الرئيسية | حوار | الأستـــاذة البـــاحــثـــة إيـمـــــان حـــــدو فــي حــديـــــث لـ “البصـــائـــر”: التغيير من نظام بنكي ربوي إلى نظام إسلامي يحتاج رؤية وتخطيطا

الأستـــاذة البـــاحــثـــة إيـمـــــان حـــــدو فــي حــديـــــث لـ “البصـــائـــر”: التغيير من نظام بنكي ربوي إلى نظام إسلامي يحتاج رؤية وتخطيطا

  • “الصيرفة الإسلامية” في إندونيسيا وماليزيا وبريطانيا صنفها الـخبراء الاقتصاديون مِن أحسن التجارب العالَمية الناجحة. 
  • وجوب اعتماد “الصيرفة الإسلامية” في مراكز البحث العلمي والقيام بدراسات عميقة للصعوبات والتحديات
  • من أجل “مصارف إسلامية رقمية” لا بد من بيئة تشريعية تحدد الحقوق والواجبات وتبين الالتزامات
  • دور “الـجمعية الأم” كان ولا يزال كبيرا في الحفاظ على هُـوِية الأمة الجزائرية
  • ميلاد “جـمعية العلماء الـمسلمين الـجزائريين” يُعد فجرا جديدا في مسيرة الكفاح الوطني ضد الاستدمار الفرنسي

 

 

ضيفة اليوم مِن مواليد 12 مايو 1994 م ببلديَّة حرشون بولاية الشَّلف؛ حاصلة على شهادة “ليسانس” في العلوم الإسلاميَّة؛ تَخصُّص “مُعامَلات مالية مُعاصِرة” عام 2016 م؛ مِن جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلاميَّة بقسنطينة، وحاصلة مِنَ الـجامعة نفسها على شهادة “ماستر” تَخصُّص “مُعامَلات مالية مُعاصِرة” عام 2018 م. صدر لـها أوَّل كِتاب بعنوان “حُكم عمولة التَّسويق الشَّبكيِّ في الفقه الإسلاميِّ” عن “دار الـمُثقَّف للنَّشر والتَّوزيع” بباتنة عام 2019 م؛ ويَدرس نازلة التَّسويق الشَّبكيِّ، وبيان أراء أهْل العِلم الَّتي تَباينتْ في حُكم تَقاضي هاته العمولة بيْن مانِع ومُجيز ومُفصِّل مع ذِكر أدلَّة كلِّ رأي ثُمَّ الـمناقشة والتَّرجيح. ولديها مُؤلَّف آخر حول “التَّاريخ الفلسطينيِّ”؛ وعِدَّة أبـحاث عِلميَّة قيْد التَّنقيح بشأن “الاقتصاد الإسلاميِّ” و”الـمُعامَلات الـماليَّة” و”عمليات بيع الذَّهب بالتَّقسيط”؛ وغيرها مِنَ الآراء في مـجالات مُتنوِّعة منشورة في الصُّحف الوطنيَّة مِثل “أخبار اليوم” و”الـمَغرب الأوسط” و”الدِّيوان”. في هذا الـحديث الصِّحفيِّ؛ تُجيب الأستاذة الباحثة إيـمان حدو عن جـملة مِنَ الأسئلة الَّتي تَشغل الرَّأي العامَّ الوطنيَّ حول الكسب الـحلال و”الصَّيرفة الإسلاميَّة” وما يَتَّصل بـها.

حاورها: جـمـــال بــوزيـــان /

مَرحبًا بكِ.
-أهلا وسهلا بك.

