الرئيسية | مساهمات | بين الفكر والقلم

بين الفكر والقلم

أ.عماد مخناش */

 

أعيش في تقلبات الحياة بين دمعة وبسمة، بين حزن وفرح، بين ألم وأمل، أتطلع إلى صناعة ذلك الرجل المنشود المثالي بين الفينة والأخرى، لكن الصنعة البشرية تأبى ذلك لما جبلت عليه من صنوف الخطإ والزلل والنسيان، فسرعان ما تقذفني أمواجها المتلاطمة صاغرا ذليلا في أوحال الشهوات، فيسقط ذلك الصنم الزائف الذي صنعته في مخيلتي.
تستيقظ في جوارحي مشاعر العبودية فأفزع إلى مصحفي وسجادي وأنا أعتصر ألما وأملا لعلي أجد فرجا قريبا ومخرجا.
هكذا هي النفس البشرية، تعيش صراعا داخليا أزليا تتراوح فيه بين طينة تعصف بها في دركات الشقاء ونفخة روحية ربانية تعلو وتتسامى بها في مدارج الكمال.
كنت واهما حينما صنعت في ذهني صورة لإنسان راشد منشود، تتجلى في تلك الصورة أشياء غريبة، صورة ترسم في طياتها أن هذا الإنسان لايخطئ ولا يزل ولا يتعثر، وأنه إنسان في ثوب ملك، لكن تقلبات الدهر فعلت أفاعيلها، ودحضت تلك الوساوس الشيطانية الإبليسية التي كانت تسري في عروقي ودمي.
رسمت تلك التقلبات صورة بديعة أخرى بحبر الواقع وقلم الفطرة الإنسانية مفادها:
أن الإنسان عجينة ربانية في فرن الحياة.
وأن الكمال المنشود السرمدي قد رحل من هذه البسيطة برحيل الأنبياء.
وأن الخطأ والخطيئة يعتريان النوع البشري ليتمخض الصادق من الكاذب، والبر من الفاجر، والخبيث من الطيب، والشر من الخير.
وأن الحياة الحقيقية عصارة دمعة وبسمة: دمعة لنا تترجم معاني الشقاء والحزن، وبسمة تلملم جراحاتنا وآهاتنا.
وأن الحياة الحقيقية عصارة ندم وتوبة: ندم يزلزل كيانك ويهدم جرأتك وإصرارك اللذين كنت تراهن بهما على إيمانك وحياتك، وتوبة تسقي دمائك بترياق العبودية الحقة، وتنتشلك إلى عالم الروح والملكوت.
وأن الحياة الحقيقية عصارة فكر وقلم: فكر يسترسل بك متأملا في أفق الكون الفسيح، وقلم يترجم ما في كيانك وضميرك من معان ومدركات حسية ومعنوية.
في تلك الصورة البديعة أبصرت تقلبات النفس البشرية وأحوالها وسبرت أغوارها، و رأيت أنني كلما هممت بحوار صادق تجاهلتني وتغافلت عني، وتنكرت لي، وقفزت بي من ديوان لآخر، وألفيت أنها في كل مرة تتصنع بحلة ملائكية مزيفة، لتتمادى في غيها وضلالها، وعلمت أن الرضا عن النفس هو أصل كل بلية ورزية ومعصية، بل هو جماع الشرور كلها.
لقد جف قلمي ونفد مدادي وتناثرت عبراتي، فهذه كلماتي وحروفي أزفها لكل مذنب مكلوم مهموم، عله يكفكف بها دمعه ويضمد بها جراحه فتنضج وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها والله المستعان وعليه التكلان.
* (ماستر «2» فقه مقارن وأصوله، جامعة باتنة1)

عن المحرر

شاهد أيضاً

سلطــــة الإبـــداع وسجـــن الـمراقــبــــة…

د/ عاشور توامة سلطة الإبداع وسجن الرقابة، إن قلبنا طرفي المعادلة صارت سلطة الرقابة وسجن …