الرئيسية | سلسلة سراج ومعراج | بيـــت الـمقـــدس عاصمـــة التحـــول الحضـــــاري (6) سيدنا موسى … الفساد الفرعوني وتحديات بداية مشروع التحرير

بيـــت الـمقـــدس عاصمـــة التحـــول الحضـــــاري (6) سيدنا موسى … الفساد الفرعوني وتحديات بداية مشروع التحرير

د.كدير مراد /

في الوقت الذي كانت فيه الأرض قاطبة بتركيبتها البشرية المتنوعة بعيدة عن التوحيد وتحقيق غاية الوجود، انتقلت البشرية من خلال القيادة الإيمانية والعقدية الروحية (النبوة) والقيادة السياسية الحضارية (الإمامة) لسيدنا ابراهيم وذريته سيدنا اسماعيل وإسحاق ويعقوب نحو الهدى والعدل والرحمة فانتشرت في هذه الفترة (1900ق.م-1250 ق.م) التي يسميها المؤرخون العصر البرونزي الوسيط والحديث العمارة والتجارة بين فلسطين والشام حتى أصبح يسمى عصر نشأة القرى وتحولها إلى مدن فظهرت المدن المركزية وكانت كذلك بعدها في مصر والشام في عهد ملك الهكسوس لها. خاصة وأن سيدنا يوسف مكن له في منظومة الحكم كوزير للخزانة والمالية ليكون بعدها أحد رجالات الحكم الهكسوسي ، ورغم طلب سيدنا يوسف للإمامة بهدف محاولة الاصلاح السياسي والديني من داخل منظومة الحكم المسيطرة على بلاد الشام ومصر تمهيدا للعودة الحقيقية للأرض المقدس خاصة وأن الدولة الهكسوسية هي نفسها المسيطرة عليها، خاصة في الفترة (1700 ق.م -1300 ق.م) بين بعثة سيدنا يعقوب وبعثة سيدنا موسى إلا أن ذلك لم يكن له بالصورة الأكمل حتى أن الله سبحانه وتعالى يخبرنا برؤية آل فرعون من المصريين لسيدنا يوسف على لسان مؤمن آل فرعون (وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بالبينات فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَآءَكُمْ بِهِ حتى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولاً) والهلاك قد يشير الى الإبادة وانتهاء الذكر واختفاء الأثر حسب عقيدة الكفار ولسانهم وقد يظهر لنا ذلك مؤكدا على الضلال العميق الذي أصاب الشعوب خاصة تلك الساكنة لبيت المقدس عن التوحيد واتخاذها آلهة كبعل وأدونيس في الشام واتخاذ المصريين الفراعنة الحكام آلهة. انتقلت البشرية وقتها من نور العبودية لله الى ظلمات الاستعباد والاستبداد للسلالات الحاكمة وتألهها وانتشر الظلم والنهب والاغارة.
لقد انتقلت ذرية سيدنا يعقوب ويوسف المؤمنة الصالحة من فلسطين الى مصر في ظل حكم هكسوسي مسيطر على المنطقة بأجمعها من الشام إلى مصر مرورا بفلسطين بأكملها، حكم لا يحارب الأديان ولا يتدخل في المعتقدات وعلى إثر ذلك عاش أهل التوحيد والإيمان من أبناء سيدنا يعقوب ويوسف ضمن المجتمع المصري الفرعوني كأقلية محفوظة الحقوق محمية في ظل سلطة الأقلية الهكسوسية على الأغلبية الفرعونية.
لقد انقلب الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في مصر بعد سقوط حكم الهكسوس على يد أحمس وانتقل الحكم من الأقلية القائدة المسيطرة على الحكم إلى فئة جديدة تمثل الأغلبية الساحقة، تحولت استراتيجية الفراعنة في الاسرة 18 بعد القضاء على حكم الهكسوس من الدفاع الى الهجوم لتأديب المتعاونين من المناطق المجاورة مع الهكسوس مخافة عودة الكرة لهم وامتد بذلك حكم الفراعنة من الاناضول الى القرن الافريقي مسيطرا على مدينة بيت المقدس وفلسطين كاملة.
ولد سيدنا موسى عليه السلام في حقبة زمنية شديدة التعقيد في ذروة اقتران الفساد بالعلو الفرعوني الذي وصفه الله عزّ وجل (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) ويرمز العلو إلى التمكن الكامل على الحكم بسيطرة فرعون على السلطة ممكنا لثلاثية الاستبداد والاستعباد والفساد، ويرسم الله لنا مفهوم الفساد في أبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية الذي مكن له فرعون بصفته المستعلي على المجتمع والشعب.
ولعلى أولى أبعاد الفساد هو انتكاسة الفطرة الانسانية والفساد العقدي التصوري الذي مكن له فرعون في المجتمع وجعله مستعبدا عنده اذ يقول تعالى : (فَحَشَرَ فَنَادَىٰ، فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ)، رأى فرعون نفسه بتعاظم قوته إلها يعبد، ففرض منظومة أفكار واحدة مستفردا بالرأي، قامعا لأي رأي آخر، صانعا لجو من الأحادية الفكرية الضحلة المتوشحة بدعوى الرشد والرشاد والهدى فكان ذلك أحد معالم الفساد الفكري يقول تعالى في محكم تنزيله (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ).