الإسلام دِينٌ يُحرِّم “التَّعامل بالرِّبا”؛ ويَدعو إلى “الكسب الـحلال”؛ لكن واقع الـمُسلِمين يَختلف عن ذلك.. ما رأيكِ؟
– الواقع المعاش عكس ما أمرنا به الإسلام، فالأمر أصبح شديد الخطورة والقليل من يسلم منه، وهذا نظرًا لكثرة البنوك وكثرة التساهل وضعف الإيمان، والأخطر هو شدة الجشع في تحصيل المال واللهف وراء حب الدنيا والكسب بأي ثمن، فالإسلام فرق بين الكسب الحرام والحلال، وبين الحلال وقيده بالقيود الشرعية. أمّا الربا فهي من كبائر الذنوب التي حرمت بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة النبوية الشريفة وبإجماع المسلمين، قال الله -عز وجل – في كتابه العزيز:” {وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]. وَقَالَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}. فرب العالمين يبشرنا بحرب يعلنها علينا إذا ما ابتعدنا عن الربا، وهذا ما نعيشه بكثرة انتشار الربا ولهف الناس خلف كسب الأموال دون السؤال عن حُكمها الشرعي. خاصة مع انتشار الأوبئة والأزمات المالية العالمية، هذه هي الحرب التي بشرنا بها الله تعالى. والأصل أننا كلما ابتعدنا عن الدين وارتكبنا المحرمات زادت مصائبنا، وهذه الابتلاءات عبارة عن تنبيهات من رب العالمين للاستيقاظ من غفلتنا وللابتعاد عن المحرمات والموبقات، والربا من الموبقات السبع التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لِمَا رَوَاهُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصِنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ» (صحيح البخاري). والأصعب أنّ المتعامل بالربا ملعون مهما كانت صفته بدليل ما رواه أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ»، وَقَالَ: «هُمْ سَوَاءٌ» (صحيح مسلم). فإذا أردنا الآخرة والدنيا معًا علينا بالابتعاد عن الربا وإيجاد الحلول المناسبة لكل المعاملات الربوية، خاصة وأنّ البدائل الشرعية للمعاملات الربوية كثيرة جدًا.
ما نظريَّة الإسلام في اقتصاد الدَّولة؟
– لا يوجد خلاف في أنّ اعتماد النظام الإسلامي وتطبيقه في كل مجالات الحياة يعود بالنفع على الفرد والمجتمع والدولة، ولا شك أنّ الاقتصاد هو حَجَر الأساس لكل دولة، ومن أجل بناء اقتصاد ناجح فلا بد للدولة من اعتماد النظام الاقتصادي الإسلامي الذي يضمن للدولة المسلمة الاستقلالية والشفافية في التعامل والحرية في اتخاذ القرارات، وأهم شيء ضمانه للتوسع والانتشار والاستمرارية، خاصة وأنّ النظام الإسلامي يتميز بخلوه من الربا ومحاربة الغش والفساد والاحتكار والاكتناز ومختلف المعاملات المضرة بالاقتصاد والمعيقة لتحقيق الأهداف المرجوة. ويُرَى هذا واضحًا في الفكر الاقتصادي الراقي لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، حيث كان يرى أنّه لا يجوز للدولة مباشرة التجارة والإنتاج من زراعة وصناعة، بل يتوجب عليها القيام بمراقبة الإنتاج والتجارة وضبط تصرفات المنتجين والتجار ومعاقبة المخالف فيهم، ففي نظره إذا باشرت الدولة الإنتاج والتجارة عم الظلم وغلت الأسعار. وأهم أمر إدراكه رضي الله عنه لعلاقة الأسعار بعرض السلع وطلبها، ومن خلال الموازنة بين العرض والطلب كان يعمل على استقرار الأسعار في السوق، وذلك بمنع المنافسات المدمرة بين المنتجين والمستوردين وكذا الحد من جشع التجار ومنعهم من البيع بأكثر من السعر العادل (وهو الذي يربح فيه البائع الربح المعقول ولا يرهق به المشتري). أي أنّه للوصول إلى اقتصاد ناجح يتوجب تبني النظام الإسلامي.


