الرئيسية | في رحاب الشريعة | العــــام الهجــــري الجــــديــــد والـمسلمـــــون بيــــن التــقـليــد والتغــريـــد

العــــام الهجــــري الجــــديــــد والـمسلمـــــون بيــــن التــقـليــد والتغــريـــد

الشيخ محمد مكركب أبران /

الأصل في الذكريات والمحطات التاريخية، التزود بالعبرة الباعثة على التَّجَدُّد والتجديد، والتطور المفيد، في طريق الانتقال من حال إلى أحسن حال، خاصة وأن محطة الهجرة النبوية، أعظم محطة في تاريخ المسلمين، ورصيدها التاريخي يحوي المئات من الدروس في التخطيط والإعداد، ومنها، بل ومن أهمها دروس تطبيقية في كيفية الخروج من الأزمات السياسية، ودروس في الأخوة بين المؤمنين، والتخلص من موالاة الكفار، ونحن معشر الشعوب العربية في زمننا هذا سنة 1442ه في حاجة ماسة إلى استخدام نفس الآليات بالأدوات العصرية للخروج مما نحن فيه من الضعف الاقتصادي، والتخلف العلمي، بأن نهجر التبعية للكفار، ونتحرر كما تحرر المهاجرون والأنصار. وإشكالية المقال في هذا المجال، كيف انتقل المهاجرون والأنصار بقيادة خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام، من ذلك الضيق، والحرمان، إلى بناء أعظم دولة في التاريخ؟ والجواب السريع هو أنهم، كانوا يملكون القوة الإيمانية والعلمية والتشريعية والأخلاقية، وكان السند القوي بعد الإيمان والعلم والأخلاق والتوكل على الله سبحانه. كان عندهم القيادة الصالحة، نعم، القيادة الصالحة، كان نجاح الهجرة، من مكة إلى المدينة، والنجاح في بناء الدولة في المدينة المنورة، بأعظم سبب هو القيادة الصالحة، الحكم الذي قوامه: لاإله إلا الله محمد رسول الله، واتباع كتاب الله، واختيار الرجال الأمناء.
واليوم نقول: ها هو العام الهجري الثاني والأربعون بعد المائة الرابعة والألف سنة هجرية، يَهلُّ علينا ببشاراته الطيبة، وعتابه اللطيف، على ما هو في رصيد المسلمين من أحزان وحسرات، ومن وهن وضعف ونكبات، يَهُلُّ علينا العام القمري الجديد وفي مصطلح التاريخ هو السنة الهجرية (1442) منذ اليوم الذي أذن فيه رب العالمين لخاتم النبيين محمد بن عبد الله الصادق الأمين، -عليه وعلى آله الصلاة والسلام – مع الصحابة الكرام، من خيرة عباد الله المؤمنين. في ذلك التاريخ من شهر ربيع الأول، من السنة الأولى للهجرة، لِمَا يوافق من التاريخ الميلادي: 622. وحديثنا في هذا المقال عن السنة الجديدة، وأما الهجرة فتاريخها بعد شهرين من الآن وإلى دخول الشهر الثالث، وهو شهر المولد والميلاد والهجرة والإعداد، والبناء والجهاد.
يَهل علينا العام الجديد تحت عنوان السنة الهجرية، والمسلمون بلا جديد ولا ما يفيد الإنسانية!! بل ضيعوا الكثير من القديم ومن القيم العمرانية والسياسية والدفاعية، وتزحزحوا من علو مراتب القيادة والسيادة إلى دركات التبعية. إن واقع المسلمين اليوم لا يحتاج إلى وصف الواصفين، لأنه بلا لون من ألوان التمكين، ولا يفتقر إلى نقد المحللين، لأنه بلا أي مَعْلم من معالم الحضاريين، ولا إلى عتاب الواعظين، لأنه بلا رصيد يذكر في سجل العاملين، إلا ما فيه من السلبيات والخطيئات، عدا بعض الومضات هنا أو هناك، حيث استيقظت بعض الأنظمة على ما فيها من عثرات، وهنات.
