الرئيسية | وراء الأحداث | رغم حملات الرفض والحقد، جامع الجزائر الأعظم مشروع القرن الذي تجسد!

رغم حملات الرفض والحقد، جامع الجزائر الأعظم مشروع القرن الذي تجسد!

عبد الجميد عبدوس /

منذ الإعلان عن فتح أظرفة عروض الشركات المتنافسة في مناقصة الفوز بمشروع إنجاز الجامع الأعظم سنة 2010 تصاعدت حملة إعلامية مسعورة على هذا المشروع الديني الثقافي العمراني حتى قبل الشروع في وضع الحجر الأساسي لبنائه، وتعالت الاصوات التي تطالب بتحويل المبلغ المرصود للجامع الأعظم إلى إنجاز سكنات أو مسارح أو مستشفيات أو جامعات أو طرق أو مركبات رياضية، رغم أنّ الجزائر كانت تتوفر في ذلك التاريخ على احتياطي  نقدي بالعملة الأجنبية قارب 300مليار دولار، وأكد المشرفين على المشروع أن ميزانية المسجد تمثل 0.28 % فقط من الميزانية العامة المرصودة للمخطط الخماسي للتنمية المقدرة بـ286 مليار دولار مما يظهر سوء نية وتهافت حجة المدعين بأنّ ضخامة ميزانية انجاز المسجد قد تحرم الجزائر من تحقيق مشاريع تنموية في قطاعات أخرى، وقد زاد في ضراوة الحملة المضادة لمشروع الجامع الأعظم شعور فرنسا الدولة المحتلة سابقا بالخيبة والامتعاض لعدم فوزها بمناقصة إنجاز المشروع، وقد اعتبر الرئيس عبد المجيد تبون الذي كان مشرفا على مشروع إنجاز الجامع الأعظم بصفته وزيرا للسكن آنذاك أن الشركة الفرنسية المتخصصة في البناء والأشغال العمومية “بويغ” هي من تقف وراء الحملة الشعواء ضد المشروع بعدما فشلت في الظفر بالصفقة.وقال في ندوة صحفية “بويغ كان يعتقد أنه في منزله وأن المسجد له، ولم يحصل عليه ولن يحصل عليه وهناك علاقة بين ما تنشر وسائل الإعلام الفرنسية والشركة”.

فقد تنافست على الفوز بمناقصة بناء جامع الجزائر الأعظم أكثر من 20 شركة من مختلف أنحاء العالم، منها ألمانية وفرنسية وإيطالية وكندية وإسبانية وكورية صينية. وفازت بالمناقصة شركة صينية، غير أنّ الأمر لم يتوقف عند النكسة المالية التي أصيبت بها الشركة الفرنسية، بل تعداه إلى تغيظ الكنيسة الكاثوليكية بسبب اختيار موقع إنجاز المشروع بمدينة المحمدية على أنقاض مركز التبشير المسيحي الذي أقامه الكاردينال لافيجري في نفس المكان الذي حمل اسمه طوال الحقبة الاستعمارية.

كانت الجزائر حتى بعد استرجاع استقلالها في سنة 1962 محاصرة برموز مسيحية تسيج مساحة الجزائر، هي بمثابة الإرث الاحتلالي الفرنسي الصليبي للجزائر، فالقادم إلى الجزائر عن طريق البحر من الضفة الشمالية للمتوسط تقابله غربا كنيسة سانتا كروز (الصليب المقدس) المطلة على الساحل الغربي والتي شيدت عام 1850 فوق جبل مرجاجو بمدينة وهران، وفي وسط البلاد تقابلك كنيسة السيدة الإفريقية‏ التي تقع في أعالي مدينة بولوغين بالجزائر العاصمة، وتأسست عام 1872، أما شرقا فتنتصب كنيسة القديس أوغسطين التي تعلو مدينة عنابة التي شيدت عام 1881 على هضبة بوخضرة المطلة على الساحل الشرقي، وكل هذه المدن الجزائرية سواء في شرق البلاد أو وسطها أو غربها تطل على الشريط السّاحلي للجزائر الواقع في الضفة الجنوبية للمتوسط، ولم تخف صحيفة (لوفيغارو) الفرنسية اليمينية هدفها من معارضة مشروع إقامة جامع الجزائر الاعظم  فكتبت: “أن الجامع سيطفئ وهج كنيسة السيدة الإفريقية”، أما مجلة “لوبوان” اليمينية المعادية للإسلام فقد وصفت مشروع جامع الجزائر الأعظم “بالخرافي والذي يهدر مالا دون أي مقابل”.

كانت السلطات الجزائرية تحضر الشعائر الدينية مثل صلاتي عيد الفطر وعيد الاضحى وإحياء ليلة القدر المباركة في الجامع الكبير بساحة الشهداء باعتباره أكبر مسجد في الجزائر الذي يعود تاريخ تشييده إلى عهد الخليفة المرابطي يوسف بن تاشفين سنة 1096م سنة( 490هـ)،والذي لم يكن يتسع للعدد الكافي من المصلين في هذه المناسبات الدينية الكبرى.