ألا تَرَينَ أنَّ لـ”الـمَصارف الإسلاميَّة” مشروعات مُنتِجة وداعمة للتَّنمية الشَّاملة وليست للفائدة فقط؛ لكن لَم تَجد الاهتمام الكافي في بُلدان العالَم الإسلاميِّ”؟
-هناك العديد من المشروعات أو الصيغ التمويلية المقدمة من المصارف الإسلامية والداعمة للتنمية الشاملة، لكنها مهمشة أو لم تلقَ الاهتمام الكافي في بلدان العالم الإسلامي، سواء من الحكومات أو من المصارف الإسلامية ذاتها أو من النّاس. ومن بينها عقود استثمار الأرض، كالمزارعة المعروفة بأنّها عقد شركة بين المال والعمل، والمساقاة المتمثلة في معاقدة دفع الأشجار إلى من يعمل فيها على أنّ الثمر بينهما. وأيضا المغارسة التي هي عبارة عن دفع الرجل أرضه لمن يغرس فيها شجرًا. فهاته العقود التي أجازها الفقهاء بشروط معتبرة لو طبقتها المصارف الإسلامية وفق الشروط المحددة لها، واعتمدها النّاس بانتظام لأصبحت كفيلة بدعم الاقتصاد وتحقيق الاكتفاء الذاتي، خاصة فيما يخص الحبوب والخضر والفواكه، بل ستساهم في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية وفي إحداث نقلة نوعية في عالَم الصيرفة وفق ضوابط الشريعة الإسلامية.
هلِ الـمَجالِس العِلميَّة في “الـمَصارف الإسلاميَّة” قادرة على مُواكَبة الاستثمار الـماليِّ العالَميِّ؟
– المجالس العلمية بالمصارف الإسلامية لها دَور كبير، لكن لا يمكنها مواكبة الاستثمار المالي العالمي بمفردها، وهذا لأن المصارف الإسلامية تعمل تحت إشراف وترخيص من البنك المركزي، ممّا يلزمها العمل وفق القوانين والقرارات والمعايير المحددة من طرف الهيئة الشرعية للإفتاء وكذا القوانين الدولية الخاصة بالصيرفة الإسلامية. والأهم من كل هذا أنّ المصارف الإسلامية تعاني نقصًا في الكفاءات المؤهلة شرعيًا، والمجالس العلمية بمفردها لن تكون قادرة على سد العجز الحاصل في الموضوع. ممّا يوحي بوجود ظروف خارجية متحكمة في نجاح المصارف الإسلامية ووصولها لمواكبة الاستثمار المالي العالمي.
لـمُراقَبة “الصَّيرفة الإسلاميَّة”.. هلِ الأفضل اعتماد “مَجالِس عِلميَّة” في هيكلها الإداريِّ أَمْ تَرَينَ ضرورة إنشاء “هيئة شرعيَّة وطنيَّة”؟ وما الفَرق بينهما؟
– مراقبة الصيرفة الإسلامية تكون داخلية وخارجية، ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما، فالرقابة الداخلية تؤديها المجالس العلمية أو كما تسمى الهيئات الرقابية التابعة للمؤسسات المصرفية، والرقابة الخارجية التي هي وظيفة الهيئة الشرعية الوطنية. إذ أنّ إنشاء الهيئة الشرعية الوطنية ضرورة حتمية لا غنى عنها، وهذا من أجل الرقابة والتدقيق الشرعي والتفتيش، فهذه الأخيرة تكون موحدة وترتبط بالبنك المركزي فتؤدي أدوار كبيرة جدًا ومهمات عديدة، من بينها تولي مراقبة أعمال المصارف الإسلامية وتوحيد الفتوى والـحُكم الشرعي في معاملات المصارف الإسلامية وتنمية المنتجات. وبالتالي تعمل على تطوير معايير وآليات الرقابة والإشراف على الصناعة المصرفية الإسلامية على المستوى الوطني. بينما تقوم المجالس العلمية أو إدارة الرقابة الشرعية التابعة للمصرف الإسلامي بالتأكد من تطبيق المصرف لقرارات الهيئة الشرعية الوطنية ومدى مطابقة أعمال المصرف الإسلامي لأحكام الشريعة الإسلامية، فتعمل أيضًا على تطوير الرقابة الشرعية وآليات إدارة المخاطر داخل المصرف الإسلامي. أي أن الرقابة الداخلية والخارجية للمصارف تكون مكملة لبعضها بعضا.
