؟ هل من دمعة تعقبها توبة وهل من توبة تورثنا الجنة؟
هل لديك قلب؟
قال ابن القيم: «ابحث عن قلبك في ثلاثة مواقف: في الصلاة وفي الذكر وفي القرآن، فإن لم تجده فاطلب من الله أن يمن عليك بقلب فإنه لا قلب لك». القلب هو محلّ نظر الله، وقبل أن تشغل نفسك بالعبادات الكثيرة اشغلها بوجود قلب سليم خاشع صادق الإيمان، حركات الجسم مطلوبة في الصلاة لكن لا معنى لها إذا كان القلب غائبا مشغولا بالدنيا، والذكر باللسان مطلوبا لكن لا وزن له إلا إذا كان نابعا من قلب يسبح الله فعلا ويكبّره ويستغفره، وقد رأت رابعة العدوية رجلا لسانُه يكثر من الاستغفار بسرعة فائقة فقالت له: « استغفارك يحتاج إلى استغفار»، لأنها فهمت أن قلبه غائب، وتلاوة القرآن من أفضل الأعمال لكن مع توفر قلب يتدبر ويعي ما يقرأ لأن الله يخاطبه هو،{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ}…فهل لديك قلب؟
ألا تهزنا هذه الآية:{فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}؟هل قلّ ضحكنا وكثر بكاؤنا؟ أليست دنيانا كلها سكيتشات ولهوا؟
كيف نتلو القرآن حق تلاوته؟
نرتقي من التلاوة إلى التلاوة الحق:{ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ}: هذا ما يفعله الكتاب الكريم بمن يتلوه حق التلاوة:{ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} – {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَاناً؟ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} – {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ}.
التلاوة الحق هي أن يتفاعل القارئ مع الآيات كأنها تخاطبه هو، ومعيارها زيادة الإيمان والتفاعل الوجداني إلى درجة سقوط الدموع، هكذا يتغيّر حال المؤمن إلى الأحسن وتحرك التلاوة فيه أطيب المشاعر، وفرق شاسع بينها وبين التلاوة الباردة، وقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم من «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم» أي لا يفهمونه وبالتالي لا يؤثر فيهم، وأي معنى لتلاوة باردة لا تغيّر حال المؤمن لا ذهنيا ولا نفسيا؟ اقرؤوا:{ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ}.
التلاوة الحق تجعلك تتأثر بالوحي وتتدبره وتفهمه وتحسن العمل به… وهناك من يتاجر بالتلاوة ومن يتلاعب بها ومن يتقرب بها إلى الظالمين.
رسالة موت الفجأة
هل فهمنا رسالة السماء؟ الموت لا يأخذ المرضى وحدهم ولا العجائز ولا مرضى كورونا فقط، قد يأتي دون سابق إنذار، يخرج الإنسان من بيته صحيحا معافى ويعود إليه مسجى قد مات بسكتة قلبية أو إثر حادث مرور، ربما لم يكن مستعدا للقاء ربه بسبب طول الأمل، كان يظن أن لديه الوقت ليتوب ويستقيم، وربما كانت لديه مشاريع كثيرة كلها دنيوية لم تترك مساحة لمشاريع الآخرة، خاصة إذا كان من أصحاب السياسة والمال والفن، هؤلاء يغويهم الشيطان أكثر من غيرهم… هل فهمنا رسالة السماء؟ موت الأقارب والأحباب والجيران فجأة رسالة واضحة تخبرنا أن الدور آت علينا، وكل ما هو آت قريب، ملك الموت متأهب ينتظر الأمر، فهل تهيأنا للقاء الله؟ يا ويحنا من الغفلة، يا ويح شبابنا المنقطعين عن الدين، ماذا يبقي الموت من جمال تلك الحسناء؟ ومن تبختر ذلك الشاب الفرح الفخور؟ ومن ذلك الحاكم المتأله ومني ومنك؟ سنموت وربما فينا من يظن أنه لن يموت، فماذا ستكون خاتمتنا؟
لطفك يا رب
الوباء طال أمده، الزلازل تتوالى، موجة حرّ، الغابات تحترق، أحياء لا يصلها الماء في الصيف، أخبار الاختلاسات والفساد تصيبنا بالدوار، حرب العصابات عادت بقوة إلى المدن والشوارع بالأسلحة البيضاء، ارتفاع عدد جرائم القتل والسرقة… إنها ذنوبنا وابتعادنا عن شريعتك العصماء، أمرتَنا فعصينا، ونهيتَنا فاقترفنا، لا نذكرك إلا قليلا لاشتغالنا بالدنيا كأنها دار قرار، نعلم أن الموت حق لكننا لا نستعدّ له، جعلتنا أمة واحدة فتفرقنا وتنازعنا حتى ذهبت ريحُنا، نتحسر على إغلاق المساجد لكن لا ننسى أنها في صلاة الفجر خاوية إلا من قليل من العجائز… يا رب نستحي أن ندعوك ونحن نحن، لكن كيف لا ندعوك وأنت أنت؟ مِنا ما يليق بلُؤمنا ومنك ما يليق بكرمك، إن لم نكن أهلا لنستحق رحمتك فرحمتك أهل لأن تعمّنا، معاصينا كثيرة وزادُنا قليل لكن أترُدّنا ونحن نلهج بأحب كلمة إليك: لا إله إلا الله محمد رسول الله؟
ختاما…ألا تهزنا هذه الآية هزا؟
{فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}- هل قلّ ضحكنا وكثُر بكاؤنا؟ أليست دنيانا كلها لهوًا وسكيتشات لا تترك لنا وقتا للفكر والعِبرة والعَبرة؟ لقد قالها الرسول صلى الله عليه وسلم : «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا»…إنه رأى الآخرة ومشاهدها وأهوالها وحسابها وميزانها وجنتها ونارها، ونحن رأينا كل ذلك بعينه صلى الله عليه وسلم، فهلا اتعظنا؟

عن المحرر

شاهد أيضاً

ماذا بقي من الأسرة الجزائرية؟

عبد العزيز كحيل / أما الغرب –وانطلاقا من فرنسا بالضبط لأنها مصدر الشرور الاجتماعية – …