الرئيسية | وراء الأحداث | إطلالة على كتاب (الشيخ مبارك الميلي ـ حياته العلمية ونضاله الوطني)

إطلالة على كتاب (الشيخ مبارك الميلي ـ حياته العلمية ونضاله الوطني)

أ. عبد الحميد عبدوس /

تكرم الأستاذ سي علي بن فليس المرشح السابق لرئاسة الجمهورية ورئيس الحكومة الأسبق بأن أرسل لي كتابا لمؤلفه الكاتب الكبير الراحل الأستاذ محمد الميلي الوزير والسفير والمدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، (سابقا)، وهو نجل المرحوم العلامة الشيخ مبارك الميلي. وكان قد اهدى الكتاب إلى الأستاذ سي علي بن فليس عند صدوره في سنة 2001 عن دار الغرب الإسلامي.
كتاب (الشيخ مبارك الميلي ـ حياته العلمية ونضاله الوطني) هومن أهم وأمتع الكتب التي قرأتها عن العلامة الشيخ مبارك الميلي أحد أعمدة الحركة الإصلاحية في الجزائر وأحد علماء الجمعية الثلاث الذين اعطوا للجمعية عمقها الثقافي واصالتها المذهبية وذلك ما يؤكده الباحث والمؤرخ والمفكر الجزائري الدكتور علي مراد في كتابه المرجعي (الحركة الاصلاحية الإسلامية في الجزائر) بقوله: «الشيخ مبارك يمثل مع ابن باديس والإبراهيمي الثالوث الأقوى والأكثر فاعلية في حركة الإصلاح الإسلامي الجزائري، إذ يشكلون حقيقة النواة المذهبية لهذه الحركة «.
يقع الكتاب في 432 صفحة من القطع المتوسط في طبعة مجلدة أنيقة. حملت نسخة الكتاب الموجودة بين يدي رسالة قيمة من الأستاذ سي علي بن فليس ردا على كلمة الإهداء التي وجهها له مؤلف الكتاب. ومما جاء فيها: «وما شيخنا فقيد الجزائر والدكم المغفور له العلامة مبارك الميلي إلا واحدا من الرجال الذين عاشوا وماتوا للوطن وما بدلوا تبديلا، كانت سيرته العطرة -رحمه الله – درسا في الاستقامة والخلق الرفيع ومثلا في تحصيل العلم وتبليغه، والجهاد دونه، وقدوة في الدفاع عن مقومات الأمة مع رعيل من رجال وهبهم الله للجزائر كصالح لثمود. فتحلقوا حول الحق وابتغوا من ذكر الله وتزودوا بالتقوى ونذروا مهجهم وأموالهم وأولادهم لنصرة الجزائر شعبا ووطنا وتاريخا وعقيدة. فكانوا ترياق الأمة الشافي في زمن أدلهم فيه الظلام ولوثت الأجواء وسممت النفوس وعطلت الإرادات بفعل داء الاحتلال وجرائمه التي لا تحصى.. ولا أجازف بالقول إذا قلت إن إنجازات تلك الكوكبة ورؤيتهم للحياة في مجمل جوانبها تجاوزت رؤية معاصريهم من المصلحين في الأقطار العربية والإسلامية الأخرى في اعتقادي لكونهم وضعوا أفكارهم على محك الممارسة، فساوقوا بين النظري والعملي، ونظروا لرسالتهم على أنها تخليص لمجتمعهم من براثن محتل هيمن بشكل كلي على مقدرات الأمة وطمس معالمها… فجاءت جهودهم تتويجا لرؤية موضوعية، حاولوا من خلالها النهوض بالأمة في عقيدتها ولغتها وتربيتها ومعاملاتها وسلوكها وثقافتها».
ارتأيت إيراد هذه الشهادة المتميزة للأستاذ علي بن فليس في الشيخ مبارك الميلي وفي إخوانه في جمعية العلماء، لأنها شهادة رجل مثقف باللغتين العربية والفرنسية، ومن وجوه النخبة السياسية المؤثرة في المجتمع وفي المسار السياسي المعاصر للجزائر.
ولد الشيخ مبارك الميلي ـحسب بطاقة التعريف ـ في 23ماي 1896 في دوار أولاد مبارك بالميلية (القبائل الصغرى) التابعة لولاية جيجل ومنها استمد لقبه «الميلي» الذي عرف به في حياته وكل مؤلفاته، عاش فترة مهمة من حياته في مدينة ميلة التي هي اليوم عاصمة ولاية ميلة بالشرق الجزائري والتي استقر فيها من 1933 إلى أن انتقل منها إلى جوار ربه سنة 1945. ولكن لقبه الحقيقي هو «مبارك ابراهيمي» المنصوص عليه في بطاقة التعريف الخاصة به، وهو اللقب الذي حمله ابنه الأصغر «عبد الحميد» السياسي الجزائري المعروف الذي تولى منصب الوزير الأول من جانفي 1984 إلى نوفمبر 1988 في عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد.