مِن أجل تَكامُلٍ يَشمل الفقه الإسلاميَّ والقانون والاقتصاد وغيرهما؛ كيْف التَّوفيق بيْنها في بلد سكَّانه مُسلِمون؛ بشأن فوائد الـمَصارِف “البنوك” لـمشروعات الـمَساكِن وتشغيل غير العاملين وشراء الـمَركبات وغيرها؟
–  يمكن التوفيق بينها، فلا توجد مساحة للمستحيل، فقط يحتاج الأمر تخطيطا ودراسة وصبرا وعدم استعجال النتائج، فنحن مثلًا في الجزائر بصفته بلدا مسلما تنص المادة الثانية من دستوره على:”الإسلام دِين الدولة”، فإنّ القانون يستمد أحكامه من الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية، ليتبقى الاقتصاد الذي يعد مشكلًا، إلا أنّه ليس بالمشكل الكبير الذي لا يمكن حله، فحله يسير ويحتاج دراسة وتخطيطا، ويتمثل هذا الحل في تبني النظام الاقتصاد الإسلامي، خاصة فيما يخص عمل البنوك الإسلامية والتمويل الإسلامي الذي يعود بالفائدة على الخزينة العمومية وعلى البنوك وعلى الشعب، ممّا يمكن النّاس من التعامل مع البنوك براحة، سواء من ناحية عمل العمال وكسب رزقهم أو من خلال اقتناء الـمساكن والمركبات وغيرها من المشاريع المقدمة من البنوك الإسلامية.
ماذا يعني تَحديدًا (انفتاح البنوك العموميَّة على الصَّيرفة الإسلاميَّة)؟
–  انفتاح البنوك العمومية على الصيرفة الإسلامية هو اتجاه الحكومة لدعم الصيرفة الإسلامية والسماح للبنوك التقليدية بالعمل بها، ووفق القانون الذي أطلقه “البنك الـمركزي الـجزائري” فإنّ البنوك مرخص لها بالتسويق لـ8 منتجات مصرفية إسلامية متمثلة في: المرابحة والمضاربة والمشاركة والإجارة والسلم والاستصناع وحسابات الودائع وودائع الاستثمار. أي أنّه اتجاه البنوك العمومية إلى استبدال المعاملات المصرفية الربوية بالمعاملات المصرفية الموافقة لأحكام الشريعة الإسلامية. وقد أقرت السلطات الجزائرية هذا المنهج الذي تهدف من خلاله إلى تشجيع أصحاب الأموال على التعامل مع البنوك وفتح الحسابات، وبالتالي تحقيق الدولة الهدف المنشود والمتمثل في احتواء الأموال المتداولة خارج السوق الرسمية عن طريق استقطاب البنوك لأموال الجزائريين بالخدمات الإسلامية المقدمة.
ما رأيكِ في الصِّيغة الَّتي أَطلقها “مَصرف صندوق التَّوفير والاحتياط” لشراء مَساكِن بطريق الإيـجار؟
– الصيغة البنكية الإسلامية لشراء الـمساكن عن طريق الإيجار هي صيغة من صيغ التمويل البنكي الإسلامي التي أطلقها بنك “صندوق التوفير والاحتياط” أو ما يعرف بـ”كناب بنك”، هاته الصيغة المعروفة في الفقه المالي الإسلامي أو في الاقتصاد الإسلامي بـ”الإجارة المنتهية بالتمليك” التي تعرف بأنّها تمليك منفعة من عين معلومة مدة معلومة يتبعه تمليك العين خلال مدة الإجارة أو في نهايتها بواسطة هبتها أو بيعها بإيجاب وقبول وعقد جديد.