أكبرُ سِرٍّ من أسرار الهجرة أنها دعوة إلى النهوض والإعداد، فكانت الأذان الصارخ في آذان الناس ليقوموا استجابة لربّ النّاس، في وقفة رجل واحد لينصروا الإسلام والمسلمين، فاستجاب المهاجرون والأنصار ونالوا بتلك الاستجابة المراتب العليا في سلم البطولة والرجولة ونالوا الشرف من كل أطرافه. قال الله تعالى. ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحشر:8) أين هم المسلمون اليوم من نصرة الإسلام ونصرة إخوانهم المعذبين في كثير من ربوع الأرض؟ أليس الخطاب الذي خاطب الله به من كانوا في زمن الهجرة هو نفسه الخطاب الذي ما زال يصلح ليومنا هذا؟ ﴿إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:40) كان هذا الخطاب للناس يوم الخروج إلى غزوة تبوك، ولايزال الخطاب تحريضا وتنبيها وعتابا للناس إلى يوم الناس هذا، وسيظل إلى يوم القيامة، فيا من تقاعستم وتكاسلتم وعجزتم عن النهوض وعن الخروج من تخلفكم، وسكتم عن نصرة الإسلام، ومنه فلسطين، وإخوانكم الضعفاء في أطراف الصين، وتطاول الكفار وعبث المنافقين. ﴿إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ وهذا إعلامٌ من الله لكلّ النّاس ومنهم الصحابة أصحاب رسوله -صلى الله عليه وسلم – أنّ الله -عز وجل – سينصر رسوله، على أعداء الدين، وسيظهره عليهم، سواء أعانوه أو لم يعينوه، ألم ينتبه المسلمون في هذا الزمان، ويتحدوا ويقفوا وقفة رجل واحد، لنصرة دينهم وأنفسهم؟ فكيف مازال حكام المسلمين غارقين في اللهو، والتقاليد والصراع من أجل الكراسي المسمومة بالغش والمكر والخداع، وربما بالنفاق والخيانة، وشريعة الله، وسنة رسوله، يطعن فيها، والمسلمون يُعذبون في فلسطين، والحرمات تنتهك هنا وهناك، وكيف لم يتعظ العلماء، وهم لايزالون في خصام بينهم، تائهين بين المذهبية والطائفية. ألم يحن الوقت بناء على معالم الهجرة، وسنن التاريخ، ومبادئ الشرع، بأن يُعلم من هو الرجل الناصر، المهاجر الذي هجر ما نهى الله عنه، ومن هو الجاهل المتخاذل الذي باع آخرته بدنياه، وترك الدين واتبع هواه؟ نعم، لقد وضح وبان من هو الذي تعلم من الهجرة النبوية، واتصف إما بصفة من صفات المهاجرين. ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ وإما أن يتصف بصفة من صفات الأنصار. ﴿الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ ألا يمكن أن يوجد منا رجال ونساء يقومون بنهضة في مستوى نهضة المهاجرين والأنصار، بأن يتحد ويتعاون الحكام والعلماء والشباب في بلداننا هذه، لكن بالإخلاص والعلم والحب.؟ ألا يمكن؟ بلى، يمكن.
قال لي محاوري: كلّ هذا كلام طيّب، ولكن؟ وسكت، عن أسف وحيرة وتَنَهَّد، حتى اغرورقت عيناه بالدمع، فقلت: مالك؟ خفف عنك، لازلت أحتاجك، قل، تكلم، قال وألم الحزن يخنق صوته: إن هؤلاء الذين تدعوهم من حكام وزعماء، والذين لهم التأثير في قرارات الحكم والتسيير، لايزالون مقيدين بعقد نفسية، وتقاليد اجتماعية جاهلية، والأخطر ما في ذلك أنهم لا يتوكلون على الله تعالى، ولا يعتمدون في عملهم وقراراتهم على أنفسهم، وإنما هم مقيدون بسياسة التبعية لشرق أو لغرب، بل ربما يوالون غير المسلمين ويعادون المسلمين، أي ليسوا أحرارا. قلت: ما هذا الذي تقول؟ قال هذا هو الذي يبكيني. لأن النبي عليه الصلاة والسلام، وصحابته الكرام، يوم أن هاجروا وجاهدوا وصبروا وصابروا، كانوا يملكون قراراتهم، وكانوا أحرارا لا يخافون إلا ربهم تبارك وتعالى، النبي عليه الصلاة والسلام، وصحبه الكرام، انتصروا وبنوا أعظم دولة لأنهم ما كانوا يريدون الكراسي والمناصب للشهرة والمال، كانوا يريدون الله ورسوله والدار الآخرة. كانوا يريدون أن تكون كلمة الله هي العليا. فلما تحرروا من التبعية للقوة الأجنبية، ونزعوا كل خوف من قلوبهم إلاّ خوف الله تعالى، حينها استطاعوا أن يقيموا أعظم دولة، وأعظم أمة.﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران:173).

عن المحرر

شاهد أيضاً

شهر ربيع الأول شهر التاريخ، والعظمة، والبطولة

الشيخ محمد مكركب أبران / اشتمل شهر ربيع الأول على محطات تاريخية كبرى في حياة …