الرئيسية | كلمة حق | هل هذا الوباء أعطى للعالم دروسا؟

هل هذا الوباء أعطى للعالم دروسا؟

أ د. عمار طالبي/

لا شك أن العالم أخذ يتغير، في سلوكه، وفي جدّية البحث العلمي، والتنافس والتسابق فيه للوصول إلى دواء، ويتغير سلوك الناس ووعيهم الصحي، وأخذ الحذر، والاحتياط يزداد، فقد استهزأ بعض الناس بهذا الوباء، وظنوه شيئا هيّنا.

ولكن لما أخذ المصابون في الارتفاع، والوفيات لم تتوقف بل تزداد، رجع هؤلاء إلى أن الأمر جدّي، واجتياح الوباء مرعب، المستشفيات ملئت، والعلاج أصبح صعبا، والأطباء أنفسهم لم ينج منه.
وما لاحظته في المجتمع الجزائري أنه بدأ وعيه الصحي يستيقظ، وينمو، والالتزام بالإجراءات الصحية يأخذ طريقه إلى التنفيذ والجدّ.
ولذلك نزل عدد المصابين هذه الأيام بصورة محسوسة، رغم ما يجري في الشواطئ، والمطاعم، والمقاهي، والمساجد، ويبدو أن المصلين أكثر التزاما وانضباطا، ولعل التربية الدينية لها أثر واضح في السلوك الاجتماعي.
لا شك أن التغيير يحصل في المجال الاقتصادي والفلاحي والسياسي، لتفادي ما ضاع، والتنمية تسرع الخطى، والفساد يقلّ، فقد لاحظ بعض الذين كتبوا عن الوباء في التاريخ الإسلامي توبة الناس وعودتهم إلى المساجد، وقلّ العصيان، والمظالم لما عمّ الوباء وكثر ضرره، وأصبحت العدوى أمرا خطيرا لابد من الاحتراز منها، وما كان يعتقده بعض الفقهاء في إنكار العدوى لم يكن دقيقا ولا صحيحا، فالحديث الوارد «لا عدوى» وقع شك راويه أبو هريرة فيه، ثم إن حرف «لا» هنا ليس للنفي، وإنما هو للنهي كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، وهذا ما ذهب إليه فقهاء الطب والشريعة، مثل الدكتور هيثم الخياط في زماننا هذا، وهو ما ذهب إليه حمدان خوجه، ولسان الدين ابن الخطيب، وابن خاتمة من الفقهاء والأطباء القدماء.
وما نشاهده في العالم اليوم من الأعداد الهائلة يوميا من المصابين والموتى أمر مدهش مع تقدم بعض هذه الدول علميا، وفي صناعة الأدوات الطبية، والأدوية، والبحث العلمي فيما لا يحصى من المخابر، يعلّم هذا الوباء الناس أن ما وصلوا إليه من علم أصبح قاصرا وعاجزا، وعلى الباحثين أن يفكروا في طرق جديدة، لكي يواجهوا مثل هذه الأخطار قبل وقوعها، ومفاجأتها على حين غفلة.
وعلى الشعوب أيضا أن تزداد وعيا بالحفاظ على الصحة، والوقاية من الأمراض، وتجديد منهج التربية الصحية في المدارس وفي المنازل، والعناية بنظافة البيئة، والاحتقان الحراري، وما تدفعه المصانع من نفايات مما يؤدي إلى إفساد في البر، والبحر، والجو، وخاصة المدن الكبرى، وقد نبّه ابن خلدون في القرن الثامن الهجري في المقدمة وفي التاريخ إلى هذا الفساد في الهواء الذي نتنفسه، وإلى الفضلات والقاذورات التي تؤدي إلى الأمراض والأسقام، والأوبئة، فنظر إلى الأمر نظرة اجتماعية بالإضافة إلى النظرة الطبية، وهو قد اطلع على مؤلفات الطب في عصره، واستفاد منها وعقد بابا في الطب في مقدمته.
ونحن اليوم في العالم الإسلامي يلزمنا أن نجدد منظومتنا الصحية على أساس فقه الصحة الذي اشتملت عليه الشريعة، ونبهت إلى مبادئها العامة وفصلت التطبيقات العملية كما في الوضوء وغيره، والسعي إلى تأليف فقه الصحة الذي يجمع بين تعاليم الشريعة، وعلوم الطب، وخاصة الطب الوقائي، ولنا ذخائر نفيسة في مجال الفقه وفي مجال الطب.
نعتقد أن هذا الوباء يمدّنا بدروس مهمة إذا ما استطعنا أن ندرك مداها لتغيير سبل حياتنا في المستقبل. نسأل الله السلامة والعافية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

ماذا يمثل أي دستور لأي أمة؟

أ د. عمار طالبي/ إن أي دستور يسنّ لأية أمة في العالم إنما يعبر عن …