وقيام بنك عمومي وتجاري بخطوة جيدة مثل هاته مرحب بها مع الرجاء بتحويل نظام البنك كليا إلى نظام إسلامي مستقبلًا لتفادي أي شبهات. وبالرغم من أنّ الجزائر متأخرة جدا في تطبيق مثل هاته الصيغ التمويلية الإسلامية مقارنة ببعض الدول الإسلامية والعربية، إلا أنّه لا يزال هناك وقت للتدارك ولم يفت الأوان، ونرجو خيرًا ونجاحًا إن شاء الله بالرجوع لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.
ما تقييمكِ لـ»مَصرف السَّلام» بالـجزائر؟
– «مصرف السلام» هو بنك شمولي يعمل طبقًا للقوانين الجزائرية ووفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية في كافة تعاملاته، كثمرة للتعاون الجزائري الخليجي، تم اعتماد البنك من «البنك الـمركزي الـجزائري» شهر سبتمبر 2008، ليبدأ مزاولة نشاطه مستهدفا تقديم خدمات مصرفية مبتكرة.
والجميل في الأمر أنّ المصرف اعتمد كل صيغ التمويل المصرفي الإسلامي، ممّا يعطي فرصة للجزائريين بالتعامل مع مصرف يعتمد في تعاملاته على أحكام الشريعة الإسلامية، خاصة فيما يخص اقتناء المساكن والسيارات والتجارة الخارجية وتحويل الأموال عن طريق أدوات الدفع الآلي، وهذا باعتبارها من أهم الخدمات التي يحتاجها الناس في العصر الحالي. وبالتالي يرى أنّ البنك يساهم كثيرًا في المجتمع، سواءً من ناحية مساهمته في تيسير المعاملات المصرفية للشعب الجزائري بما يوافق أحكام الشريعة الإسلامية أو مساهمته في التنمية الاقتصادية. إلا أن الشرط الذي وضعه البنك والمتعلق بشروط الأهلية والذي يتمثل في وجوب كون المداخيل الشهرية للمتعامل مع البنك أو طالب التمويل أو الزبون ثابتة ومنظمة بحيث تساوي 40 ألف دينار جزائري فأكثر، وهذا الشرط ليس في صالح كل الجزائريين بل حتى يُعد حملا ثقيلا وربما عائقا في طريق تعاملهم مع البنك، وهذا لأن هناك نسبة كبيرة من الناس من لا يتعدى راتبهم الشهري 30 ألف دينار جزائري، وبهذا تُعد هذه الفئة مهمشة، ممّا يتوجب على البنك أن يراجع قوانينه وشروطه حتى يتسنى لكل أفراد المجتمع الاستفادة من الخدمات المقدمة من طرفه. والأهم في الأمر كله أن يكون الإنسان فقيه نفسه، وذلك بسؤال أهل الاختصاص قبل الدخول في أي معاملة بنكية كانت، حتى لو كان التعامل مع بنك إسلامي، وهذا من أجل الاحتراز من الوقوع في الحرام.
ألا تَرَين أخطاء في التَّطبيق لبعض مشروعات «الـمَصارف الإسلاميَّة» خارج الـجزائر؟
-أجل، وهذه الأخطاء ترتكب داخل الجزائر وخارجها وليس خارج الجزائر فقط، فبعض البنوك الإسلامية مثلًا تقدم عروضا بنكية على أنّها إسلامية خالية من الربا، وبهامش ربح معلوم، وفي حقيقة الأمر هي عروض ربوية بحتة. وهذا ما يوجب على «الـمجلس الإسلامي الأعلى» في كل بلد الإسراع في اتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل الفصل في مثل هاته المفاهيم، وكذا وضع القواعد الأساسية لصيرفة إسلامية خالية من الحرام والشبهات.