واشتدت ضراوة الحملة الإعلامية الرافضة لبناء جامع الجزائر الأعظم بعد وضع حجر الأساس والانطلاق في إنجاز البناية في سنة 2012، وتهاطلت المقالات الصحفية والتصريحات الإعلامية والرسوم الكاريكاتورية وعرائض الاحتجاج الرافضة للمشروع والرامية إلى إبطال المشروع، أو دفع السلطات الجزائرية إلى التراجع عنه أو تعطيله، أو التقليل من قيمته، واستمرت الحملة الحاقدة حتى بعد زيارة رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لجامع الجزائر الأعظم يوم فاتح محرم 1442هـ الذي تجسد صرحا ثابتا في الأرض بينما مئذنته المنارة الشامخة البديعة التي تعتبر أطول مئذنة في العالم إذ يبلغ علوها 267 متر تعانق عنان السماء وتوفر رؤية لكل الجهات على مدار 360 درجة، مما أفرح ملايين الجزائريين وكذا إخوانهم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، رغم أن الذين أشربوا في قلوبهم حب فرنسا ومن اذناب الاستعمار أغاضهم أن تصبح مئذنة الجامع الأعظم في المحمدية أرفع وأطول من صلبان كنائس الاحتلال وظلوا يصبون جام حقدهم ونقمتهم على الجامع الأعظم الذي أصبح بمثابة مشروع القرن الذي تجسد على ارض الجار، فقد وصل الأمر بأحد الأقلام السوداء في جريدة مفرنسة أن شبه المسجد الأعظم  بـ”صندوق أحذية”، وصدق من قال: إن من يحاربون مسجد الجزائر الأعظم، هم جزائريون يحجّون سنويا إلى “برج إيفل” ويولون وجوههم شطر “قوس النصر”، وهم من يهرولون عادة إلى حمل مظلاتهم عندما تمطر السماء في باريس، وهم من يحاربون العربية والإنجليزية ويسعون إلى فرض اللغة الفرنسية التي تجاوزتها الأحداث في عقر دارها. غير أن هناك مجموعة أخرى من المنتقدين لإقامة الجامع الأعظم الذين لا يمكن تصنيفهم في تشكيلة اللوبي الفرانكوفيلي، إلا أنهم يحملون حساسية خاصة من الرموز الإسلامية فهم وإن كانوا يرحبون غالبا بالإنجازات ذات الطابع الثقافي، إلا أنهم لم يقدروا أن جامع الجزائر الأعظم هو في الحقيقة مركب إسلامي متكامل يضم إضافة إلى المسجد، مركزا ثقافيا، ومكتبة، ومعهدا علميا للتكوين العالي للأئمة، ومدرسة قرآنية، ومتحفا للفنون والتاريخ الإسلامي، ومصلحة لاستغلال وترميم المخطوطات، ومركز أبحاث في تاريخ الجزائر.

كنز إسلامي وتحفة معمارية

ويعد جامع الجزائر الأعظم الذي يتربع على مساحة إجمالية تقدر بأكثر من 27 هكتارا، أكبر مسجد في الجزائر وأفريقيا، وثالث أكبر مسجد في العالم، بعد المسجد الحرام بمكة المشرفة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة.

وتتوسط قاعة الصلاة قبة قطرها 50 وبارتفاع 70 متراً، يمتزج فيها الجانب الوظيفي والجمالي، ويضم المركب فضاء استقبال وقاعة للصلاة تتجاوز مساحتها هكتارين، تتسع لـ120 ألف مصل، يحتوي المسجد على قاعة وضوء مخصصة للرجال وأخرى للنساء وخزان مياه يسع 16 ألف لتر، ودارا للقرآن بقدرة استيعاب تقدر بـ300 مقعد، ومركزا ثقافيا إسلاميا مشيد اعلى مساحة تقدر بـ 8 آلاف متر مربع، ويتسع لـ3 آلاف شخص، ومكتبة بألفي مقعد، تستوعب مليون كتاب وقاعة محاضرات ومتحف للفن والتاريخ الإسلامي ومركز للبحث في تاريخ الجزائر.كما يضم المعلم قاعات تتوفر على وسائل متعددة الوسائط ومقرات إدارية وحظيرة سيارات بطاقة استيعاب تصل إلى 6 آلاف سيارة تقع على مستويين تحت الأرض، ومساحات خضراء ومحلات تجارية.ويحوي كذلك على 12 بناية مستقلة تتربع على مساحة تقدر بحوالي هكتار مع مساحة خام تبلغ 400 ألف متر مربع.

وقد زود جامع الجزائر بنظام مضاد للزلازل بإمكانه الصمود في وجه هزة بقوة 8 درجات على سلم ريشتر” وهو قادر على امتصاص أكثر من 70 بالمئة من قوة الهزة الأرضية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مكرمة الشيخ شيـبــــان في الإصلاح بين الرئيس بن بلة والعلامة الشيخ الإبراهيمي

أ. عبد الحميد عبدوس / قضية الخلاف وربما الصدام بين الرئيس الأول للجزائر المستقلة الرئيس …