الرئيسية | سلسلة سراج ومعراج | بيـــت الـمقـــدس عاصمـــة التحـــول الحضـــــاري (7) سيدنا موسى… مراحل مشروع التحرير من الاهتداء إلى الاصطفاء

بيـــت الـمقـــدس عاصمـــة التحـــول الحضـــــاري (7) سيدنا موسى… مراحل مشروع التحرير من الاهتداء إلى الاصطفاء

د.كدير مراد /

انطلقت رسالة سيدنا موسى من جغرافيا مصر مستقر الذرية الإبراهيمية اليعقوبية اليوسفية المرحلي، الذرية الحاملة لمشعل القيادة العقدية الأخلاقية (النبوة) وأمانة الخلافة وولاية المقدسات السياسية والاجتماعية (الإمامة) وسط تحديات شديدة التركيب والتعقيد في ذروة اقتران العلو والفساد الفرعوني بأركانه السياسية الهامانية والاقتصادية المالية القارونية والإعلامية الثقافية الكهنوتية والعقدية الفكرية الاجتماعية الفرعونية.
لقد نال سيدنا موسى شرف النبوة والهدى وميراث رسالة سيدنا ابراهيم ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَىٰ وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ بعد بذل جهد عظيم في الاهتداء والبناء والإعداد النفسي تحت عين الله بعد تحديات متتالية متراكمة، صقلت شخصية سيدنا موسى فكان الميلاد والنجاة من سياسة التطهير العرقي الفرعونية سباقا والنمو الجسدي والإطلاع السياسي في منزل الحاكم السياسي (فرعون) ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾، والنجاة من البطش الاجتماعي والملاحقة السياسية بعد خطأ قتل النفس وهجرة سيدنا موسى إلى مدين وانتقاله للمستوى الثاني من دوائر تحقيق العبودية لله عبر بناء الأسرة المؤمنة لحاقا﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ ﴾ لقد كان الإهتداء ضرورة سننية وقدرا طبيعا لتحقيق الانتقاء والاصطفاء لميراث رسالة ابراهيم واسحاق واسماعيل ويعقوب ويوسف ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾. وكانت تلك المراحل المتراكمة مقدرة ليأتي الوقت المقدر ليتحمل سيدنا موسى عظم الأمانة المكلف بها.
بعد مرحلة الاهتداء والهدى تأتي مرحلة الدعوة والعطاء عبر إصلاح المجتمع وميلاد أمة جديدة مؤمنة من خىل بناء الإنسان استراتيجيا ومرحلة التدافع مع الفساد الاجتماعي والسياسي والفكري والاقتصادي والثقافي والإعلامي للحاكم الطاغية المتأله تكتيكيا. لم تكن رسالة سيدنا موسى لتتوقف عند وظيفة الإصلاح السياسي العقدي بل انطلقت منه كمحطة حتمية لتحقيق الغايات الكبرى للرسالة النبوية. لقد كان منطلق الرسالة معلوما بالتدافع مع الطغيان الفرعوني فكريا وعقديا لكسر النظرية الفرعونية المتمركزة في أنا فرعون المتأله الضابط لمعايير الرشد والصلاح والحق، وقد استخدم في ذلك سيدنا موسى الحجاج الفكري المتين باسطا للتصور الفكري السليم حول طبيعة لله والكون والإنسان قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ*قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ*كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ*مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ* وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ﴾
لم يكن شخص فرعون المقصد بالدعوة والإصلاح لشخصه بل كانت مرحلة مهمة في مسار مشروع التحرير لتحقيق مقاصد الرسالة. لقد كان من صميم رسالة سيدنا موسى تحرير بني اسرائيل الأمة المؤمنة من التمكن والاستبداد والاستعباد والفساد والقبضة الحديدية الفرعونية تمهيدا لإعادة بنائها وتأهيلها لممارسة دورها كأمة جديدة مؤمنة توجه بوصلتها نحو الأرض المقدسة كعاصمة للإمامة والتمكين واستعادة أحقية الولاية على المقدسات ويذهر ذلك جليا في الأمر الرباني يقول تعالى﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ، إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾. فبين أولوية الاصلاح السياسي المحرر للمجتمع وأولوية بناء المجتمع المتدافع مع الطغيان كان السياق التاريخي للعلو يفرض كسر العلو الفرعوني للقضاء على الفساد كأولوية.
لم يتوقف القضاء على علو فرعون عند اظهار ضعفه أمام القوة العظمى لله -عزوجل – كسرا لمنظومة الأفكار والمعتقدات التي تسيطر على تصور فرعون ويفرضها من خلاله على المجتمع عبر ابراز الايات الربانية في الكون إذ زاد ذلك فرعون تكذيبا وصدا عن السبيل المستقيم. بل تعدى ذلك إلى إساءة وجه فرعون وتعرية وجهه أمام المجتمع وقطع حبل الناس عنه فانتقل ميدان المعركة الاصلاحية من شخص فرعون وبلاطه إلى عموم الأمة والميادين العمومية بل وأسهم فرعون بقوة في ذلك كعادة كل طاغية وقت الضعف الفكري السياسي. خاصة مع بروز مؤشرات تنبئ بزوال مبررات الوجود والاستمرار للاستبداد وتهاوي أركانه. يلجأ الطاغية وقتئذ للعديد من الاستراتيجيات منها الترهيب والوعد والوعيد ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَٰهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ والاستعانة بالأركان السياسية والثقافية والإعلامية لتشويه دعاة التغيير والإصلاح وتهييج المجتمع وتأليب الإعلام المأجور ضدهم. استعان فرعون بالمستشارين السياسيين وعلى رأسهم هامان للإيقاع بموسى ﴿قَالَ لِلْمَلإ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ لقد بلغ الاستبداد والاستكبار وخوف زوال الامتيازات المرتبطة ببقاء نظام فرعون بالبطانة السيئة لفرعون إلى اقتياده لنهايته السياسية وهدم صورته في المجتمع من خلال نقل المعركة إلى العلن ظنا منهم أنها القاضية لسيدنا موسى وأخيه هارون ﴿قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾.