يظهر الفساد الاجتماعي عبر محاولة فرعون البائسة للتطهير العرقي الكامل للأقلية من بني اسرائيل المؤمنة الموحدة المرتبطة تاريخا بحكم الهكسوس، وقد يكون القضاء على عنصر الذكورة في أي مجتمع هو أقسى درجات المحو والتطهير العرقي الذي ابتغاه فرعون سبيلا للقضاء على بني اسرائيل، كما أن الفساد السياسي والثقافي والمالي استشرى في جسد الدولة الفرعونية الفاسدة فتجد أن عالم الأشياء والأفكار أصبح يدور حول محور شخص فرعون المتأله، اذ استخدم فرعون رجال الأعمال كقارون لتثبيت الحكم وكنز رأس المال ( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) واستخدام المال للتأثير المجتمعي على ضعاف النفوس (فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) واستخدم رجال السياسة كالوزير هامان لتنفيذ المشاريع الاستبدادية الاستعبادية التكبرية (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ). لقد كان السحرة الذراع الإعلامية والثقافية الفرعونية لتلبيس الحق وتبليس(شيطنة) أهله من الصالحين المصلحين واستخدامهم كأداة حصار وترهيب وتشويه بغية منع الوصل بين أهل الإصلاح والمجتمع المستهدف بالتغيير والتحرير والتنوير في حين سعت الأدوات الثقافية للتبرير والتخدير ، تخدير المجتمع بالسحر وإفساد الصورة الحقيقية لمنطق الأحداث والتبرير للحاكم المتأله “فرعون” جريا وراء المال والمنصب والشهرة والمكانة وأداة الحفاظ على الأذرع الثقافية الإعلامية غير الثابتة على الموقف تخويف هذه الأدوات من زوال هذه الامتيازات بتمكن أهل الإصلاح (قَالُوا إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ).
لقد اجتمعت أركان الفساد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعقدية الدينية في شخوص هامان وقارون وفرعون فكانت بعثة سيدنا موسى ورسالته ضمن هذا السياق الموبوء يقول تعالى (وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ) لم يكن فرعون وهامان وقارون سابقين ولن يتوقف الفساد عليهم مع تقادم الأزمان لكن الفساد واقترانه بالعلو هو مشروع ممتد يغذيه العدو الأكبر الشيطان بالأدوات والوسائل المتعددة ويهدمه أهل الحق، والحياة الدنيا أيام تداول ودول بين الحق والباطل إلى يوم القيامة. وميدان تدافع بين حملة مشروع العبودية لله في مقابل الاستعباد نشرا للهدى للعالمين وبين الامامة والشهود الحضاري الممكن للبشرية وبين الاستبداد المتمكن من البشرية.
في مثل هذا الواقع شديد التعقيد والتركيب بعث سيدنا موسى حاملا الرسالة الحضارية لإحياء البشرية وإعادتها لمسارها السليم “الصراط المستقيم” تحقيقا لغايتها الوجودية التي بها تكون الحياة “أنا أحقق العبودية لله إذن أنا موجود” بعد تمكن الضلال فيها (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا) وقيادة الأمة الجديدة لعودتها للسيادة والريادة والقيادة عبر مشروع تراكمي معروف البداية والابتداء (اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى)ٰ عبر الإصلاح الفردي والمجتمعي والتدافع مع الطغيان، (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَىٰ) معروف المقصد والمبتغى والبوصلة (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)… لم تتوقف رسالة سيدنا موسى ومشروعه الاصلاحي الحضاري عند الاصلاح السياسي القطري ورفع الغبن والظلم عن المجتمع المحلي والأقلية المقهورة المظلومة من المؤمنين من بني اسرائيل، بل كان في القلب من مهمته قيادة الفئة المؤمنة للتدافع مع الفساد والعلو القائم الذي يمنعهم من الخروج وقيادة ركب فتح الأرض المقدسة، لم يكم المقصد الرئيس هو تحرير بيت المقدس وفتح المقدس المدنس بعد احتلاله من طرف الفراعنة ورضوخه تحت حكم من يواليهم من اهل فلسطين (القوم الجبارين)فحسب بل العودة لعاصمة الإمامة و الانطلاق منها للتمكين لمشروع الاستخلاف في الأرض والقضاء على مشروع الفساد في الارض الذي كان رابضا على الأرض المقدسة ومسيطرا على قلب العالم وعاصمته السيادية. فتكون بيت المقدس عاصمة تحول الأمة المؤمنة من أمة مفعول بها إلى أمة فاعلة ساعية للتمهيد لشيوع رسالة التوحيد وإحقاق العبودية لله والتمكين لأهل الحق المستضعفين ليكونوا الورثة الخلفاء في الأرض من عاصمة القيادة الأرض المقدسة……
يتبع
والله أعلم بمراده.

عن المحرر

شاهد أيضاً

بيـــت الـمقـــدس عاصمـــة التحـــول الحضـــــاري (8) سيدنا موسى… مراحل مشروع التحرير من الاهتداء إلى الاصطفاء

د.كدير مراد / انطلق سيدنا موسى عليه السلام ببني اسرائيل على طريق تحرير بيت المقدس، …