هلْ تَرَينَ اعتماد «فقه التَّدرُّج» في بُلدان العالَم الإسلاميِّ للتَّغيير مِنَ «البنوك الرِّبويَّة» إلى «الـمَصارف الإسلاميَّة»؟
–  التدرج في حقيقته هو تقديم الأهم على المهم والأوجب على الواجب، لأنّ تحصيل الأهم يهيئ لتحصيل المهم وتحصيل الأوجب يهيئ لتحصيل الواجب. ونرى هذا واضحًا في خلق الكون، فخلقه رب العالمين في ستة أيام ولو شاء لخلقه في لحظة واحدة. وأيضًا نزول القرآن الكريم مفرقًا على مدى 23 عامًا بحسب مراحل الدعوة الإسلامية، حيث رسخ الإيمان في قلوب المؤمنين بخلاف لو نزل القرآن الكريم دفعة واحدة لكان الإيمان أقل ثباتًا أمام التحديات وأكثر عرضة للزوال. وتحريم الخمر كان بالتدريج وتحريم الربا كان بالتدريج.
وبما أنّ التدرج سنة إلاهية في الخلق والتكوين والأمر والتشريع، وقد اعتمدته الشريعة الإسلامية منهجًا أصيلًا، لا سيما وأنّ الله تعالى قال في كتابه العزيز: «أتى أمر الله فلا تستعجلوه» (النحل: 01). أي أنه قد جاءت الحاجة لبحث موقف الشريعة المطهرة من المنهجية والتخطيط والمرحلية لبناء نظام إسلامي وهو ما يتجلى في مبدإ التدرج، ممّا يدل على وجوب اعتماد فقه التدرج للتغيير من البنوك الربوية إلى البنوك الإسلامية، لأنّ التغيير من النظام الربوي إلى النظام الإسلامي في البنوك لن يتم بين عشية وضحاها إزالة الربا منها، ممّا ينبغي عدم استعجال النتائج وعدم التعجيل بتبني النظام، بل يحتاج الأمر إعدادا وتخطيطا ورؤية وليس بإصدار مرسوم أو قرار فحسب. ممّا يوجب على الحكومات دعم الأبحاث والدراسات التي تؤصل الرؤية وترسم المعالم الأساسية للنظام المنشود، ومن ثم تساهم في بلورة خطة منهجية لتحقيقه.. إذًن، فالتدرج يحقق الحكمة الجليلة المتمثلة في الثبات على الحق والدوام والطاعة، وهذا ما يتوجب أن نطمح له، أي الوصول لنظام إسلامي دائم ومستمر.
ما اقتراحاتكِ لتهيئة سليمة قبْل اعتماد «الـمَصارف الإسلاميِّة» في أَيِّ بلد؟
– ربما لا تكون اقتراحات لأن الأمور الواجب تطبيقها قبل اعتماد المصارف الإسلامية في أي بلد كانت واضحة للعلن، فقد تحدث العلماء المتخصصون في الصيرفة الإسلامية كثيرًا عن هذا الموضوع، من أجل نجاح البنوك الإسلامية يتوجب القيام بالعديد من الأمور، منها قيام البنك المركزي بتهيئة البيئة التشريعية والرقابية والقانونية والإشرافية، خاصة وأنّ القيام بالرقابة أمر مهم جدا وضروري لنجاح المصارف الإسلامية. وأيضًا يتوجب طرح موضوع اعتماد البنوك الإسلامية أو الصيرفة الإسلامية في مركز البحث العلمي، وهذا لتكثيف البحث في الموضوع والقيام بدراسة معمقة للصعوبات والتحديات التي تواجههم والتي ستواجههم مستقبلا، وأهم أمر يجب تطبيقه أو فعله قبل اعتماد الصيرفة الإسلامية هو قيام المجلس الإسلامي الأعلى بتأسيس هيئة شرعية للإفتاء.