لقد رأى فرعون في تغير هوية الصراع من خلال استخدام الأدوات الإعلامية من معركة توحيد وحرية ضد استعباد وعدل ورحمة ضد استبداد إلى معركة مصلحة شخصية لموسى ضد الامتيازات الفرعونية تحت دعوة حماية المصالح الوطنية وحفظ الوطن ﴿قالَ أجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا موسى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنتَ مَكَانًا سُوًى * قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ لقد استعد فرعون ليوم الزينة استعدادا كاملا بما يخدم استراتجيته واستنفر المجتمع وأدواته الاعلامية لشهود نهاية سيدنا موسى واستعلاء فصيله ﴿ففَتَوَلَّى فرعون َفجَمَعَ كَيْدَهُ ثمَّ أَتَى * قَالَ لَهُم موسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى * فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى * قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى * فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾.
كعادة طبيعة الجماهير الانقياد للقوة والانبهار بالأشكال والصور والمظاهر التي تصنعها المؤسسات الاعلامية الكاذبة المؤيدة للسلطان، رأت الجماهير في حبال السحرة وعصيهم حيات وكذلك يريد فرعون﴿قَالُوا يَا موسى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾. لكن الحق مهما سعت مؤسسات الطغيان وأده ينبجس متنفسا كالصبح بعد الليل الدامس ليعلن فجرا جديدا وعصرا وليدا، مثبتة سنة ربانية ثابتة أن الله لا يصلح عمل المفسد والساحر والمدلس والمغيب للحقيقة حيث أتى.
لقد قضى موسى على الرواية الفرعونية وقضم أركانها السياسية والاقتصادية والسياسية وهزم فرعون هزيمة نكراء فكسر كبريائه أمام عموم مجتمعه وفي عيده الشخصي الذي يجمع له الناس كافة. انتقل سيدنا موسى عبر المراحل من الهدى والاهتداء والدعوة والعطاء، تحتاج كل أمة تنشد التمكين من انتقاء واصطفاء عبر الابتلاء يطهر صفها ويعلي من الثابتين فيها ويرفع مقامهم وكذلك كانت سنة ربانية اجتماعية باقية. خاصة وأن الطغاة يميلون كل الميل إلى محاولة الاستئصال للمشاريع الاصلاحية الرائدة ذات الوزن الاجتماعي والتأثير المجتمعي والخلفية الشعبية الواسعة لكسر شوكة المصلحين وقهرهم ومحو فكرة الإصلاح﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فرعون أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءالِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ وكذلك هي مرحلة الابتلاء محطة من محطات التمكين الاخيرة تحتاج لزاد الصبر واليقين بالنصر لاجتياز المرحلة واستحقاق الإمامة ووراثة الأرض وكذلك كانت نصيحة موسى للمستضعفين من أمته ﴿قالَ موسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى ربّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾.
لم يكن الابتلاء سببا لخروج بني اسرائيل من مصر بل هروبا من بطش فرعون بل كان المقصد المركزي لرسالة سيدنا موسى من خلال تحرير الفئة المؤمنة المستعبدة من القبضة الفرعونية بهدف توجيه البوصلة نحو فتح بيت المقدس وتحريره من السلطة الفرعونية والحاكم السياسي الموالي له بل كان الابتلاء عنوان مرحلة قادمة خلال السير نحو تحقيق مشروع التحرير ومحطة ضرورية للانتقاء والاصطفاء للأمة الصالحة المحققة غاية الوجود المستحقة للتمكين والخلود.
لقد اصطفى الله مع موسى من أشهدهم نهاية الطغيان واستبداد السلطان وزيغ وضعف الانسان فكانت نهاية فرعون الموعودة المشهودة عبرة للمؤمنين الثابتين الصابرين من دعاة التغيير والإصلاح بأن طريق التحرير والتغيير ليست طريقا مفروشة بالورود بل طريقا منكسرة محفوفة بالأشواك والابتلاءات وأن الصبر واليقين مع حسن تبصر للطريق وإيمان بالرؤية وثبات للبوصلة هي الزاد على الدرب المتموج وأن التحرير يمر عبر بناء الانسان والتدافع مع الطغيان. وكذلك كانت تلك النهاية عبرة للطغاة والغزاة وممن يساعدهم ويواليهم من الاركان السياسية والاقتصادية والاجتماعية بأن الظلم والاستبداد والاستعباد ساعة والحرية والعدل والحق إلى قيام الساعة ……
يتبع
والله أعلم بمراده.

عن المحرر

شاهد أيضاً

بيـــت الـمقـــدس عاصمـــة التحـــول الحضـــــاري (8) سيدنا موسى… مراحل مشروع التحرير من الاهتداء إلى الاصطفاء

د.كدير مراد / انطلق سيدنا موسى عليه السلام ببني اسرائيل على طريق تحرير بيت المقدس، …