بدأ الشيخ مبارك تعليمه الابتدائي بمسقط رأسه (أولاد مبارك) ثم انتقل الى مدينة ميلة حيث واصل دراسته لمدة ست سنوات بمدرسة الشيخ محمد ابن معنصر الميلي(1912-1918)، ومنها انتقل إلى مدينة قسنطينة والتحق بالجامع الأخضر ليتابع تعليمه على يد الإمام عبد الحميد بن باديس فكان من أنجب تلامذته، ثم توجه بعد ذلك إلى جامعة الزيتونة بتونس وظل يزاول دراسته حتى تحصل على شهادة «العالمية» سنة 1924. ثم رجع إلى الجزائر سنة 1925 استقر في قسنطينة يدرِّسُ طلاب العِلم بمدرسة قرآنية عصرية، وبحلول سنة 1927 وبدعوة من سكان مدينة الأغواط فتح الشيخ مبارك مدرسة جديدة هدفها تعليم أبناء الجزائريين بمناهج عصرية.
وعن هذه الفترة في حياة الشيخ مبارك الميلي يقول الدكتور علي مراد: «أقام بالأغواط سبع سنوات (من 1927إلى 1934) حيث طبع حياة هذه الواحة بعمق. وخلال هذه الفترة عمل على نشر تعليم عربي عصري، استهوى الشبيبة، وسعى إلى تبسيط المذهب الإصلاحي بتصميم نادر ونشره في وسط تقليدي شديد الارتباط بالزوايا الطرقية».
وخلال إقامته بالأغواط التي ولد فيها ابنه البكر محمد الميلي، ألف سنة 1928الجزء الأول من كتابه الهام (تَاريخ الجَزائر في القَديم والحَديث) وهو الكتاب الذي لقى ترحيبا كبيرا من قادة العمل الإصلاحي وإقبالا واسعا من قراء اللغة العربية في الجزائر. وبعد صدور الكتاب بعث رائد النهضة الجزائرية الحديثة الإمام عبد الحميد بن باديس رسالة تقدير للمؤلف اشاد فيها بالكتاب، ومما جاء في رسالة الشيخ ابن باديس: «أخي مبارك.. سلام ورحمة، حياك الله تحية من علم وعمل وعلم، وقفت على الجزء الأول من كتابك، فهو أول كتاب صور الجزائر في لغة الضاد صورة تامة سوية، بعدما كانت تلك الصورة أشلاء متفرقة هنا وهناك، فقد نفخت في تلك الصورة من روح إيمانك الديني والوطني ما سيبقيها حية على وجه الدهر، تحفظ اسمك تاجا لها في سماء العلا، وتخطه في كتاب الخالدين…».
كان الشيخ مبارك الميلي من مؤسسي جمعية العلماء المسلمين في سنة 1931 وكان أمينا للمال في مكتبها الإداري ،ثم تولى رئاسة تحرير البصائر لسان حال جمعية العلماء بعد انتقالها إلى قسنطينة بعد استقالة الشيخ الطيب العقبي ـ عليهما رحمة الله ـ وفي سنة 1937ألف كتابه الهام (رسالة الشرك ومظاهره) الذي نشره قبل ذلك على شكل حلقات في البصائر تحت عنوان (الشرك ومظاهره).
وعن هذا الكتاب يقول الأستاذ محمد الميلي: «إن رسالة الشرك تمثل فكرا يصلح اليوم أن يكون نموذجا يقتدي به الشباب المتعطش للدين الصحيح، فالذي يقرأ هذه الرسالة وغيرها من كتابات الرعيل الأول المؤسس لجمعية العلماء وفي مقدمتهم عبد الحميد بن باديس، ومحمد البشير الإبراهيمي، والطيب العقبي والأمين العمودي والعربي التبسي وغيرهم يكتشف جهدا ومعاني وتقصيا وبحثا هو ابعد ما يكون عن الأخذ بالقشور والوقوف عند السطحيات».
كتاب (الشيخ مبارك الميلي ـ حياته العلمية ونضاله الوطني) يقدم مادة فكرية ثرية ومعلومات هامة وغزيرة عن حقبة من تاريخ الجزائر الحديث وعن مساهمة رجال جمعية العلماء المسلمين في النهضة الدينية والوطنية للجزائر في حقبة صعبة من تاريخ الجزائر، وبالأخص عن المكانة الثقافية والادبية والصحفية للشيخ مبارك الميلي، واكثر من ذلك فهو يقدم صورة حميمية ومشوقة عن الجوانب الإنسانية التي تميز بها الشيخ مبارك الميلي في علاقته بأسرته وبتلامذته وبإخوانه العلماء .وكذلك علاقته المتسمة بالنفور والتمرد على إدارة الاحتلال الفرنسي.
الكتاب يمتاز بنسيجه الاسلوبي الجميل الذي يمزج بين عمق الفكرة وجدية المعلومة ورشاقة اللغة، ولا عجب في ذلك فمؤلفه الاستاذ محمد الميلي هو احد ألمع الٌأقلام واكبر المثقفين في الساحة الثقافية الجزائرية والعربية. وأكرر جزيل شكري للأستاذ الفاضل سي علي بن فليس الذي مكنني من قضاء امتع اللحظات مع هذا الكتاب القيم.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مكرمة الشيخ شيـبــــان في الإصلاح بين الرئيس بن بلة والعلامة الشيخ الإبراهيمي

أ. عبد الحميد عبدوس / قضية الخلاف وربما الصدام بين الرئيس الأول للجزائر المستقلة الرئيس …