رغم ثراء مَصادِر التَّمويل في منظومة الإسلام «الزَّكاة والأوقاف والـمَصارف الإسلاميَّة نماذج» إلاَّ أنَّ بُلدانًا كثيرة مِن «مُنظَّمة التَّعاون الإسلاميِّ» تُعاني الفقر… ما رأيكِ؟ وماذا تَقترحين؟
– هذا هو الواقع الذي نعيشه، ولعل جل أسباب هذا الوضع السيء هو سوء التسيير وتباطؤ السياسات والإصلاحات المؤسسية، فنقص الأُطر والكفاءات والقدرات المؤسسية من أبرز أسباب هذا الوضع، خاصة وأنّ المؤسسات المصرفية تشتكي نقص «الكوادر» الذي ربما جعلها عاجزة على تقديم الخدمات الأساسية. وبالتالي فنقص العمال المؤهلين في كل مجموعة منظمة التعاون الإسلامي على مستوى كل بلد سبب رئيس في الأوضاع المزرية التي تعيشها الكثير من بلدان المنظمة. والحل الأول والأخير هو دعم البحث العلمي بما يكفل إيجاد الحلول والأهم تكوين الأُطر وتأهيلها من الناحيتين الشرعية والاقتصادية، وإذا تطلب الأمر يتوجب استقدام «الكوادر» المؤهلة من دول أخرى لسد النقص والعجز.
ما رؤيتكِ لـ»الـمَصارف الإسلاميَّة الرَّقميَّة»؟
– المصارف الرقمية هي منصة افتراضية دون مبنى فعلي على بيئة معلوماتية محضة تقدم خدمات مصرفية. لتمتاز خدماتها بالابتكار والتنوع، المتسمة باليسر والمرونة والسرعة والدقة. ومن أجل وجود مصارف إسلامية رقمية لا بد من وجود بيئة تشريعية قائمة تحدد الحقوق والواجبات وتبين الالتزامات، وبالنظر إلى التحديات التي تواجهها هذه الأخيرة من احتيال واختراق أنظمة المصارف والاحتكار وغيرها من الجرائم الإلكترونية، فإنّ العمل بهذه البنوك على أرض الواقع صعب جدا في الوقت الحالي، فالأمر يحتاج تخطيطا وبحثا، ويحتاج أيضًا بيئة تشريعية ملائمة، ممّا يوجب دعم البحث العلمي في مجال الصيرفة الإسلامية بما يكفل إيجاد حلول استراتيجية لمعوقات العمل المصرفي الرقمي، هذا مع الحرص على إيجاد بيئة تشريعية يراعى فيها مقاصد الشريعة وعولمة الاقتصاد الرقمي.
يشكو كثيرون مِنِ انتفاء الـمَجلاَّت الـخاصَّة بالاقتصاد عمومًا.. ما رأيكِ؟
– هذا أمر طبيعي، ففي بلدان تعاني ضعفًا اقتصاديا وضعفًا في التكنولوجيا والبحث العلمي ستعاني حتمًا من هذا المشكل، فأغلب الدول التي تعيش ركودًا اقتصاديا وضعفًا في الإنتاج فمن المؤكد أنّه لا وجود لإنتاج علمي فيها. والحل الوحيد لهذا المشكل وللعديد من المشكلات المشابهة له بل لأغلب مشكلات هاته الدول هو العمل على تطوير البحث العلمي، وهذا حتى نتمكن من مشاهدة إنتاج علمي مستقبلا.
كيْف تَرَيْنَ جهود «جمعيَّة العلماء المسلمين الجزائريِّين» في نشر الوعي العامِّ والدِّفاع عن هُـوِيَّـة الأُمَّـة الحضاريَّة؟
– يُعد «ميلاد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين» فجرًا جديدًا في مسيرة الكفاح الوطني ضد الاستدمار الفرنسي، ومنذ تأسيسها يوم 5 مايو 1931 حملت على عاتقها مهمة الدفاع عن هُـوِية الأمة، وباتت تهدف إلى إحياء القيم بين أبناء الشعب الجزائري وتعمل على ترغيبهم في العلم النافع والمفيد، وهذا من أجل النهوض بالأمة والمساهمة في خدمة الوطن وتقديم المنافع للإنسانية. وحين التأمل في البيان التأسيسي للجمعية وفي الخطابات السابقة لها نجد أنّ الجمعية ركزت منذ اليوم الأول على نشر التربية والتعليم، وكما يعلم الجميع أنّ التربية والتعليم أساس بناء مجتمع ووطن ناجح، فقد عرفت الجمعية منذ الوهلة الأولى أنّ لا خيار لها غير الحث على التعليم لإخراج الجزائريين من دائرة التخلف والأمية إلى نور العلم، فعلمتهم دينهم ولغتهم فدافعت عن هُـوِيتهم ودعتهم إلى البحث في مختلف العلوم التي تصلح لنهضة الأمة سواء الشرعية أو التقنية، وبهذا كان ولا يزال لـ «الـجمعية الأم» فضل كبير في الحفاظ على هُـوِية الأمة الجزائرية، ولا يوجد خلاف في هذا بين أبناء الوطن، ولا يمكن لأي منهم نكران الدور العظيم للجمعية في بناء الأمة والدفاع عن هُـوِيتها.
ما الكِتابُ الَّذي قرأتِه كاملاً أكثر مِن مَرَّة؟ ولـماذا؟
– قرأت عدة كتب كاملة، لكن أكثر كِتاب أحسست باستفادة كبيرة من قراءته حتى أتذكر أغلب محتوياته هو كِتاب «مقاصد الشريعة الإسلامية» للعالِم والفقيه التونسي مـحمد الطاهر بن عاشور، وذلك لكونه كِتابا قيما جدًا، ومفيدا لكل طلاب العِلم الشرعي، وأيضًا بغية الإلـمام بمقاصد الشريعة الإسلامية من كِتاب ذي قيمة علمية كبيرة حتى أنّه يُعد أهم نص في موضوع المقاصد أنتجه العقل الإسلامي. وأيضا قرأت كِتاب «الـمقدمة العشماوية في فقه السادة الـمالكية» للشيخ عبد الباري الرفاعي العشماوي الـمالكي، وبالرغم من صغر حجمه إلا أن قيمته العلمية كبيرة جدا، ألفاظه سهلة وكثير الـمنفعة مـمّا يجعل كل طالب عِلم شرعي لا يستغني عن قراءته.
ما آخرُ كِتابٍ قرأتِه أو تَقرئينه حاليًا؟
– حاليا أقرأ كِتاب «الفقه الـمالكي وأدلته» للفقيه التونسي الـحبيب بن طاهر، وبفضل من الله أكملت قراءة جزئين منه وبدأت بقراءة الجزء الثالث.
سعيدٌ بكِ اليومَ؛ كرمًا لا أمرًا اختمِي الـحوار.
– أشكرك كثيرا أستاذ على كرم دعوتكم، وحسن أخلاقكم.. وأشكر إدارة وكل طاقم صحيفة «البصائر» على هذه الفرصة.. وأسأل الله أن يوفقكم، ويوفقنا، ويوفق الجميع لـما فيه الـخير الوفير وخدمة الـجزائر الـحبيبة، وأتـمنى أن ينتفع القراء بالـحوار.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الدكتورة فطيمة سبقاق في حــوار مع «البصائر»

الدكتورة فطيمة سبقاق الأستاذة في العلوم الإسلامية والكاتبة والاستشارية الأسرية ، صاحبة كتاب «كوني أنت» …